تستعيد حلقة أرشيفية من برنامج “المصير” -بثتها الجزيرة قبل 18 عاما- نقاشا استشرافيا حول مستقبل الشرق الأوسط في ظل أزماته المتشابكة، وفي مقدمتها الملف الإيراني.
وفي ضوء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت نهاية فبراير/شباط الماضي، وتصاعد احتمالات المواجهة الإقليمية، تعود تلك التقديرات التي طرحها الباحث الأمريكي جوزيف ناي لتثير تساؤلات جديدة عن مدى اقتراب المنطقة من السيناريوهات التي طُرحت آنذاك.
وفي تلك الحلقة، استضاف الإعلامي محمد كريشان أستاذَ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد والباحث البارز في السياسة الدولية جوزيف ناي، حيث ناقش احتمالات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في ضوء الجدل الدائر آنذاك داخل الأوساط السياسية الأمريكية.
وربط ناي احتمال اندلاع الحرب بقرار إيران بشأن برنامجها النووي، قائلا إن الأمر “يعتمد كثيرا على إذا ما كانت إيران ستقرر إنتاج سلاح نووي أم لا”. وقال إنه إذا قررت طهران تأخير إنتاج السلاح النووي، فإن وقوع الحرب “ليس محتملا إطلاقا”، مشيرا في المقابل إلى أن امتلاك السلاح النووي من شأنه أن يؤدي إلى “عدم استقرار كبير في المنطقة”.
وأوضح ناي -الذي كان مساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون– أن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يفتح الباب أمام مخاطر إضافية، من بينها احتمال وصول مواد نووية إلى جماعات إرهابية، فضلا عن دفع دول أخرى في المنطقة إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية بدورها.
وفي معرض حديثه عن طبيعة أي مواجهة عسكرية محتملة، رجح ناي أن تأخذ الحرب شكل ضربات عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، مع استبعاد سيناريو الغزو البري على غرار ما حدث في العراق.
وأضاف أن مثل هذه الضربات، حتى إن لم تدمر البرنامج النووي الإيراني بالكامل، فإن هدفها سيكون “كسب الوقت” وإبطاء عملية تطوير السلاح النووي الإيراني.
وبالفعل، نفذت الولايات المتحدة في يونيو/حزيران الماضي عملية عسكرية واسعة ضد المنشآت النووية الإيرانية أطلقت عليها اسم “مطرقة منتصف الليل”، ووصفت بأنها من أضخم الضربات الجوية في تاريخ الجيش الأمريكي، وشارك فيها أكثر من 125 طائرة عسكرية، من بينها قاذفات شبحية إستراتيجية.
رد إيران
لكن ناي حذر في الوقت نفسه من تداعيات أي هجوم عسكري، مؤكدا أن إيران تمتلك القدرة على الرد بطرق مختلفة، من بينها التسبب في أزمة نفطية أو تعقيد الوضع في العراق أو دعم عمليات مسلحة في المنطقة.
كما أشار إلى عامل داخلي مهم يتعلق بالمجتمع الإيراني، لافتا إلى أن الضربة العسكرية قد تأتي بنتائج عكسية عبر تعزيز المشاعر الوطنية داخل إيران ودفع الجيل الشاب إلى الالتفاف حول السلطة الدينية التي يعارضها.
وقال إن الهجوم قد “يزيد من المشاعر الوطنية وقد يدفع الجيل الشاب إلى التجمع حول الملالي”، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير التغيرات السياسية التي يأمل البعض أن تشهدها إيران على المدى الطويل.
وتناول ناي أيضا احتمال قيام إسرائيل بضربة عسكرية منفردة ضد إيران إذا شعرت بأن الخطر النووي الإيراني يهددها مباشرة، مشيرا إلى أن الإسرائيليين قد يقررون التحرك إذا اعتقدوا أن الولايات المتحدة لن تتدخل.
وهذا ما حدث بالفعل، عندما بدأت إسرائيل حربا مباغتة على إيران صيف العام الماضي بضربة استهدفت قادة عسكريين بارزين، ثم شاركت لاحقا الولايات المتحدة في المعركة بقصف المنشآت النووية الإيرانية في نطنز وأصفهان وفوردو.
وأوضح الباحث الأمريكي -آنذاك- أن الضربة الإسرائيلية ربما لا تكون بفعالية الضربة الأمريكية، خاصة في ما يتعلق بالأهداف العميقة تحت الأرض، لكنها قد تكون قادرة على إبطاء البرنامج النووي الإيراني.

صفقة تسوية
وفي مقابل سيناريو الحرب، لم يستبعد جوزيف ناي احتمال التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران، معتبرا أن صفقة تقوم على تخلي إيران عن برنامج السلاح النووي مقابل رفع العقوبات وتحسين علاقاتها الاقتصادية قد تكون “عملا حكيما للطرفين”.
وأشار إلى أن مثل هذه الصفقة قد تتضمن رفع العقوبات والسماح لإيران بتطوير مشاريع الطاقة والاستفادة من الاستثمارات الأجنبية.
ومع أن تلك التقديرات طُرحت قبل ما يقرب من عقدين، فإنها تعكس طبيعة النقاش الذي ظل يحيط بالملف الإيراني لسنوات طويلة، بين احتمالات الحرب ومسارات التسوية، في منطقة لا تزال أزماتها مفتوحة على أكثر من سيناريو.
ومنذ 28 فبراير/شباط الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، أسفرت عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوري وقادة عسكريون آخرون.
وتردّ طهران بإطلاق صواريخ ومسيَّرات اتجاه إسرائيل، إضافة إلى استهداف ما تصفها بأنه قواعد عسكرية ومصالح أمريكية في المنطقة.
المصدر: الجزيرة