على حافة الغزو البري.. استنفار أمريكي وجزيرة خرج تتصدر الواجهة وطهران تتوعد

تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، وسط مشهد ميداني تسيطر عليه الغارات الجوية المدمرة على طهران، ومع إعلان الجيش الأمريكي شلّ البحرية الإيرانية، ورفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سقف مطالبه إلى “الاستسلام غير المشروط”، يبرز تساؤل محوري يلوح في أفق المعركة: هل تستعد واشنطن لغزو بري في إيران؟

تعزز هذا التساؤل تحركات وتصريحات نقلتها مصادر متعددة عن الرئيس الأمريكي وقيادة الجيش، سواء فيما يتعلق بإلغاء تدريبات عسكرية لفرق متخصصة وربط ذلك بإمكانية إرسالها إلى الشرق الأوسط، أو ما نقلته بعض وسائل الإعلام الأمريكية عن “اهتمام ترمب الجاد بنشر قوات أمريكية على الأرض داخل إيران”.

هل يخطط ترمب لغزو بري شامل لإيران؟

رغم أن الرئيس الأمريكي قال في تصريحاته العلنية إن القوات البرية “على الأرجح” لن تكون ضرورية في الحرب مع إيران، فإنه أعرب عن “اهتمامه الجاد” بنشر قوات برية، لكن وفق منظور محدد.

ونقلت شبكة “إن بي سي نيوز” الأمريكية عن مصادر عدة، أن ترمب ناقش فكرة نشر قوات برية مع مساعديه ومسؤولين جمهوريين خارج البيت الأبيض، كما أوضح رؤيته لإيران ما بعد الحرب.

وقالت المصادر إن ترمب يريد أن “يكون اليورانيوم الإيراني آمنا، وتتعاون الولايات المتحدة والنظام الإيراني الجديد في إنتاج النفط بشكل مشابه لتعاون الولايات المتحدة وفنزويلا”.

ولم تركز تعليقات الرئيس الأمريكي التي أعرب فيها عن اهتمامه الجاد بنشر قوات برية على غزو بري واسع النطاق لإيران، بل على فكرة “إرسال قوة صغيرة من القوات الأمريكية لاستخدامها في أغراض إستراتيجية محددة” -وفقا للمصادر- التي أشارت كذلك إلى أن ترمب “لم يتخذ بعد أي قرارات أو يصدر أيّ أوامر تتعلق بالقوات البرية”.

وفي مقابلة صحفية سابقة، صرح الرئيس الأمريكي بأنه “ليس لديه أي مخاوف فيما يتعلق بإرسال قوات برية” إذا لزم الأمر.

إعلان

وتعليقا على ما نقلته “إن بي سي نيوز”، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، في بيان صحفي إن “هذه القصة تستند إلى افتراضات من مصادر مجهولة ليست جزءا من فريق الأمن القومي للرئيس، ومن الواضح أنها ليست على علم بهذه المناقشات”.

وأضافت ليفيت “الرئيس ترمب دائما ما يبقي جميع الخيارات مفتوحة بحكمة، لكن أي شخص يحاول الإيحاء بأنه يفضل خيارا معينا يثبت أنه ليس له مكان حقيقي على طاولة المفاوضات”.

وأوضحت أن القوات البرية الأمريكية هي خيار لا يزال مطروحا على الطاولة بالنسبة للرئيس ترمب، على الرغم من أنه “ليس جزءا من خطة هذه العملية في الوقت الحالي”.

US President Donald Trump speaks with a secret service agent during a roundtable to "save college sports" in the East Room of the White House in Washington, DC, on March 6, 2026. (Photo by Brendan SMIALOWSKI / AFP)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتحدث مع أحد عناصر الخدمة السرية خلال اجتماع حديث في البيت الأبيض (الفرنسية)

إلغاء تدريبات يثير التكهنات

أثار الجيش الأمريكي تكهنات كبيرة بعد الإلغاء المفاجئ لتدريبات ضخمة كانت مقررة لقوة الرد السريع التابعة للفرقة 82 المحمولة جوا. وقال مسؤولون لصحيفة واشنطن بوست، إن الجيش ألغى فجأة في الأيام الأخيرة تدريبات كبيرة لعناصر قيادة وحدة مظليين من النخبة، “مما أثار تكهنات داخل البنتاغون بأن جنودا متخصصين في القتال البري ومهام أخرى متنوعة قد يتم إرسالهم إلى الشرق الأوسط مع اتساع نطاق الصراع مع إيران”.

