عندما تتصاعد الاضطرابات والتطورات العسكرية في منطقة ما، يتحول خط رحلات السفر الذي ترغب في سلوكه من خطة متوقعة بالتفصيل الدقيق، إلى مجازفة غير مضمونة الوصول بالضرورة.
فما بين تعليق الرحلة، أو التحويل إلى مطار بديل، أو ببساطة انتظار ساعات أو أيام قبل معرفة مصير تذكرتك النهائي، قد تتحول أي رحلة سفر إلى كابوس مثير للتوتر والمعاناة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
في هذا الدليل العملي نشرح ماذا يحدث لرحلات الطيران عندما تغلق بعض الدول مطاراتها أو مجالاتها الجوية لظروف الحرب، وحقوقك كمسافر، وما ينبغي عليك فعله خطوة بخطوة إذا واجهت إلغاء مفاجئا للرحلة، أو علقت في أحد المطارات.
ماذا يحدث عند إعلان إغلاق المجال الجوي؟
عندما تقرر دولة ما تقييد أو إغلاق مجالها الجوي لأسباب أمنية أو عسكرية، تصدر جهات الملاحة الجوية الدولية إشعارا رسميا يعرف بـ”إخطار بعثات الطيران” أو (Notice to Airmen) والمعروف اختصارا بـ”إن أو تي إيه إم” (NOTAM).
هذه الإشعارات تؤثر فورا على مسارات الرحلات، وتبلغ شركات الطيران ومراقبة الحركة الجوية والجهات التنظيمية بضرورة تغيير خططها التشغيلية أو تعليق الرحلات على مسارات محددة.
مثلا، توضح منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) إجراءات التنسيق والتبليغ التي يجب أن تتبعها الدول وشركات الطيران عند وقوع مثل هذه الأحداث، وتصدر إرشاداتها لتقليل المخاطر على حركة الركاب وخطوط سير الطائرات.

ومع ذلك، عادة ما يكون إجراء شركات الطيران الفوري هو إلغاء الرحلات التي تمر عبر المجالات الجوية المغلقة، أو إعادة توجيهها لمسارات أخرى أطول تكون بديلا عن تلك المتأثرة بالاضطرابات، وذلك إذا كانت آمنة هي الأخرى.
أما في الحالات عالية الخطورة، مثل إغلاق المجالات الجوية للدول المتأثرة بالحروب والتعرض للقصف، فقد يتم تعليق الرحلات إليها تماما، إلى أن تقرر السلطات المعنية تعليق القيود المفروضة أو إلغاءها.
السيناريوهات المتاحة بالنسبة للمسافرين
بعد قرارات إغلاق الأجواء، سيجد المسافر نفسه أمام عدد من البدائل التي تطرحها شركات الطيران وفقا لمستوى الخطورة والخيارات المتاحة بالنسبة لها، وهي:
-
إلغاء الرحلة بالكامل:
وفيه تقوم الشركة بإبلاغ المسافرين أن الرحلة ملغاة قبل موعدها، أو أثناء إجراءات تسجيل الوصول في المطار، وستقوم برد التكاليف تلقائيا.
-
تأجيل أو تغيير موعد السفر:
أحيانا قد تعرض عليك شركة الطيران إعادة الحجز على رحلة لاحقة، ويكون ذلك بتأخير إما لساعات أو لأيام. وتكون إعادة الحجز عادة هي الخيار التلقائي حينها، وفيه تحاول الشركة وضعك على أول رحلة متاحة، دون تكلفة إضافية.
أما إذا رفضت البدائل أو لم تتمكن الشركة من تلبية حاجتك للفترة المقبولة، يحق لك طلب استرداد كامل قيمة التذكرة.
-
تحويل الهبوط إلى مطار بديل:
إذا بدأت الرحلة ثم تغيرت الأوضاع أثناء وجود الطائرة في الجو، قد يهبط الطاقم في مطار مجاور اضطراريا، ليكمل لاحقا خط سير الرحلة بمسار بديل، أو يعيد ترتيب الإجراءات.
-
توقف تشغيلي شامل وركود للمطارات:
أحيانا، قد تغلق بعض المحاور الرئيسية ومنافذ الترانزيت، مما يؤدي إلى ازدحام الركاب في المطارات وتراكم طلبات الاستضافة المؤقتة وعدم وجود بدائل بسبب الضغط الكبير والاضطرابات.
