في ظل استنزاف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لمخزون الصواريخ الأمريكية، تأمل أوكرانيا في تسويق ما تعتبره “ابتكارا لها في زمن الحرب” واستخدامه ورقة ضغط لصالحها، وهي مسيّرات اعتراضية منخفضة التكلفة مصممة لإسقاط المسيّرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا ضدها.
وإذا نجح التعاون مع الشركاء، قد تبرز أوكرانيا كلاعب جديد في ميدان الحرب الحديثة، رغم أنه لا يزال غير واضح ما إذا كان بإمكان صناعتها أن تتوسع بالقدر الذي يحقق هذه الطموحات أو أن تنفتح على الأسواق العالمية دون الإخلال بدفاعها الذاتي.
وقد أفاد مراسل الجزيرة، اليوم السبت، نقلا عن مصادر أمنية بأن فرقا أوكرانية وصلت إلى واشنطن لعرض مسيّرات أوكرانية قادرة على إسقاط المسيّرات الإيرانية.
وفي تقرير لها حول هذا الطموح الأوكراني قالت وكالة أسوشيتد برس إن أوكرانيا تعد اليوم من أبرز منتجي المسيّرات الاعتراضية في العالم، وهي تعرض خبرتها على الولايات المتحدة على أمل الحصول في المقابل على أسلحة متطورة لا تستطيع تصنيعها محليا.
وذكرت الوكالة أنه عندما غزت روسيا أوكرانيا قبل 4 سنوات، كانت صناعة الأسلحة المحلية في أوكرانيا ضعيفة. وبسبب اضطرارها للابتكار من أجل البقاء، أنشأت أوكرانيا منذ ذلك الحين قطاعا دفاعيا سريع النمو يرتكز على المسيّرات منخفضة التكلفة، بعضها مصمم خصيصًا لمواجهة مسيّرات “شاهد” الإيرانية التي تطلقها روسيا الآن بالمئات.
وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، حظرت كييف تصدير الأسلحة لكن الآن، يقول المصنعون الأوكرانيون للمسيّرات الاعتراضية منخفضة التكلفة إنهم يتلقون اهتماما من الولايات المتحدة.
وحسب معدي التقرير طلبت الولايات المتحدة مؤخرًا “دعما محددا ضد مسيّرات شاهد ما دفع الرئيس الروسي فولوديمير زيلينسكي إلى إصدار أوامر بنشر معدات وخبراء أوكرانيين، مع بقاء التفاصيل سرية”.
وبينما تستطيع دول أخرى تصنيع مسيّرات اعتراضية، فإن أوكرانيا تمتلك النظام الوحيد المنتج على نطاق واسع والذي خضع للاختبار بالفعل في الحرب، كما يقول أولِه كاتكوف، رئيس تحرير موقع “ديفِنس إكسبرِس”.
ويضيف كاتكوف “هناك فرق هائل بين نظام ينتج على نطاق واسع ومثبت أنه يعمل في قتال حقيقي، وبين شيء لا يزال الآخرون يعدون بتطويره إنه أشبه ببيع البيت، لا مجرد الطوب”.

مقايضة بالباتريوت
تبلغ تكلفة المسيّرة من طراز شاهد الإيرانية، حوالي 30 ألف دولار، بينما تصل تكلفة صاروخ اعتراض واحد من منظومة الدفاع الجوي الأمريكية “باتريوت” إلى ملايين الدولارات.
ويستغرق إنتاج الصواريخ الاعتراضية الأمريكية وقتا طويلا، إذ قالت شركة لوكهيد مارتن، في بيان، إنها أنتجت رقما قياسيا بلغ 600 صاروخ اعتراض من طراز PAC-3 MSE لبطاريات باتريوت في عام 2025 بأكمله.
ولمواجهة طائرات شاهد، طوّرت كييف طائرات مسيّرة اعتراضية منخفضة التكلفة تتراوح بين 1000 إلى 2000 دولار، وانتقلت بهذه الأنظمة من مرحلة النماذج الأولية إلى الإنتاج الكمي خلال أشهر فقط في عام 2025. لكن أوكرانيا لم تطور قط دفاعا ضد الصواريخ الباليستية.
ولهذا يبقى تأمين صواريخ باتريوت تحديا يتعلق بالحياة أو الموت بالنسبة لكييف. على هذه الخلفية، يطرح زيلينسكي على الشركاء فكرة “المقايضة”.
وقال “رسالتنا بسيطة للغاية. نود أن نتلقى بهدوء صواريخ باتريوت التي نعاني من عجز فيها، وأن نعطيهم في المقابل عددا مماثلا من المسيّرات الاعتراضية”.
عوائق
وعلى الرغم من تفاؤل زيلينسكي فإن هناك عوائق أمام الصادرات الأوكرانية، ويحذر بعض المحللين من أن دخول سوق السلاح العالمية ليس مسألة توقيع عقد فحسب.
