لم تعد الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تُقرأ بوصفها ردودا ميدانية منفصلة، بل كجزء من مسار ينقل الحرب إلى مستوى أشد حساسية.
فالهجمات الإيرانية على ديمونة وعراد في 21 و22 مارس/آذار، قرب مركز الأبحاث النووية الإسرائيلي في النقب، والتهديد الأمريكي المرتبط بمضيق هرمز، ثم اتساع الحديث المتبادل عن استهداف البنية التحتية، كلها مؤشرات إلى أن المواجهة تجاوزت تبادل النار التقليدي إلى صراع على العُقد الإستراتيجية مثل النووي، والطاقة، والملاحة، وبنية الدولة نفسها.
في هذا السياق، اكتسبت ضربتا ديمونة وعراد وزنا يتجاوز الخسائر المباشرة. فبحسب رويترز، أصابت الصواريخ الإيرانية المدينتين القريبتين من مركز الأبحاث النووية الإسرائيلي، وأوقعت عشرات المصابين وأضرارا في مبان، فيما قالت إسرائيل إن بعض الصواريخ لم يُعترض، ووصفت أسوشيتد برس ذلك بأنه أول اختراق للدفاعات الإسرائيلية في محيط هذا الموقع خلال الحرب الحالية.
لكنّ المعطيات حتى الآن لا تشير إلى إصابة مؤكدة للمنشأة النووية نفسها، فيما قال مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه لا تقارير عن أضرار بالمركز أو عن مستويات إشعاع غير طبيعية.
وتكمن دلالة ديمونة في رمزيتها الإستراتيجية أكثر من حجم الضرر المؤكد داخل المنشأة. فالضربات جاءت بعد استهداف نطنز، ما يمنحها معنى سياسيا واضحا، وهو الانتقال إلى منطق استهداف المواقع شديدة الحساسية بوصفها أدوات ردع ورسائل سيادية.
بهذا المعنى، لم تعد الحرب تدور فقط حول قواعد عسكرية ومنصات إطلاق، بل حول ما يمثّل هيبة الدولة وقدرتها على الاحتمال. وهذا توصيف تحليلي يستند إلى طبيعة بنك الأهداف في الأيام الأخيرة، لا إلى إعلان رسمي بوجود معادلة مستقرة ونهائية.
وفي الخطاب الإيراني الذي أعقب ضربات جنوبي إسرائيل، برزت تغريدة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف التي قال فيها إن عجز إسرائيل عن اعتراض الصواريخ في ديمونة “الشديدة التحصين” هو، عمليا، مؤشر على دخول المعركة مرحلة جديدة.
وتكتسب هذه الرسالة وزنا إضافيا، حيث لوحظ في الأيام الأخيرة وبعد اغتيال أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن قاليباف بات أكثر مركزية داخل بنية القرار في طهران، بما يجعل كلامه أقرب إلى تعبير عن مزاج داخل النظام لا مجرد تعليق سياسي عابر.
ولم يأت ذلك بمعزل عن جبهة الطاقة. ففي 19 مارس/آذار، أصاب هجوم إيراني مصفاة حيفا وتسبب في أضرار موضعية وانقطاع كهربائي قصير. وبذلك بدت حيفا حلقة مبكرة في مسار نقل الحرب من استهداف المواقع العسكرية إلى الضغط على البنية الاقتصادية الحساسة.

أما التحول الأوضح، فيتمثل في اتساع بنك الأهداف المعلَن. فقد أعلن مقر “خاتم الأنبياء” الإيراني أن أي هجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران سيُقابَل باستهداف بنى الطاقة والتكنولوجيا للولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي، في تحديثه العملياتي الرسمي يوم 20 مارس، أنه بدأ “موجة ضربات” تستهدف “بنية النظام الإيراني” عبر طهران، ثم أعلن لاحقا ضرب أهداف شرق العاصمة والقضاء على مسؤولين أمنيين فيها.
وبين هذين الموقفين، تبدو الحرب وكأنها تنتقل من استهداف المواقع العسكرية والنووية فقط إلى مرحلة أوسع تطال الطاقة والاتصال والبنية المؤسسية، بما يرفع كلفة المواجهة ويقربها من حرب استنزاف على العُقد الإستراتيجية.
ومن هنا يكتسب التهديد الأمريكي الأخير وزنه الحقيقي. فقد منح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إيران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز، مهددا بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يحدث ذلك.
ومع مرور نحو خُمس النفط والغاز العالميين عبر المضيق، فإن إدخاله في قلب التصعيد يعني أن المعركة لم تعد فقط على الردع العسكري، بل أيضا على شروط الطاقة والملاحة والضغط الاقتصادي العالمي.

ويبدو في الخلاصة، أن الحرب دخلت طور “المعادلات” لا طور الحسم. حيث تحاول إيران إظهار أن المساس بنطنز أو ببنيتها الطاقية سيقابله ضغط على ديمونة وما حولها، فيما ترد إسرائيل والولايات المتحدة بتوسيع الضغط على بنية النظام الإيراني والطاقة ومضيق هرمز.
لذلك، فإن المستجدات الأخيرة لا تشير إلى تهدئة قريبة بقدر ما تكشف انتقال الحرب إلى مرحلة ربما أكثر هشاشة، تُختبر فيها قدرة كل طرف على حماية عُقده الإستراتيجية وفرض كلفة أعلى على خصمه.
وفي خلفية هذا المسار، يمكن التذكير أيضا بتغريدة سابقة لعلي لاريجاني نُشرت في 12 مارس/آذار، قال فيها إن استهداف كهرباء إيران سيقابله ظلام في المنطقة خلال نصف ساعة.
ولا تُقرأ هذه الإشارة بوصفها جزءا من تطورات اليوم، بل كدليل على أن خطاب الرد على البنية التحتية بالبنية التحتية كان حاضرا في السردية الإيرانية قبل اغتياله لاحقا في 17 مارس/آذار.
المصدر: الجزيرة