واستنادا إلى الأنظمة الوطنية ورقابات الطيران المدني، هناك إطار عام لحقوق الركاب حول العالم، وتتحدد حسب الظروف المتعلقة بإغلاق الأجواء وأسبابه، ومدة تأخير أو إلغاء رحلات السفر.
وباختصار، تحدد كل سلطة وطنية قواعدها الخاصة. وتكون شركات الطيران مطالبة بتقديم “رعاية أساسية” تشمل الطعام والماء ومكان للإقامة والمواصلات عند الاقتضاء، لكن التعويض النقدي يعتمد على سبب الإلغاء وما إذا اعتبر الظرف استثنائيا أم لا.
وعادة لا يطبق التعويض المالي الإضافي في ظروف الإغلاق الجوي بسبب الاضطرابات السياسية، لأنها خارجة عن إرادة شركات الطيران.

خطوات عملية إذا تأجلت أو أُلغيت رحلتك
1. تحقق من إعلان الإلغاء أو التغيير رسميا
ابدأ بالتحقق من حالة رحلتك عبر تطبيق شركة الطيران أو موقع المطار أو إشعارات الهيئة الوطنية للطيران المدني في الدولة التي توجد بها. إشعارات (NOTAM) هي المصدر الرسمي لإغلاق المجال الجوي أو تعليق الرحلات.
2. اتصل بشركة الطيران فورا واطلب تأكيدا مكتوبا
تواصل مع خدمة العملاء أو مكتب الشركة في المطار، واطلب إشعارا رسميا يوضح سبب الإلغاء، وما إذا كانت الشركة تقدم مسارات بديلة، إعادة حجز، أو استرداد قيمة التذكرة. وجود إشعار مكتوب عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني يفيد لاحقا عند المطالبة بحقوقك.
3. اختر بين إعادة الحجز أو الاسترداد الكامل
إذا عرضت عليك رحلة بديلة من قبل شركة الطيران، يمكنك قبولها بدون أي تكلفة إضافية. إذا لم تناسبك الرحلة البديلة أو لم تقدم، يحق لك استرداد كامل قيمة التذكرة بما في ذلك أي رسوم إضافية كالمقاعد أو الأمتعة.
4. اطلب الرعاية الأساسية خلال فترة الانتظار
عند التأخير لفترة ممتدة عادة أكثر من ثلاث ساعات، يجب على شركة الطيران تقديم رعاية أساسية للمسافرين المتضررين، وتشمل:
- مرطبات ومشروبات بانتظام أثناء الانتظار.
- وجبة مناسبة إذا تجاوز التأخير مدة ثلاث ساعات.
- إقامة فندقية ومواصلات إذا بقي المسافر لليلة إضافية.
5. احتفظ بكل الوثائق والإيصالات
وثق كل ما يحدث، قم بتصوير شاشات الرحلات وبطاقات الصعود وتأكيدات الدفع وإيصالات الرعاية التي دفعتها بنفسك. كل هذا يساعدك في المطالبة لاحقا بحقوقك إذا لم تلتزم شركة الطيران بتعويض أو تغطية التكاليف.
6. قدم شكوى رسمية عند الحاجة
إذا شعرت أن حقوقك لم تحترم، قدم شكوى رسمية أولا عبر موقع شركة الطيران، ثم للجهات الرقابية المختصة في بلد المغادرة. واحتفظ برقم الشكوى للمتابعة لاحقا، لضمان استرجاع المعلومات بسهولة حتى التوصل إلى تسوية.

ماذا عن خيارات تأمين السفر؟
يوضح لورين ماكورميك، المتحدث باسم موقع مقارنة تأمينات السفر “سكوير ماوث”، في تصريح لموقع “سي إن بي سي” الأمريكي، أن معظم بوالص تأمين السفر العادية لا تغطي الخسائر الناتجة عن الحروب أو الأعمال العسكرية أو الاضطرابات السياسية أو قرارات الحكومات بإغلاق المجال الجوي.
هذا يعني ببساطة أن المسافر الذي ألغيت رحلته بسبب تصعيد عسكري قد لا يحصل على تعويض مالي إضافي من شركة التأمين. لكنه أكد في الوقت نفسه أن كل وثيقة تختلف عن الأخرى، لذلك من المهم قراءة الشروط بدقة قبل التأمين على الرحلات.
وأشار ماكورميك إلى أن الاستثناء غالبا يتعلق بحالتي إلغاء الرحلة قبل السفر أو قطع الرحلة بعد بدئها. ومع ذلك، يمكن في بعض الحالات تغطية تكاليف الرحلة للمسافرين في الظروف غير القاهرة أيضا، ومنها مثلا إذا اضطرت شركة الطيران لتغيير مسار الرحلة بسبب اضطراب كبير في مراكز العبور، أو إعادة جدولة الطواقم.