وتضم الفرقة 82 فريقا قتاليا يضم ما بين 4000 و5000 جندي جاهزين للانتشار في غضون 18 ساعة من الإخطار للقيام بمهام متنوعة مثل الاستيلاء على المطارات، والبنى التحتية الحيوية الأخرى، وتعزيز السفارات الأمريكية، وتمكين عمليات الإجلاء الطارئة، وفقا لواشنطن بوست.

وذكر المسؤولون -الذين رفضوا الكشف عن هوياتهم- أن الدور البارز للفرقة 82 في الصراعات السابقة زاد من التوقعات بأن قوة الرد السريع التابعة للفرقة “قد يتم استدعاؤها”. كما نقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين المطلعين على القضية قوله “نحن جميعا نستعد لشيء ما تحسبا لأي طارئ”.

وتعليقا على الأمر وردا على الأسئلة، أصدر البنتاغون بيانا موجزا رفض فيه تقديم تفاصيل، إذ جاء في البيان “نظرا لأمن العمليات، لا نناقش التحركات المستقبلية أو الافتراضية”.

وقوة الرد السريع تُعدُّ بمثابة “رأس الحربة” في العقيدة العسكرية الأمريكية، إذ تعتمد عليها واشنطن لإدارة الأزمات الكبرى التي تنفجر فجأة وتتطلب تدخلا فوريا، وقد تم استدعاؤها في السنوات الأخيرة لتعزيز الأمن في السفارة الأمريكية في بغداد قبل وقت قصير من اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في 2020، كما كان لها دور محوري في الإجلاء من أفغانستان عام 2021، واستعراض القوة الأمريكية في أوروبا الشرقية بينما كانت روسيا تستعد لغزو أوكرانيا عام 2022.

ما المخاطر العسكرية والسياسية التي تعرقل هذه الخطوة؟

عسكريا، حذر رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال دان كين، من أن نقص الذخيرة وعدم وجود دعم عسكري واسع من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين سيضيفان مخاطر كبيرة إلى أي عملية في إيران، وفقا لواشنطن بوست.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن أحد المخاوف السائدة هو “مخزون الجيش المحدود من بعض الأسلحة الرئيسية، إذ إن البنتاغون يستنفد بسرعة مخزونه من الأسلحة الدقيقة ومعترضات الدفاع الجوي”، لكن كبار مسؤولي البنتاغون نفوا وجود أي مشاكل في الذخيرة.

إعلان

هذا ما أكده وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث الذي أشار خلال مؤتمر صحفي، الأربعاء الماضي، إلى أن الولايات المتحدة لا تعاني من أي نقص في الذخيرة، قائلا “مخزوننا من الأسلحة الدفاعية والهجومية يسمح لنا بمواصلة هذه الحملة طالما احتجنا إلى ذلك”.

أما سياسيا، فيواجه ترمب معارضة داخلية، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة “سي إن إن” ونشرت نتائجه يوم الأحد الماضي، أن 60% من المشاركين يعارضون إرسال قوات برية إلى إيران، مقابل 12% من المؤيدين، و28% قالوا إنهم “غير متأكدين”.

ويشارك أكثر من 50 ألف جندي أمريكي حتى الآن في العملية العسكرية التي تستهدف إيران، وقد أعلن الجيش الأمريكي عن مقتل 6 جنود في الاستهدافات الإيرانية للمواقع الأمريكية في الشرق الأوسط، وقال الرئيس الأمريكي إنه “من المرجح أن يكون هناك المزيد من الضحايا العسكريين الأمريكيين قبل انتهاء الحملة”.

إذا اتُّخذ قرار التدخل البري، فما الأهداف المحتملة؟

يُجمع المحللون على أن “جزيرة خرج” الإستراتيجية ستكون من أوائل الأهداف المحتملة لأي عملية برية، وفقا لواشنطن بوست.

