مع ارتفاع منسوب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتزايد الحديث عن سيناريوهات التصعيد، تتجه الأنظار إلى موقفي روسيا والصين بوصفهما حليفتين لطهران وفاعلين رئيسيين في توازنات القوة العالمية. فالعلاقة مع موسكو وبكين تجمع بين مصالح أمنية واقتصادية واتفاقات تعاون طويلة الأمد، في مقابل حرص القوتين على تجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن.
وفي هذا السياق، تراهن إيران على أن أي صدام محتمل سيدفعهما إلى توفير إسناد سياسي ودبلوماسي، وتعاون تقني ولوجستي، وربما دعم دفاعي يرفع كلفة الهجوم ويعزز قدرة طهران على الصمود، ضمن حدود لا تفتح الباب أمام حرب أوسع.
في هذا السياق، يرى الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار أنه في حال اندلاع حرب محتملة بين إيران والولايات المتحدة، فإن تحالف الصين وروسيا مع إيران سيحمل طابعا “إستراتيجيا ولكنه محدود”، فكلا البلدين ينظران إلى إيران بوصفها ثِقلا موازنا حيويا في مواجهة الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا، ويعدّان سقوط النظام الإيراني أو سيطرة الولايات المتحدة على موارد الطاقة الإيرانية خطا أحمر أمنيا لهما.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن إيران، بوصفها لاعبا مستقلا في المنطقة، تحظى بأهمية خاصة، ولا سيما بالنسبة للصين، ويبدو أن نهجهما سيكون مزيجا من الدعم الدبلوماسي، والمساندة الاستخبارية واللوجستية، والسعي إلى استنزاف واشنطن عبر إطالة أمد الحرب، من دون الدخول رسميا في ساحة القتال.
الجبهة الخلفية
ويقول إن الصين، باعتبارها أكبر شريك تجاري لإيران وأكبر مستورد لنفطها، تعتبر أن “أمن الطاقة” هو أولويتها القصوى. وعليه، فيرجح الباحث أن تستخدم بكين، في حال اندلاع الحرب، أقوى أدواتها الدبلوماسية، وأن تسعى إلى توفير شرايين اقتصادية حيوية والالتفاف على العقوبات البحرية، للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الإيراني في زمن الحرب.
ويوضح أن الصينيين يفضلون رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة عبر الدعم المالي والسياسي، لدفع واشنطن إلى التراجع، لأن عدم الاستقرار الطويل الأمد في المنطقة يضر بالمصالح الاقتصادية الكبرى للصين، كذلك، وفي ضوء تطورات فنزويلا، فإن خضوع موارد النفط الإيرانية أيضا للسياسات الأمريكية سيوقع الصين في مشكلات جسيمة.
أما بالنسبة إلى موسكو، فيعتقد دهقاندار أن حربا بين إيران والولايات المتحدة تمثل فرصة ذهبية لصرف الأنظار عن الجبهة الشرقية لأوروبا، أي أوكرانيا، نحو الشرق الأوسط.
وعليه، فيُرجح الباحث الإيراني أن ترغب روسيا في أن يكون هذا الصراع طويلا ومكلفا بالنسبة للولايات المتحدة.
ويضيف أن ما يمكن لإيران أن تتوقعه من روسيا يشمل تبادل البيانات الاستخبارية عبر الأقمار الصناعية، واحتمال إرسال منظومات دفاع جوي متقدمة أو قطع غيار حيوية (عبر المسارات البرية لبحر قزوين)، إضافة إلى شن هجمات سيبرانية ضد البنية التحتية الأمريكية.
ويرى أن روسيا لن تسمح بأن تُهزم إيران بسهولة، لكنها، شأنها شأن الصين، لن تضحي بجنودها للدفاع عن الأراضي الإيرانية.
في المحصلة، يقول إنه ينبغي لإيران أن تضبط توقعاتها وفق مفهوم “الردع غير المتماثل” لا “التحالف العسكري التقليدي”، فلا ينبغي لطهران أن تنتظر “مظلة نووية” أو تدخلا مباشرا من الجيوش الروسية أو الصينية.
ويوضح أن ما ستحصل عليه هو “صمام أمان” دولي يمنع عزلتها الكاملة، وستسعى روسيا والصين إلى تحويل إيران إلى “مستنقع” يستنزف الولايات المتحدة.
وعليه، فإن الإستراتيجية الأنسب لإيران هي الاعتماد على قدراتها الذاتية لضرب المصالح الأمريكية، مع الاستفادة من الورقة الصينية لضمان البقاء الاقتصادي، ومن الورقة الروسية لتعزيز القدرات الفنية والاستخبارية، وفق الباحث الذي يعتقد أن هاتين القوتين ستكونان شريكتين إستراتيجيتين في زمن السلم، وداعمتين من الخلف في زمن الحرب، لا حليفتين في الخطوط الأمامية.
تزويد سلاح
وفي ظل تصاعد التهديدات الأمريكية لإيران وربط واشنطن أي تهدئة بـ”صفقة جيدة” حول البرنامج النووي، تتجه طهران إلى تعميق اصطفافها الشرقي مع بكين وموسكو لرفع كلفة أي مواجهة محتملة.
فقد نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة ومسؤولين أمنيين وقوع تطورات “دراماتيكية” في التعاون العسكري الإيراني الصيني، مع اقتراب إيران من إتمام صفقات تسلّح نوعية قد تؤثر مباشرة في موازين الردع بالمنطقة.
