لماذا نشعر بالإرهاق رغم النوم لساعات كافية؟

يعتقد كثيرون أن النوم 7 أو 8 ساعات يوميا كفيل بإعادة شحن الطاقة والواقع غالبا ما يخالف هذا التصور. فكم من أشخاص يستيقظون مرهقين ومثقلي الرأس وضعيفي التركيز، رغم التزامهم بعدد ساعات نوم يعد “مثاليا” وفق المعايير الشائعة.

وهذا التناقض يطرح سؤالا أساسيا: هل عدد ساعات النوم وحده كاف لتفسير شعورنا بالراحة؟ أم أن هناك عوامل أخرى أقل وضوحا تتحكم في جودة النوم ومستوى الطاقة خلال النهار؟

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2التفكير الإيجابي ليس وصفة سحرية.. هل خدعتنا ثقافة التحفيز؟
  • list 2 of 2اكتئاب يناير.. لماذا نقع في فخ العروض السياحية الوهمية مع بداية العام؟

end of list

عدد ساعات النوم لا يعني نوما جيدا

توضح مؤسسة النوم (Sleep Foundation)، وهي منصة بحثية متخصصة في علوم النوم، أن التركيز على عدد ساعات النوم وحده قد يكون مضللا. فالنوم عملية بيولوجية معقدة تمر بمراحل مختلفة، أهمها النوم العميق ونوم حركة العين السريعة (REM)، وهما المسؤولان عن ترميم الجسد والدماغ.

وبحسب المؤسسة، فإن الاستيقاظ المتكرر خلال الليل أو عدم الوصول إلى مراحل النوم العميق لفترات كافية، يؤدي إلى شعور بالإرهاق حتى بعد نوم طويل نسبيا. وتشير إلى أن النوم المتقطع قد يكون أحيانا أكثر إنهاكا من قلة النوم نفسها، وتدعم هذا الطرح دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة علم النفس الصادرة عن دار سبرينغر (Springer).

النوم المتقطع قد يكون أحيانا أكثر إنهاكا من قلة النوم نفسها (شترستوك)

الدراسة، التي بحثت العلاقة بين جودة النوم والمرونة الذهنية، خلصت إلى أن الإرهاق اليومي يرتبط ارتباطا وثيقا بجودة النوم أكثر من مدته. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يعانون من نوم سطحي أو غير مستقر يواجهون صعوبة أكبر في التركيز واتخاذ القرار، حتى عندما ينامون لساعات كافية من الناحية الكمية.

ويشير الباحثون إلى أن الدماغ يحتاج إلى نوم متواصل وعميق لإعادة تنظيم الوظائف المعرفية، وأن أي خلل في هذه العملية ينعكس تعبا ذهنيا في اليوم التالي.

التوتر.. العدو الصامت للنوم المريح

تلعب الحالة النفسية دورا محوريا في جودة النوم. فبحسب منظمة الصحة العالمية (WHO)، يؤدي التوتر المزمن إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، وهو هرمون يعيق الدخول في مراحل النوم العميق.

إعلان

وتوضح المنظمة أن ضغوط العمل وكثرة التفكير قبل النوم والقلق المستمر وحتى التعرض المكثف للأخبار السلبية، قد تجعل الجسم في حالة “استنفار” تمنعه من الاسترخاء الحقيقي أثناء النوم. والنتيجة نوم طويل زمنيا، لكنه غير مريح.

الهاتف قبل النوم: عادة صغيرة بتأثير كبير

من العادات اليومية التي غالبا ما يستهان بتأثيرها، استخدام الهاتف أو مشاهدة الشاشات قبل النوم. وتحذر كلية الطب بجامعة هارفارد، عبر موقع هارفارد هيلث ببلشينغ (Harvard Health Publishing)، من أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يثبط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية.

Male teenage boy fallen asleep in headphones, overworked student relaxing
الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يثبط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية (غيتي)

ووفق تقرير هارفارد، فإن هذا التأثير لا يقتصر على تأخير النوم فحسب، بل يمتد إلى تقليل عمقه، ما يفسر الاستيقاظ المتكرر والشعور بعدم الراحة صباحا، حتى عند النوم لساعات طويلة.

نمط الحياة وتأثيره على الطاقة اليومية

ولا يمكن فصل النوم عن نمط الحياة العام. فبحسب مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، تؤثر قلة الحركة وعدم التعرض الكافي لضوء النهار وسوء التغذية بشكل مباشر على مستوى الطاقة اليومي.

ويشير المركز إلى أن الاعتماد على السكريات والمنبهات لتعويض التعب قد يؤدي إلى تقلبات حادة في مستوى الطاقة، ما يفاقم الشعور بالإرهاق على المدى الطويل، كما يؤكد أن النوم الجيد جزء من منظومة متكاملة تشمل النشاط البدني والتغذية والتوازن النفسي.

ويرى مختصون في النوم أن الإرهاق المستمر رغم النوم الكافي، قد يكون رسالة من الجسد بوجود خلل في نمط الحياة أو الضغط النفسي أو عادات النوم. فالجسم لا يقيس الراحة بعدد الساعات، بل بمدى استعادته لتوازنه الداخلي.

Woman Sleeping In Bed With Sleep Data App Running On Mobile Phone On Bedside
الإرهاق المستمر رغم النوم الكافي قد يكون رسالة من الجسد بوجود خلل في نمط الحياة (غيتي)

وتشير مؤسسة النوم إلى أن تحسين جودة النوم يبدأ بخطوات بسيطة، مثل تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ، تقليل التعرض للشاشات مساء، وتهيئة بيئة نوم هادئة ومظلمة.

والنوم لساعات كافية لا يضمن بالضرورة الشعور بالراحة. فكما تكشف تقارير ودراسات من مؤسسات مثل منظمة الصحة العالمية وجامعة هارفارد ودار سبرينغر، تلعب جودة النوم ومستوى التوتر والعادات اليومية، دورا حاسما في الإحساس بالطاقة خلال النهار.

ومع تزايد إيقاع الحياة وتسارع الضغوط، يصبح الإصغاء لإشارات الجسد ومراجعة نمط النوم والحياة، خطوة أساسية نحو استعادة التوازن.

 

المصدر: الجزيرة