خلال رمضان المبارك، تمتلئ الموائد بأشهى الأطباق التقليدية التي لا يكاد يخلو منها إفطار أو سحور، وتعتمد كثير منها على القلي في الزيت الساخن لإكسابها القوام المقرمش والطعم الغني.
ومع كثرة هذه الأطباق، قد تشعرين أن التخلص من بقايا الزيت بعد كل استخدام نوع من الهدر، وتميلين إلى إعادة استخدامه لتقليل النفقات، لكن ما يبدو خطوة اقتصادية بسيطة قد يكون محفوفا بمخاطر صحية حقيقية.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
نقدم هنا دليلا عمليا مبنيا على معطيات علمية لمساعدتك في تحديد ما إذا كان الزيت ما زال آمنا لإعادة الاستخدام، والتعرف على علامات تلفه، إلى جانب نصائح مهمة لحماية صحتك وصحة عائلتك أثناء الطهي الرمضاني.
ماذا يحدث للزيت عند إعادة استخدامه؟
يعد القلي من أكثر طرق الطهي شيوعا في العالم، ويحب كثيرون مذاق الأطعمة المقلية رغم ارتفاع سعراتها الحرارية ومحتواها من الدهون الضارة.
لكن القلي العميق لا يغير الطعام فقط، بل يغير الزيت نفسه، إذ تحدث في الزيت تحولات كيميائية وفيزيائية معقدة، أبرزها الأكسدة والتحلل المائي، وهي عمليات مترابطة تنتج مركبات ضارة عند ارتفاع درجة الحرارة، وقد ترتبط بعدد من الأمراض المزمنة.
عندما يتعرض الزيت لدرجات حرارة مرتفعة مرارا، لا تبقى جزيئاته على حالها، وإنما تدخل في سلسلة من التفاعلات تتحول فيها إلى مركبات قد تضر بالصحة. هذه التغيرات ليست مجرد اختلاف في اللون أو الرائحة، بل تحولات حقيقية في تركيبة الزيت وسلامته الغذائية.

الدهون المتحولة.. الوجه الخفي للأطعمة المقلية
تحتوي الأطعمة المقلية غالبا على نسبة مرتفعة من الدهون المتحولة. وتتكون هذه الدهون عندما تخضع الدهون غير المشبعة لعملية “الهدرجة”، وهي تقنية صناعية يلجأ إليها مصنعو الأغذية لإطالة مدة صلاحية الدهون وجعلها أكثر ثباتا.
لكن الهدرجة لا تحدث في المصانع فقط، إذ يمكن أن تتكون الدهون المتحولة أيضا عند تسخين الزيوت إلى درجات حرارة عالية أثناء الطهي، مما يغير تركيب الدهون ويجعل هضمها أصعب، ويزيد من آثارها السلبية في الجسم.
وترتبط الدهون المتحولة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب وبعض أنواع السرطان والسكري والسمنة. ونظرا لأن الأطعمة المقلية تطهى في زيت شديد السخونة، فمن المرجح أن تحتوي على كميات أعلى من هذه الدهون مقارنة بطرق الطهي الأخرى.

جذور حرة وإجهاد تأكسدي.. ما الذي تقوله الدراسات؟
أظهرت دراسات علمية أن محتوى الدهون المتحولة في الزيت يزداد مع كل استخدام متكرر للقلي. كما بينت دراسة نشرت عام 2016 في مجلة “توكسيكولوجي ريبورتس” (Toxicology Reports) أن استهلاك الزيوت النباتية المعاد تسخينها بشكل متكرر يؤدي إلى تكوّن جذور حرة ضارة تسبب إجهادا تأكسديا شديدا.
وأظهرت فحوص هذه الدراسة ارتفاعا ملحوظا في قيم البيروكسيد (أحد مؤشرات الأكسدة) في الزيوت المعاد تسخينها، إضافة إلى تغيّرات نسيجية واضحة في الأمعاء الدقيقة والغليظة والكبد لدى الفئران التي تناولت هذا الزيت بعد تسخينه ثلاث مرات.
وتؤكد هذه النتائج أن إعادة تسخين الزيوت تؤدي إلى تكون مركبات مؤكسدة وضارة، وأن استهلاكها يرتبط بزيادة مخاطر الإجهاد التأكسدي والالتهابات المزمنة واضطرابات القلب والأوعية الدموية وغيرها.
سلسلة أزمات تبدأ من المقلاة
أشارت دراسة نشرت عام 2019 إلى أن استخدام الزيوت الغذائية المعاد تسخينها بشكل متكرر -رغم شيوعه لتقليل تكلفة الطهي- ينتج مركبات سامة تنشط المسارات الالتهابية في الجسم.
يسبب الإجهاد التأكسدي الناتج عن هذه الزيوت إطلاق مؤشرات الالتهاب، أي إن الجسم يبدأ في إفراز مواد كيميائية تدل على استجابة التهابية مزمنة، وهذا النوع من الالتهاب مرتبط علميا بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.
وتوضح أبحاث أخرى أن الاستهلاك المتكرر للزيوت المعاد تسخينها قد يسهم في تسريع تلف الدماغ، إذ وجد أن الفئران التي تغذت على أنظمة غذائية تحتوي على زيوت طهي معاد تسخينها أظهرت مستويات أعلى بكثير من التنكس العصبي مقارنة بفئران تناولت أنظمة غذائية أخرى.