وتؤكد ستة مصادر مطلعة لرويترز أن صفقة صواريخ “سي إم-302” الصينية المضادة للسفن أصبحت قريبة من الاكتمال، وهي صواريخ “أسرع من الصوت” بمدى يصل إلى 290 كيلومترا ومصممة لتفادي الدفاعات البحرية، مما يضع القوات الأمريكية البحرية في الخليج أمام تهديد أكثر تعقيدا.
وبحسب رويترز أيضا، لا تقتصر محادثات طهران مع بكين على هذه الصواريخ، بل تشمل حزمة أوسع تضم أنظمة صواريخ أرض-جو المحمولة (MANPADS) وأسلحة متطورة مضادة للصواريخ الباليستية، إلى جانب مساعٍ للحصول على قدرات مضادة للأقمار الصناعية.
وتقول الوكالة إن هذا المسار تسارع بشدة بعد حرب الاثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل، مع قفزة في التنسيق وزيارات من مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى للصين.
وفي توصيف لحدة الاستقطاب، نقلت رويترز عن مسؤول مطلع قوله إن إيران أصبحت “ساحة صراع” بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، وهو ما يفسر رهانات طهران على تفعيل الشراكات الشرقية عند أي تصعيد.
على المسار الروسي، تظهر إشارات دعم أقل علنية لكنها ذات دلالة. فقد أظهرت بيانات “FlightRadar24” تكرار رحلات طائرة شحن روسية من طراز “إليوشن 76 تي دي” إلى طهران عدة مرات خلال أيام قليلة، في نمط لوجستي متكرر يتزامن مع التصعيد.
ويتقاطع ذلك مع ما كشفته صحيفة فايننشال تايمز عن وثائق روسية مسربة تتضمن طلبا إيرانيا لمنظومات دفاع جوي روسية بقيمة 500 مليون يورو بعد أيام من انتهاء حرب الاثني عشر يوما، في إطار مسعى من إيران لإعادة بناء دفاعاتها الجوية وترميم الثغرات التي كشفتها المواجهة الأخيرة.
وعليه، فإن المشهد يوحي بأن موسكو وبكين قد تتجنبان الانخراط المباشر في حرب ضد الولايات المتحدة، لكنهما قد تقدمان لإيران دعما “تحت عتبة الحرب” عبر التسليح النوعي والإسناد التقني والغطاء السياسي.
أما طهران فتتوقع منهما عمليا تسريع التسليم وتفعيل الاتفاقيات، وهو ما عبّر عنه مسؤول في الخارجية الإيرانية في تصريح نقلته رويترز بقوله إن لدى إيران “اتفاقيات عسكرية وأمنية” مع حلفائها وإن “الوقت مناسب للاستفادة منها”.
حرب مؤكدة
وفي هذا السياق، يقول القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين كنعاني مقدم “إننا نعلم أنه في حال اندلاع حرب شاملة وواسعة في المنطقة، فإن الصين وروسيا، بحكم الاتفاقيات الممتدة لـ25 عاما و20 عاما التي تربطهما بطهران، ستدخلان في المواجهة، ولن تقفا مكتوفتَي الأيدي” أمام ما تعتبرانه اعتداءات أمريكية، خصوصا في منطقة الخليج.
كما يؤكد في حديثه للجزيرة نت أن الأمريكيين على علم بالبنود المعلنة في الاتفاقيات بين إيران والصين وبين إيران وروسيا، في حين أنهم غير مطلعين على الأجزاء المتعلقة بالقضايا الدفاعية والأمنية.
ويقول إن روسيا والصين أظهرتا أيضا أنهما ستتصديان حتما لهيمنة الولايات المتحدة في منطقة الخليج، التي تُعد شريان الطاقة، والتي قد يؤدي الصراع فيها إلى تداعيات تمس الحياة الاقتصادية لكل من الولايات المتحدة وروسيا، وأنهما قد تدخلان في حرب بحرية مع أمريكا.
وختم بالقول إنه يتوقع أن تندلع حرب محدودة في الخليج، ثم يصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارا يدعو الطرفين إلى ضبط النفس، ويُفرض فيه على إيران التزامات معينة، على غرار القرار 598.
الشراكة الإستراتيجية
ووقعت إيران والصين في مارس/آذار 2021 مذكرة تفاهم شاملة للشراكة الإستراتيجية هي الأولى من نوعها بين البلدين.
وتشمل هذه المذكرة التعاون في مجال النفط والطاقة والمجالات العسكرية والأمنية، والاستثمار الصناعي، كما تشمل تطوير البنى التحتية، وإنشاء مناطق تجارة حرة في السواحل الإيرانية الجنوبية.
وتعهد البلدان في ذلك الحين في بيان مشترك بـ”إجراء مفاوضات لإيجاد اتفاق تعاون موسع لمدة 25 سنة” ينص على “تعاون واستثمارات متبادلة في مختلف المجالات، ولا سيما النقل والموانئ والطاقة والصناعة والخدمات”.
كما دخلت معاهدة “الشراكة الإستراتيجية الشاملة” بين روسيا وإيران حيز التنفيذ مطلع أكتوبر 2025، بعد نحو 10 أشهر من توقيعها في موسكو من قبل الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان.
وتمتد هذه المعاهدة لـ20 عاما، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون تشمل مجالات واسعة من التنسيق الاستخباري والأمن إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة والاستثمار والعلوم والتقنية والثقافة.
المصدر: الجزيرة