مع حلول الذكرى الرابعة لبداية الحرب الروسية على أوكرانيا، خرجت الاستخبارات الروسية ببيان تتهم فيه قوى غربية بالعمل على تزويد أوكرانيا بمعدات وتقنيات نووية تمكنها من تغيير موازين الحرب أو انتزاع شروط تفاوضية أفضل.
وبحسب السردية الروسية، فإن هذا التحرك الغربي الأوكراني ليس مفاجئا، فهو يأتي ضمن مشهد دولي شديد التعقيد، لم يعرف العالم مثله منذ بداية القرن الحادي والعشرين، ووصلت فيه المواجهة بين روسيا والغرب إلى مستويات خطيرة في ظل انتهاء معاهدة “نيو ستارت” آخر اتفاقية تقيد القوى النووية الكبرى.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع هذا التهديد المزعوم في سياق ما وصفها بالمساعي المستمرة لإلحاق “هزيمة إستراتيجية” ببلاده، محذرا من أن خصوم روسيا “يعرفون ما ستؤول إليه الأمور إذا استخدموا عنصرا نوويا” في أي هجوم ضدها.
فما تفاصيل هذا الاتهام الروسي الجديد، وما خلفياته، وهل هو مجرد جزء من الحرب النفسية بين روسيا والغرب؟

ما تفاصيل الادعاءات الروسية؟
وفقا لبيان نشره المكتب الإعلامي لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي في 24 فبراير/شباط 2026، فإن بريطانيا وفرنسا تقفان وراء محاولة لتزويد أوكرانيا بأسلحة وتقنيات نووية، إذ تعتقد لندن وباريس أن “كييف ستتمكن حينئذ من التطلع إلى شروط أفضل لوقف الأعمال العدائية” في حربها ضد روسيا.
ويتمثل المخطط البريطاني الفرنسي -بحسب الاستخبارات الروسية- في عملية سرية لنقل مكونات وأجهزة وتقنيات أوروبية إلى أوكرانيا. وتحديدا، فقد جرى التفكير في الرأس الحربي الفرنسي المصغر من طراز “تي إن-75” ليُحمل على الصواريخ الباليستية “إم 51.1” التي تطلق من الغواصات النووية الفرنسية.
وترى الاستخبارات الروسية أن الهدف هو منح أوكرانيا “سلاحا معجزة” بالمصطلح الألماني “فوندر فافه”، يمكنها التعويل عليه باعتباره سلاحا نوويا أو على الأقل “قنبلة قذرة” في إشارة إلى قنبلة تتكون من متفجرات تقليدية معبأة بمواد مشعة لنشرها في الجو وقت الانفجار.
وكان من اللافت في البيان، إشارة الاستخبارات الروسية إلى أن ألمانيا رفضت “بحكمة” المشاركة في هذه “المغامرة الخطيرة”.
وليست هذه المرة الأولى التي تتهم فيها روسيا أوكرانيا بالسعي للحصول على قنبلة نووية، فعندما كانت الحرب تتم شهرها الثامن، اتهمت موسكو كييف بالبدء في تنفيذ خطة استخدام “قنبلة قذرة”، وطالبتها وحلفاءها الغربيين بالكف عن الخطوات التي قد تؤدي بالعالم إلى كارثة نووية.
كيف نفهم موقف روسيا؟
“محاولة يائسة”: ترى موسكو أن لندن وباريس -اللتين تتباين مواقفهما الآن عن الولايات المتحدة الحريصة على إنهاء الحرب حتى لو بتنازلات كبيرة أوكرانية وغربية- قد وصلتا إلى قناعة بأن الوسائل العسكرية التقليدية لم تعد كافية لهزيمة روسيا أو تغيير موازين القوى بشكل حاسم.
وبناء عليه، فإن روسيا تَعُدّ تزويد أوكرانيا بسلاح نووي أو “قنبلة قذرة”، محاولة غربية لمنحها أداة ضغط إستراتيجية “يائسة” لانتزاع شروط تفاوضية أفضل في ظل حالة الجمود الميداني.
قدرات أوكرانية: وتستند الاتهامات الروسية إلى حقيقة أن أوكرانيا تمتلك قاعدة علمية وصناعية نووية عريقة ترجع إلى الحقبة السوفياتية، وتشمل مفاعلات بحثية (مثل معهد الأبحاث النووية في كييف) ومناجم لليورانيوم (مثل مصنع جوفتا فودا).
وتدعي موسكو أن كييف تقترب بفضل الدعم التقني البريطاني من تصنيع “قنبلة قذرة”.
فراغ دولي: مع انتهاء معاهدة “نيو ستارت” في فبراير/شباط 2026 وانهيار آليات الرقابة الدولية، ترى روسيا أن العالم دخل في “سباق تسلح مفتوح”. وفي هذا السياق يبدو من المنطقي وفقا للحسابات الروسية أن تسعى أوكرانيا لامتلاك رادعها الخاص، ولا سيما مع تزايد الشكوك حول استدامة الضمانات الأمنية الغربية التقليدية على المدى الطويل.
كيف نفهم موقف الغرب؟
تقويض المظلة النووية: في عام 2026، تسارعت النقاشات في أوروبا بشأن الحاجة إلى استقلال إستراتيجي دفاعي، خاصة مع تزايد الشكوك حول التزامات واشنطن في ظل إدارة دونالد ترمب. وقد عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توسيع نطاق الردع النووي الفرنسي ليكون بمثابة “مظلة أوروبية”.
وتمثل هذه الخطوة تهديدا وجوديا للإستراتيجية الروسية التي تعتمد على تقسيم أوروبا والتعامل مع كل دولة على حدة. ومن خلال اتهام فرنسا وبريطانيا بالضلوع في نشر أسلحة نووية في أوكرانيا، تهدف روسيا إلى ثني الدول الأوروبية الأخرى عن قبول الحماية الفرنسية أو التعاون النووي مع باريس ولندن.
دبلوماسية الإكراه: يرى محللون إستراتيجيون غربيون، مثل لورانس فريدمان، أن التهديد النووي الروسي يستخدم كأداة “إقناع” بأن تكاليف استمرار الصراع بالنسبة للغرب ستتجاوز أي فوائد محتملة.
ومن خلال الترويج لرواية نقل الغرب للتقنية النووية، تضع موسكو القوى الغربية في موقف دفاعي، حيث تُلمّح إلى أنها قد تضطر لاستخدام أسلحتها النووية التكتيكية ردّا على هذا التهديد المزعوم.
وهذا النوع من “الابتزاز” يهدف إلى دفع القوى الغربية لتقليص حجم المساعدات العسكرية التقليدية النوعية (مثل الطائرات والدبابات المتقدمة). إنها محاولة لفرض “خطوط حمراء” جديدة في وقت تشعر فيه روسيا أن الخطوط القديمة قد تم تجاوزها دون عواقب كافية.
وبين السردية الروسية عن “السلاح المعجزة” والمخاوف الغربية من طموحات روسيا، يبقى الواقع في الميدان هو الحكم الأخير. ربما يكون اتهام لندن وباريس بالسعي لتسليح كييف نوويا هو ذروة الحرب الكلامية.
لكنه في الوقت ذاته يبين أن الصراع في أوكرانيا قد تجاوز تلك الجغرافيا ليصبح صراعا على شكل النظام العالمي الجديد؛ نظامٌ يبدو أن “الرعب النووي” سيعود ليكون حجر الزاوية فيه من جديد.
المصدر: الجزيرة