على امتداد تاريخها الطويل، شهدت مصر تحولات سياسية ودينية وثقافية متعاقبة، انعكست بدورها على تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك أنماط الغذاء والمطبخ. ومع تغير البيئة وتداخل الثقافات الوافدة، أعيد تشكيل المائدة المصرية أكثر من مرة، إلا أن بعض الأطعمة احتفظت بحضورها عبر القرون. ويأتي طبق البط في مقدمة هذه الأطباق، إذ ارتبط تقليديا بالولائم والمناسبات، وحافظ على مكانته في الذاكرة الغذائية للمصريين، جامعا بين الجذور الريفية والطابع الاحتفالي، ولا يزال حضوره لافتا على موائد رمضان والعزائم العائلية حتى اليوم.
تعود علاقة المصريين بالبط والطيور المائية إلى عمق الحضارة الفرعونية، إذ اعتمد النظام الغذائي في مصر القديمة بشكل أساسي على الموارد المحلية من نباتات وحيوانات مستأنسة أو مصطادة من البيئة المحيطة، دون الاعتماد على استيراد الأغذية كما هو شائع في العصر الحديث.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وتشير الأدلة الأثرية والرسوم الجدارية إلى أن البط والأوز كانا جزءا مهما من الغذاء اليومي للمصريين القدماء. فقد امتلأت جدران المقابر والمعابد بمشاهد دقيقة لصيد الطيور في المستنقعات باستخدام الشباك والعصي، فيما تؤكد بقايا قشور البيض وعظام الطيور التي عُثر عليها في مواقع أثرية متعددة انتشار استهلاكها على نطاق واسع.
كما يُنسب إلى المصريين القدماء تطوير واحدة من أقدم تقنيات تسمين الطيور قسريا بهدف زيادة حجمها، وهو ما توضحه نقوش تعود إلى نحو 2500 قبل الميلاد تُظهر عمالا وهم يطعمون الأوز بأساليب منظمة. وعُثر أيضا على بط محنط محفوظ داخل علب خاصة في بعض المقابر ليكون غذاء للمتوفى في الحياة الآخرة، من بينها علبة على هيئة بطة معروضة حاليا في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.
وفي كتابها الطبخ في الحضارات القديمة، تستعرض الطاهية والأستاذة المساعدة في الدراسات الغذائية كاثي كوفمان عددا من الأطباق البارزة في تاريخ المطابخ القديمة، من بينها طبق مصري مميز هو “البط المحمص المحشو بالتمر والبصل”. ويعكس هذا الطبق المكانة الرفيعة التي احتلها البط على المائدة المصرية القديمة، كما يشير إلى أن تقنية الحشو تعد من أقدم أساليب الطهي المعروفة تاريخيا، وهي تقنية لا تزال حاضرة حتى اليوم في إعداد وطهي البط داخل المطبخ المصري.
البط والأوز قبل الدجاج
على الرغم من أن الدجاج يعد اليوم أكثر الطيور استهلاكا في العالم، فإن وضعه لم يكن كذلك في العصور القديمة. فبحسب دراسة حديثة أجراها معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا عام 2024، ظهر الدجاج في مصر في فترة متأخرة نسبيا، وظل نادرا في البداية، ولم يبدأ انتشاره الواسع في التربية والاستهلاك إلا خلال العصر البطلمي، وتحديدا في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.

في المقابل، عرف المصريون القدماء البط منذ عصور مبكرة من خلال الصيد في البيئات المائية، قبل أن يتطور هذا الارتباط إلى تربية منظمة. وتشير الشواهد الأثرية إلى أن البط والأوز كانا من أوائل الطيور التي استؤنست في مصر القديمة، وهو ما تعكسه الرسوم الجدارية التي تظهر سلالات مرباة داخل حظائر مخصصة.
ومن أبرز هذه الشواهد لوحة أوز ميدوم المحفوظة في المتحف المصري بالقاهرة، والتي تصور مجموعة من الأوز ترعى في حقل بينما يقوم الرجال بحرث الأرض باستخدام الثيران. كما تظهر على جدار مقبرة نب آمون جدارية شهيرة تضم بركة في حديقة تسبح فيها البط، في مشهد يعكس مدى اندماج هذه الطيور في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء.
هذا التسلسل التاريخي يجعل البط والوز سابقين بقرون طويلة على المائدة المصرية مقارنة بالدجاج، كما يفسر استمرار شعبية البط في الثقافة الريفية المصرية حتى اليوم، خاصة في مناطق الدلتا والفيوم، حيث لا تزال تربيته تقليدا متوارثا عبر الأجيال.

الطيور سيدة الموائد في ولائم المصريين
مع دخول العصر الإسلامي، حافظ البط على حضوره في المطبخ المصري، لكنه اكتسب مكانة مختلفة، إذ لم يعد يقتصر على كونه طعاما يوميا، بل أصبح طبقا رئيسيا يقدّم في الولائم والمناسبات الكبرى. وانتقلت وصفاته عبر التقاليد الشفوية جيلا بعد جيل، لتصبح جزءا أصيلا من الهوية المطبخية المحلية، مع توظيف توابل وروائح مميزة مثل الحبهان والمستكة.
وخلال هذه الفترة، انتشرت تربية البط والإوز والدجاج على نطاق واسع في الأسواق المصرية، سواء في البيئات الريفية أو فوق أسطح المنازل في المدن الكبرى مثل القاهرة. كما كانت كميات كبيرة من البط والدواجن تُنقل إلى العاصمة من الصعيد والوجه البحري والفيوم، وهو ما أسهم في وفرتها وجعلها من الأطعمة الشائعة والمتاحة لمختلف فئات المجتمع.