وتشير هذه الأبحاث إلى أن الزيت المعاد تسخينه قد يزيد من التنكس العصبي عن طريق تعطيل “محور الكبد-الأمعاء-الدماغ”، وهو محور حيوي للحفاظ على التوازن الفسيولوجي، وقد ربطته دراسات باضطرابات عصبية مختلفة.
كما أظهرت الفئران التي استهلكت زيوتا معاد تسخينها زيادة في الإجهاد التأكسدي والتهاب أنسجة الكبد، إضافة إلى تلف ملحوظ في القولون وتغيرات في مستويات السموم الداخلية في الجسم.
الأطعمة المقلية والأمراض المزمنة.. الصورة الأكبر
بصورة عامة، أظهرت العديد من الدراسات التي أجريت على البالغين وجود علاقة بين تناول الأطعمة المقلية بانتظام وارتفاع خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، إذ قد يسهم الإفراط في هذه الأطعمة في ارتفاع ضغط الدم وخفض مستوى الكوليسترول الجيد وزيادة الوزن، وهي جميعها عوامل خطر للإصابة بأمراض القلب.
كما ربطت دراسات أخرى بين تناول الأطعمة المقلية بكثرة وبين زيادة واضحة في احتمالات الإصابة بداء السكري من النوع الثاني وارتفاع خطر الإصابة بأمراض الشريان التاجي.
وتشير التحليلات العلمية إلى أن بعض العوامل الصحية تتوسط هذه العلاقة، إذ يسهم ارتفاع الوزن وزيادة ضغط الدم وارتفاع مستويات الكوليسترول في تعزيز أثر الأطعمة المقلية في الصحة القلبية والتمثيل الغذائي، مما يعني أن تأثيرها لا يحدث بمعزل عن هذه العوامل، بل يتداخل معها ويضاعف آثارها.
كيف تعرفين أن الزيت لم يعد آمنا للاستعمال؟
إعادة استخدام زيت القلي ليست قرارا عشوائيا، فمع كل دورة تسخين تتغير تركيبة الزيت تدريجيا بفعل الأكسدة والتحلل. لذلك ينصح خبراء التغذية وسلامة الغذاء بمراقبة الزيت بدقة قبل استخدامه مرة أخرى، لأن بعض العلامات البسيطة قد تكشف أنه لم يعد صالحا للطهي.

من أبرز العلامات التي تدل على أن الزيت لم يعد آمنا:
- تغير لون الزيت: إذا تحول من لونه الذهبي الفاتح إلى بني داكن أو أصبح معكرا، فغالبا بدأ في التحلل نتيجة التفاعلات التي حدثت أثناء القلي.
- الرغوة المفرطة أثناء التسخين أو القلي: ظهور طبقة واضحة من الفقاعات أو الرغوة مؤشر على وجود ماء ونواتج تحلل داخل الزيت، وهي عناصر تسرع فساده.
- انخفاض درجة الدخان (احتراق الزيت): إذا بدأ الزيت يطلق الدخان عند درجة حرارة أقل من المعتاد، فهذه إشارة إلى تدهوره وعدم صلاحيته للاستخدام.
كيف تقللين الضرر إذا اضطررت لإعادة استخدام الزيت؟
يوصي خبراء سلامة الغذاء بأنه إذا كان لا بد من إعادة استخدام الزيت، فيستحسن الالتزام بعدد من القواعد الأساسية:
- التبريد: اتركي الزيت ليبرد تماما بعد القلي، ولا تحاولي أبدا تصفيته أو تخزينه وهو ساخن.
- الترشيح الجيد: بعد أن يبرد الزيت، صفيه باستخدام مصفاة دقيقة مبطنة بقطعة قماش قطنية لإزالة بقايا الطعام، فهذه الجزيئات تحترق لاحقا وتسرع فساد الزيت.
- التخزين السليم: خزني الزيت في وعاء محكم الإغلاق في مكان بارد ومظلم، لأن تعرضه للضوء والحرارة يعجل بالأكسدة ويقلل من عمره.
- تدوين عدد مرات الاستخدام: اكتبي على العبوة تاريخ أول استخدام أو عدد المرات التي استخدم فيها الزيت، لتجنب الإفراط في إعادة تسخينه دون انتباه.
وتشير الإرشادات الغذائية إلى أن الزيت يمكن أن يعاد استخدامه عددا محدودا من المرات، غالبا لا يتجاوز ثلاث مرات، بشرط ألا تظهر عليه أي من علامات التلف السابقة. وإذا ظهرت أي علامة منها، فقد حان وقت التخلص منه حتى لو لم تصلي بعد إلى الحد الأقصى لاستخدامه.
الثابت هنا أن تقليل إعادة تسخين الزيت قدر الإمكان هو الخيار الأكثر أمانا، فكل دورة تسخين إضافية تزيد من تكون المركبات الضارة، وتجعل ما يبدو توفيرا ماليا بسيطا ثمنا صحيا باهظا على المدى البعيد.
المصدر: الجزيرة