ويقول يفهين مهدا، المدير التنفيذي لمعهد السياسة العالمية في كييف “إن تجارة السلاح مسألة شديدة الدقة والحساسية.. إنها سوق تهيمن عليها الولايات المتحدة، ومن السذاجة توقع أن تنفتح الأسواق لمجرد أن لدى أوكرانيا قصة مقنعة”.
ويرى أن الأمر يتطلب لعبة دبلوماسية صعبة ومحسوبة، وأن المسؤولين الأوكرانيين لم يبدؤوا مناقشة التحول بشكل فعال إلا في الآونة الأخيرة، من تجميد صادرات الأسلحة زمن الحرب إلى سوق منظم من قِبَل الدولة، ولا يزال من غير الواضح متى أو كيف سيتم إطلاق مثل هذا النظام.
وقال مَهدا “نحن بحاجة لأكثر من مجرد تصريحات رئاسية. نحن بحاجة إلى فعل”. وتساءل: “كيف يمكننا الحديث عن الصادرات إذا كنا رسميا لا نبيع أي شيء حتى الآن؟”.
ووفقا لثلاثة من منتجي السلاح الأوكرانيين، فقد قدّمت الولايات المتحدة، طلبات متكررة للحصول على المسيّرات الاعتراضية المنتجة محليا في أوكرانيا.
وقال ماركو كوشنير، المتحدث باسم شركة “جنرال تشيري” (وهي شركة تصنيع أسلحة أوكرانية تنتج واحدة من أفضل المسيّرات الاعتراضية أداء في ضرب طائرات شاهد داخل البلاد: “نحن مستعدون لمشاركتها، ونرغب في مشاركتها”.
وأضاف كوشنير أن القرار يعتمد في نهاية المطاف على الحكومة وعلى زيلينسكي، لكن الشركة تريد مساعدة الشركاء ويمكن أن تكون جاهزة للقيام بذلك خلال أيام، ولدينا القدرة على إنتاج عشرات الآلاف من المسيّرات الاعتراضية شهريا”.
وحسب ما نقلت أسوشيتد برس عن مسؤولين فإن “لدى أوكرانيا حاليا فائضا من المسيّرات الاعتراضية، ويقول المصنعون إن بمقدورهم إنتاج عشرات الآلاف منها إضافيا دون الإخلال بدفاعات البلاد”.
تحديات
أما التحدي الأكبر، كما يقول المعنيون فهو تدريب الأطقم ودمج هذه المسيّرات مع أنظمة رادار يمكنها كشف الأهداف على مسافات بعيدة.
وقد نشر عدد من الشركات الأوكرانية بالفعل أنظمة فعالة على أرض المعركة، فمسيّرة “الرصاصة” الاعتراضية التابعة لشركة “جنرال تشيري”، والتي طوّرت أواخر عام 2025، أسقطت عدة مئات من مسيّرات شاهد، بحسب كوشنير.
الخبرة البشرية لا تزال حاسمة لكن بينما لا يزال الإطار القانوني المتعلق بالمعدات في حالة غموض، تبقى أهم أصول أوكرانيا هي الخبرة البشرية.
وقد كرر زيلينسكي مرارا أن بلاده مستعدة لإرسال مدربين يمكنهم تعليم كيفية استخدام المسيّرات الاعتراضية. وتزويد الدول بالمسيّرات لن يكون مشكلة، كما قال أندريه تاغانسكي، مدير قسم الكاميرات في شركة “أود سيستمز” التي تورد كاميرات للمسيّرات الاعتراضية التي تصنعها شركة أوكرانية أخرى هي “وايلد هورنتس”.
لكنه شدد على أن تدريب أطقم أجنبية على تشغيل النظام وتكييف التكتيكات سيكون أمرا أساسيا.
وقال تاغانسكي إن المسيّرات الاعتراضية ليست منتجا قائما بذاته، بل يجب دمجها في منظومة أوسع من الرادارات القادرة على اكتشاف الأهداف القادمة وتعقبها.
وبينما تُدار بعض النماذج بشكل شبه آلي، يقول المصنعون إن الأطقم لا تزال بحاجة للتدريب على استخدامها بفعالية.
وقال أولِه كاتكوف “هذه أداة تتطلب تدريبا، والخبرة الحقيقية مثبتة -لا تلك الموجودة على الورق فقط- لا توجد إلا في أوكرانيا”.
إن استعداد كييف لإرسال متخصصيها إلى الخارج يمثل تضحية إستراتيجية كبيرة بسبب تأثيره على قدرات الدفاع الجوي داخل أوكرانيا نفسها. ومع القصف المستمر بالمسيّرات من جانب روسيا، يعد كل جندي مدرّب أصلا بالغ الأهمية.
وقال كاتكوف: “ليس لدينا فائض من الأفراد العسكريين على الجبهة، مع ذلك، فهناك إدراك واضح بأن فوائد مثل هذا التعاون قد تفوق بكثير المخاطر”.
المصدر: الجزيرة