على موائد الخلفاء الفاطميين
في العصر الفاطمي، كان البط والوز والدجاج حاضرين بقوة على موائد الخلفاء. يذكر ابن الطوير في كتابه “نزهة المقلتين في أخبار الدولتين” أن موائد الخلفاء في ليالي رمضان والأعياد كانت تمتلئ بالطيور المطهوة بمختلف الأشكال. ويصف سماط العيد بأنه كان يحتوي على أكثر من 21 خروفاً مشوياً وأكثر من 350 طائراً متنوعاً مطهواً بطرق مختلفة.
في زمن المماليك
وفي العصر المملوكي، يشير الباحث بولين ويكا في كتابه الطعام وطرق تحضيره لدى القاهريين في العصور الوسطى إلى الحضور اللافت للبط والأوز والدواجن على الموائد السلطانية. فبحسب ما يورده، ضمّت إحدى ولائم السلطان قلاوون في شهر رمضان نحو 400 بطة ووزة، إلى جانب أكثر من ألف دجاجة، وهو ما يعكس المكانة الرفيعة التي احتلتها هذه الطيور في ثقافة الطعام المصرية خلال تلك الفترة.
البط في العصر الحديث: من التقليدي إلى التطوير
في العصر الحديث، رسّخ البط مكانته كطبق رئيسي على موائد البيوت المصرية خلال المواسم والمناسبات، لا سيما في الريف ومناطق الدلتا. ويقدّم في مناسبات خاصة مثل أول أيام رمضان، والعزائم العائلية، والموالد والاحتفالات الكبرى. وترتبط هذه المكانة بكونه من الأطباق الأعلى تكلفة مقارنة بالدجاج، إضافة إلى كونه وجبة مشبعة تكفي لإطعام عدد كبير من أفراد الأسرة، فضلا عن ارتباط تربيته تقليديا بالبيئة الريفية المنزلية.
من التقاليد الشفوية إلى كتب الطبخ
لم يقتصر حضور البط في المطبخ المصري على الوصفات المتوارثة شفهيا، بل حظي باهتمام مبكر في كتب الطبخ الأولى، التي حاولت توثيقه وتطويره. وتشير آني غول، الأستاذة المساعدة في الدراسات العربية بجامعة ميريلاند والمؤرخة الثقافية المتخصصة في تقاطعات الطعام والثقافة، إلى أن رائدات الطبخ المصريات اللواتي قدمن أوائل موسوعات الطبخ العربية أفردن حيزا خاصا لوصفات البط المصرية.
ومن بين هؤلاء، خصصت بسيمة إبراهيم في كتابها الغذاء والمطبخ والمائدة الصادر في ثلاثينيات القرن الماضي قسما كاملا للوصفات التقليدية للبط. كما توضح غول أن هذا الطبق شهد محاولات متعددة لتقديمه بأساليب عصرية وأشكال متنوعة. ففي كتاب أصول الطهي، قدمت نظيرة نقلا، المعروفة باسم “أبلة نظيرة”، إلى جانب الوصفات الكلاسيكية مثل البط المحشي والبط المحمر، وصفات حديثة نسبيا مثل “روستو البط”، في دلالة على تطور المطبخ المصري مع الحفاظ على جذوره.
أشهر أطباق البط في المطبخ المصري
على مر العصور، طور المصريون وصفات مميزة للبط، أبرزها:
-
البط بالمارتة الدمياطي
طبق تقليدي يُحضّر بحشو البط بكمية وفيرة من البصل المتبل، إلى جانب كبد البط والزبيب، ما يمنحه نكهة غنية ومركزة. ويرتبط هذا الطبق بالمناسبات الكبرى والعزائم العائلية، خاصة في المناطق الساحلية والدلتا.
-
البط المحشي بالأرز أو الفريك
يعد من أكثر أطباق البط انتشارا في البيوت المصرية، إذ يُطهى غالبا مسلوقا أولا ثم يُحمّر في الفرن، ويقدّم بكثرة خلال شهر رمضان والأعياد والمناسبات العائلية.
-
البط المشوي أو المحمر
طريقة ريفية شائعة تعتمد على تتبيل البط بمجموعة من التوابل ثم تحميره ببطء حتى يصبح الجلد مقرمشا، مع الحفاظ على النكهة الطبيعية للطائر وطراوة لحمه.
يؤكد التاريخ أن البط على المائدة المصرية ليس مجرد طبق عابر، بل هو جزء أصيل من هوية غذائية متجذرة عبر آلاف السنين. من نقوش المعابد الفرعونية التي صورت صيد الطيور وتسمينها، مرورا بموائد الخلفاء والسلاطين في العصور الوسطى، وصولا إلى موائد رمضان المعاصرة، حافظ المصريون على علاقة وثيقة مع هذا الطائر المميز. وسواء كان ذلك عبر الصيد في المستنقعات قديماً أو التربية المنزلية حديثا، يبقى البط جزءا حيا من ذاكرة غذائية ممتدة، تربط بين عظمة التراث الفرعوني وأصالة الهوية المطبخية المصرية المعاصرة.
المصدر: الجزيرة