وتقع الجزيرة في الخليج العربي على بعد حوالي 15 ميلا من البر الرئيسي لإيران، وتضم أهم البنى التحتية النفطية الإيرانية، إذ يمر عبرها حوالي 90% من صادرات النفط الإيرانية.

وسيؤدي استيلاء الولايات المتحدة على جزيرة خرج إلى سيطرة إدارة ترمب على مركز الاقتصاد الإيراني، لكنه في الوقت نفسه سيجعل القوات الأمريكية عرضة للهجوم.

ووصف مايكل روبن -وهو زميل بارز في معهد أمريكان إنتربرايز المحافظ- تأمين جزيرة خرج بأنه “أمر بديهي”، وقال إن إدارة ترمب يبدو أنها “تتقبل فكرة أن إيران تمثل مشكلة أكبر بكثير مما كانت تعتقد في البداية”.

وأضاف أنه “في حين أن القوات الأمريكية قد تتعرض لإطلاق نار إذا تم نشرها هناك، فإن الاستيلاء على الجزيرة سيمنح الولايات المتحدة مزايا إستراتيجية كبيرة، بما في ذلك إمكانية خنق قدرة طهران على دفع رواتب جيشها”.

وأكد أن تأمين أهم بنية تحتية نفطية في إيران سيتبع نمطا معتادا بالنسبة لترمب، الذي سعى سابقا إلى تأمين الثروة النفطية للولايات المتحدة من خلال القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني الماضي، والتدخل في سوريا خلال ولايته الأولى.

كيف تستعد طهران لمواجهة هذا السيناريو؟

لم تقف القيادة الإيرانية مكتوفة الأيدي أمام هذه التلميحات؛ فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده استعدت لمواجهة أي سيناريو، موجها رسالة تحذير شديدة اللهجة للقوات الأمريكية قائلا: “نحن في انتظارهم.. نحن واثقون من قدرتنا على مواجهتهم، وسيكون ذلك كارثة كبيرة لهم”.

وأضاف عراقجي في مقابلة مع قناة إن بي سي الأمريكية “لقد أعددنا أنفسنا لمواجهة أي سيناريو”.

وعبر حسابه في منصة إكس وجه عراقجي رسالة إلى ترمب قال فيها “السيد الرئيس، لقد فشلت الخطة (أ) التي أُعدت لتحقيق نصر عسكري سريع ونظيف. أما خطتكم (ب) فستكون فشلا أكبر”.

ولم يذكر عراقجي، تفاصيل حول ما يقصده بـ”الخطة ب” إلا أن تصريحاته الأخيرة ترجح أنه يقصد احتمال الغزو البري الأمريكي لإيران.

واليوم السبت، توعّد الحرس الثوري الإيراني، القوات الأمريكية التي سترافق سفنا تجارية لعبور مضيق هرمز بعد أن أعلنت إيران إغلاق الممر الملاحي الحيوي وأصبحت حركة الملاحة فيه شبه متوقفة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وأعلن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن البحرية الأمريكية تستعد لمواكبة السفن في المضيق الإستراتيجي.

ونقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن المتحدث باسم الحرس الثوري، علي محمد نائيني، قوله “إننا في انتظارهم.. نوصي الأمريكيين قبل اتخاذ أي قرار أن يتذكروا الحريق الذي استهدف ناقلة النفط الأمريكية العملاقة بريدجتون عام 1987 وناقلات النفط التي استُهدفت مؤخرا”.

إعلان

ومنذ بدء الضربات الإسرائيلية الأمريكية لإيران في 28 فبراير/شباط الماضي، يعرقل الحرس الثوري حركة مرور السفن في مضيق هرمز. وهدد مساء الاثنين، بـ”حرق أيّ سفينة” تحاول عبور المضيق.

وبين إصرار أمريكي على فرض شروط التسوية وتشكيل قيادة جديدة في إيران بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، واستعداد إيراني لخوض حرب استنزاف دموية.. كيف ستبدو ملامح المرحلة القادمة؟

 

المصدر: الجزيرة