كما أن المسافرين الذين دفعوا تكاليف تأمينات إضافية مثل ضمان الإلغاء لأي سبب أو تعويض قطع الرحلة لأي سبب قد يتمكنون من استرداد جزء من قيمة الرحلة، لكن هذه البوالص عادة ما تكون أغلى وتخضع لشروط محددة.
وأكد الخبير في تأمينات الرحلات أهمية التواصل مع شركة التأمين مباشرة لفهم ما يشمله العقد، والاحتفاظ بكل الرسائل والإيصالات إذا احتجت إلى تقديم مطالبات لاحقا.
باختصار، كل ذلك يعني أن استرداد تذكرة الطيران لا يغطي دائما بقية نفقات الرحلة التي تكبدها المسافرون مثل الفنادق والتسجيل في الجولات والتأمينات قصيرة الأمد والمواصلات، أو باقات العطلات غير القابلة للاسترداد.
وهنا يأتي دور شركات التأمين، في بعض الحالات قد تغطي البوليصة جزءا من هذه النفقات، لكن مع استثناءات كبيرة إذا كان سبب الإلغاء مرتبطا بالحرب أو عمل عسكري.

مواقع وخدمات تساعدك في حل مشكلات السفر
-
إير هيلب (AirHelp):
منصة عالمية لتحليل أهلية المطالبة وتعقب القضايا ورفعها نيابة عن المسافرين. تركز خصوصا على التعويضات وفق لوائح الاتحاد الأوروبي وبريطانيا (EC261/UK261)، أي أنها مفيدة إذا كانت الرحلة تغادر من الاتحاد الأوروبي أو تشغل بواسطة ناقل أوروبي.
وتعمل المنصة بنظام “لا فوز لا أجر”، وتأخذ عادة نسبة من التعويض عند النجاح، وهي مفيدة تحديدا إذا كنت غير متأكد من حقوقك، أو تريد من يتابع المشكلة نيابة عنك.
-
فلايت رايت (Flightright):
منصة أوروبية مشابهة تتخصص في مطالبات حقوق الركاب أمام شركات الطيران الأوروبية فقط، وهي تقدم أدوات ومعلومات لحساب التعويض وإجراءات رفع المطالبات بالتعويضات.
-
مواقع السلطات الوطنية:
تعد مواقع هيئات الطيران المحلية مثل صفحات حقوق المسافر لدى الهيئات العامة للطيران المدني لكل دولة، هي المصدر الأول لتوضيح التزامات شركات الطيران محليا، وكيفية تقديم الشكاوى الرسمية والمطالبة بالتعويضات. هذه المصادر هي المرجع القانوني الأول بالنسبة لك عند مواجهة أي مشكلات أثناء السفر.
وتوفر هذه الجهات عبر مواقعها الإلكترونية بوابات شكاوى رسمية تمكن المسافر من رفع القضية مرفقة بالمستندات، وتقوم بدور رقابي للتأكد من التزام شركات الطيران باللوائح المحلية.
وإذا كانت الرحلة تمر عبر أوروبا أو خاضعة لقوانين دولية معينة، يمكن الاستعانة بالمنصات الدولية والتطبيقات الآنفة الذكر لتحصيل التعويض، لكن في السياق الخليجي بشكل خاص تبقى الجهة المشغلة شركة الطيران والهيئة الوطنية للطيران المدني التابعة للدولة هما المرجعان الأساسيان والأسرع لحل النزاعات المتعلقة بالإلغاء أو التأخير.

نصائح عند السفر في أوقات التوتر الإقليمي
-
1- اختيار التذاكر المرنة وقراءة التفاصيل:
توضح شركات الطيران في شروطها المنشورة عبر المواقع الرسمية، أن فئات التذاكر تختلف في سياسات التغيير والاسترداد، فبعضها يسمح بتعديلات غير محدودة مع دفع فرق السعر فقط، بينما يفرض بعضها رسوما بعد أول تعديل أو يقصر الاسترداد على قسائم سفر.
ويعد الاطلاع على صفحة “شروط النقل” أو “قواعد الأسعار” في موقع شركات الطيران ضروريا لتبيان عدد مرات التغيير المتاحة، والمهلة الزمنية قبل الإقلاع، وطريقة الاسترداد والتعويض نقدا أو قسيمة.
