منذ عقدين من الزمان، كان بإمكان أي هاوٍ للميكانيكا أن يفتح غطاء محرك سيارته، ويشخص الخلل ويصلحه بأدوات بسيطة، فقد كانت السيارات حينها عبارة عن منظومات ميكانيكية مترابطة بوضوح. أما اليوم، فبمجرد رفع غطاء المحرك، ستجد نفسك أمام “صندوق أسود” مغلف بالبلاستيك، ومحاط بمئات الحساسات والأسلاك المعقدة.
انتقل عالم السيارات من عصر الميكانيكا البسيطة إلى عصر البرمجيات التي تسير على عجلات، ولكن هذا التحول التكنولوجي المبهر جاء بضريبة باهظة يدفعها المستهلك من جيبه ووقته؛ لتصبح رسائل “الخطأ” التي تظهر على الشاشة الرقمية هي الكابوس الأكبر.
وبينما منحتنا ثورة السيارات مستويات غير مسبوقة من الرفاهية والأمان، فإنها نصبت فخا خفيا للمستهلكين، حيث ارتفعت تكاليف الصيانة إلى مستويات قياسية، وأصبح الإصلاح البسيط يتطلب ميزانية قد توازي ثمن سيارة مستعملة بالكامل في سنوات مضت، مما يطرح تساؤلا جوهريا: هل تخدم هذه التكنولوجيا السائق حقا، أم أنها صممت لتجعل “وكالات السيارات” المحطة الوحيدة للإصلاح؟

وتعتمد السيارات الحديثة على شبكة معقدة من الحساسات والمعالجات؛ حيث يوضح الخبراء التقنيون أن المشكلة الأساسية لم تعد تكمن في تعطل القطع الميكانيكية فحسب، بل في “برمجتها” أيضا. فاليوم، لا يمكنك استبدال بطارية أو مصباح خلفي في بعض الطرازات الفاخرة دون “تعريف” القطعة الجديدة على نظام السيارة البرمجي، وهو ما يحصر عمليات الإصلاح داخل أروقة الوكالات الرسمية.
وبحسب التقارير الصادرة عن منصة ريبورير دريفن نيوز (Repairer Driven News) المتخصصة، فإن الشركات المصنعة للسيارات اتجهت نحو تصميم “وحدات متكاملة” غير قابلة للإصلاح الجزئي.
فعلى سبيل المثال، إذا تعطل مصباح السيارة، فلن تجد فنيا يفتح المصباح لتغيير شريحة إلكترونية صغيرة، بل سيخبرك بضرورة استبدال المصباح بالكامل، وهو ما قد يكلف في السيارات الفاخرة مبلغا يتجاوز 3000 دولار.
هذه الفلسفة ترفع تكلفة الصيانة بنسبة تصل إلى 400% مقارنة بالسيارات التي صنعت قبل عقدين، وتخلق جبلا من النفايات الإلكترونية التي يصعب تدويرها.

وعي المستهلك
ويؤكد المهندس أحمد السباعي، رئيس مجلس إدارة إحدى وكالات السيارات في قطر، في حديثه للجزيرة نت، أن ثقافة الوعي هي الركيزة الأساسية لحماية حقوق المستهلك وضمان كفاءة المركبة.
وأشار إلى أن إدراك العميل الدقيق لشروط الضمان وتفاصيله الفنية يمثل خط الدفاع الأول له، حيث يساهم هذا الوعي في تجنب سوء الفهم أو فقدان حقوقه القانونية مع الوكالة، مما يخلق علاقة شفافة ومستدامة بين الطرفين.
وشدد السباعي على ضرورة اهتمام الملاك بالجانب التدريبي والتقني، والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا الحديثة، خاصة فيما يتعلق بعمر البطاريات وأنظمة الشاشات المتطورة، موضحا أن هذه المكونات التكنولوجية تمثل قيمة مضافة كبرى للمركبة، ولكنها تظل مرهونة بمدى قدرة العميل على تشغيلها والتعامل معها بذكاء، فالمعرفة التقنية تضمن للمستخدم استغلال كامل إمكانيات السيارة وإطالة عمرها الافتراضي.
سلاح ذو حدين
ويرى الخبير التقني جون بول “إننا ننتقل إلى مرحلة لا يمتلك فيها المستهلك سيارته فعليا، بل يستأجر حق استخدام برمجياتها، فالقيود التي تفرضها الشركات على بيانات الإصلاح تجعل الميكانيكي المستقل عاجزا عن المساعدة، مما يقوض المنافسة في السوق ويترك العميل تحت رحمة تسعير الوكيل”.
ويضيف بول المعروف بـ “طبيب السيارات” (Car Doctor) في منشور على حسابه على فيسبوك “إننا نعيش في عصر أصبحت فيه السيارة أشبه باشتراك شهري في خدمة تكنولوجية، وليست أصلا ميكانيكيا نمتلكه للأبد. فأنظمة مساعدة السائق (ADAS) – مثل الكاميرات والرادارات – جعلت القيادة أكثر أمانا، لكنها في المقابل حوّلت الحوادث البسيطة إلى “كارثة مالية”.
ففي السابق، كان أي اصطدام طفيف في مقدمة السيارة “الصدام” يتطلب طلاء بسيطا، أما اليوم، فقد أصبح الصدام محشوا بحساسات الركن ورادارات المسافة، لذا فإن أي ضربة خفيفة تتطلب استبدال الحساسات وإعادة معايرتها باستخدام أجهزة دقيقة ومعدات متطورة.
يبدو أن تكنولوجيا السيارات أصبحت سلاحا ذا حدين، فهي تمنحنا الأمان والرفاهية، ولكنها تفرض علينا تكاليف خفية قد لا تظهر إلا بعد انتهاء فترة الضمان.
لذلك، لم يعد كافيا عند شراء سيارة جديدة السؤال عن “قوة المحرك” أو “فخامة المقصورة”، بل أصبح من الضروري التقصي عن “مؤشر قابلية الإصلاح” ومدى توفر بدائل للصيانة خارج أروقة الوكالة، ويبقى وعي المستهلك هو الدرع الوحيد أمام هذا “الفخ التكنولوجي” الأنيق.
المصدر: الجزيرة