-
2- شراء التأمين مبكرا وفهم الاستثناءات:
تبين وثائق التأمين المعروفة أن استثناءات مثل الحروب والأعمال العسكرية والاضطرابات السياسية قد لا تكون مشمولة في الوثيقة، بينما توفر بعض بوليصات التأمين خيار الإلغاء لأي سبب مقابل تكلفة أعلى وبنسبة تعويض محددة. لذلك فإن قراءة بند الاستثناءات ومزايا الإلغاء وقطع الرحلة أمر محوري قبل التقديم على التعويض.
-
3- تسجيل بياناتك في سفارة بلدك:
توفر وزارات الخارجية في غالبية الدول، خدمات تسجيل المسافرين إلكترونيا لتسهيل التواصل في حالات الطوارئ أو الإجلاء، وتمكين السفارات من تقديم المساعدة القنصلية عند إغلاق الأجواء أو تعطل الرحلات. بالتالي، يضمن لك إدخال بيانات الرحلة ووسائل الاتصال تسريع الاستجابة الرسمية لطلبك.
-
4- خطط لمسارات بديلة وتجنب نقاط الترانزيت الحساسة:
توصي هيئات الطيران المدني بمتابعة الإشعارات التشغيلية الرسمية عند حدوث إغلاقات للمجال الجوي، إذ قد تضطر شركات الطيران إلى إعادة توجيه الرحلات أو تغيير مراكز العبور. لذا فإن اختيار رحلات مباشرة، أو ترك وقت كاف بين رحلات الربط، يقلل مخاطر عدم اللحاق بالرحلات عند حدوث تغييرات مفاجئة.
-
5- احتفظ بنسخ رقمية لكل مستنداتك:
تنصح الهيئات القنصلية والناقلات الجوية بحفظ نسخ إلكترونية وورقية من جواز السفر والتأشيرة والتذكرة ووثيقة التأمين، لتسهيل إعادة الإصدار أو تقديم المطالبات إذا فقدت المستندات أو تعطلت الأنظمة.
-
6- تابع التنبيهات الرسمية لحظة بلحظة:
تؤكد شركات الطيران وهيئات الطيران المدني أن التطبيق الرسمي للشركة الناقلة هو المصدر الأسرع لإشعارات الإلغاء أو إعادة الجدولة، إلى جانب البيانات المنشورة في المواقع الرسمية للهيئات. ويضمن تفعيل الرسائل النصية والبريد الإلكتروني وصول التحديثات لك فور صدورها.
-
7- الاستعانة بالعاملين في المطار والجهات المختصة:
يمكنك دوما الاستعانة بمكاتب الاستعلامات أو مكاتب خدمة الركاب وممثلي شركة الطيران على أرض المطار لطلب معلومات فورية حول سبب الإلغاء أو إعادة الجدولة.
وهناك أيضا يمكنك طلب رعاية فورية مثل الوجبات أو وسيلة اتصال أو السكن المؤقت، أو إعادة حجز أو استرداد ثمن التذكرة حسب ما توفره الشركة الناقلة.

إذا لم تُحل المسألة ميدانيا، يمكنك تصعيد الشكوى إلى الجهة الوطنية المعنية بحقوق الركاب أو سلطة الطيران المدني في بلدك لطلب توجيه رسمي أو تقديم شكوى، واحتفظ دائما بصور لكل الإشعارات والإيصالات والصور أو لقطات الشاشة لإثبات مطالبك وحقوقك لاحقا.
أخيرا: كن مستعدا وهادئا
في النهاية، يظل السفر في أوقات الاضطرابات الإقليمية تجربة غير متوقعة تتطلب قدرا كبيرا من المرونة والاستعداد النفسي من المسافرين. فبين القرارات المفاجئة بإغلاق المجالات الجوية، والتغييرات السريعة في مسارات الرحلات، يصبح الوعي بالحقوق والإجراءات المتاحة عاملا أساسيا لتقليل التوتر وتجنب الخسائر.
ومع أن شركات الطيران والسلطات المختصة تعمل عادة على إدارة هذه الأزمة بما يضمن سلامة الركاب واستمرارية الحركة الجوية قدر الإمكان، فإن اطلاع المسافر على حقوقه ومتابعته للتحديثات الرسمية واحتفاظه بوثائقه وإيصالاته، كلها خطوات تساعده على التعامل مع أي اضطراب بثقة وهدوء حتى تصل رحلته في النهاية إلى بر الأمان.
المصدر: الجزيرة