أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن طهران قادرة على التكيّف وإعادة بناء قدراتها رغم الضربات القاسية التي تلقتها، كما بيّنت أن برنامج الصواريخ يمثل عنصرا أساسيا في قوة البلاد العسكرية.
وقد تناولت صحيفة تايمز وموقع “آي بيبر” البريطانيان -في مقالين منفصلين- برنامج الصواريخ الإيرانية، ماذا بقي منه وما مداه الحقيقي، فركزت الصحيفة على تراجع المخزون والقدرة العملياتية، في حين ركز الموقع على احتمال تضخيم أو إخفاء مدى الصواريخ.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وانطلقت تايمز من أن مخزونات الصواريخ الباليستية تعافت بعد العملية الأمريكية العام الماضي، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن استخدام الذخائر العنقودية في إسرائيل يظهر أن مخزونات الصواريخ بدأت تنفد مجددا.
طهران قادرة على التعافي السريع وإعادة بناء القوة، حيث سبق لها أن أعادت بناء جزء كبير من ترسانتها خلال أشهر قليلة بعد حرب يونيو/حزيران الماضي
وتراجعت قدرات إيران الصاروخية في ظل حرب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها -حسب الصحيفة- مع الإشارة إلى أنها كانت حوالي 2500 صاروخ باليستي عندما بدأت الحرب، وقد انخفضت إلى نحو ألف صاروخ نتيجة الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت منشآت إيران العسكرية والصناعية.
ورغم هذا التراجع، أكد تقرير الصحيفة قدرة طهران على التعافي السريع وإعادة بناء القوة، مشيرا إلى أنها سبق أن أعادت بناء جزء كبير من ترسانتها خلال أشهر قليلة بعد حرب إسرائيل وضربات الولايات المتحدة السابقة في يونيو/حزيران الماضي.

تزعزع ثقة الإسرائيليين
ورأت الصحيفة أن انخفاض وتيرة إطلاق الصواريخ من عشرات يوميا إلى نحو عشرة فقط، يعكس تراجع القدرة العملياتية الإيرانية، كما أن اللجوء إلى استخدام الذخائر العنقودية قد يكون دليلا على محاولة تعويض النقص في الصواريخ عبر زيادة فاعلية الضربات.
وفي المقابل، تمثل هذه الذخائر -حسب الصحيفة- تحديا إضافيا لأنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، بعد أن زعزعت ثقة الإسرائيليين في مناعة دفاعاتهم الجوية، وإن كان يشير بالنسبة للمؤسسة الأمنية، إلى أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية قد قلّصت قدرة طهران على تنفيذ ضربات انتقامية.
تراجع المخزون الصاروخي لا يعني نهاية الخطر، لأن طهران يمكنها استخدام وسائل أبسط لإغلاق مضيق هرمز وشل الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة
ورغم النجاح الكبير الذي تعلنه الولايات المتحدة في تقليص قدرات إيران العسكرية، تنبه الصحيفة إلى أن طهران لا تزال قادرة على تهديد الاستقرار الإقليمي والعالمي بوسائل أقل تعقيدا، مثل استهداف ناقلات النفط أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة.
وخلصت تايمز إلى أن تراجع المخزون الصاروخي لا يعني نهاية الخطر، لأن طهران يمكنها استخدام وسائل أبسط لإغلاق مضيق هرمز وشل الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة.
أما موقع آي بيبر فتناول الجدل المتصاعد حول مدى القدرات الصاروخية الإيرانية، في ظل تقديرات تشير إلى أن طهران قد تكون أخفت عمدا المدى الحقيقي لصواريخها الباليستية.

إلى عمق أوروبا
وقد انطلق هذا الجدل بعد اتهام إيران بإطلاق صاروخين باتجاه قاعدة دييغو غارسيا البعيدة، أكثر من 2300 ميل (نحو 3700 كيلومتر) من إيران، مما أثار مخاوف أوروبية من احتمال امتداد التهديد إلى مدن مثل لندن وباريس، رغم فشل الهجوم في تحقيق أهدافه.
وبينما تؤكد مصادر استخباراتية أن إيران تمتلك المعرفة التقنية لإنتاج صواريخ بعيدة المدى قد تصل إلى أوروبا، تنفي الحكومة البريطانية وجود تهديد مباشر أو قدرة مؤكدة لدى طهران على استهداف أراضيها، حسب الموقع.
وفي منشور على منصة إكس، قال الجيش الإسرائيلي إن الكشف عن هذه القدرات يعني أن إيران تمتلك “صواريخ يمكنها الوصول إلى لندن وباريس أو برلين”، وإنها بالتالي تمثل “تهديدا عالميا”.
تشير تقييمات استخباراتية إلى أن طهران غالبا ما تقلل أو تخفي مدى صواريخها الباليستية
وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هذا المعنى، محذرا من أن إيران قادرة على الوصول “إلى عمق أوروبا”، ومع ذلك، يشكك كثيرون في جدوى استهداف أوروبا إستراتيجيا بالنسبة لإيران، نظرا لما قد يترتب عليه من توسيع نطاق الحرب واستدراج قوى إضافية إلى الصراع.
وتشير تقييمات استخباراتية -حسب الموقع- إلى أن طهران غالبا ما تقلل أو تخفي مدى صواريخها الباليستية، كما تفيد تحليلات أمريكية منفصلة بأن إيران طوّرت صواريخ لإطلاق الأقمار الصناعية يصل مداها إلى 6000 كيلومتر، ويمكن تعديلها لحمل رؤوس متفجرة.

غموض متعمد
وكانت إيران قد أعلنت عام 2015 أنها ستحد من مدى صواريخها إلى 2000 كيلومتر، وفي وقت سابق من هذا الشهر، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الالتزام قائلا “نحن لا نريد أن ينظر إلينا كتهديد لأي طرف في العالم”.
ولكن موقع “إيران ووتش”، وهو جهة مستقلة لمراقبة الأسلحة في واشنطن، أشار إلى أن هذه التعهدات يجب التعامل معها بحذر، لافتا إلى وجود صاروخ “خرّمشهر-4″، القادر حاليا على حمل رأس حربي يزن 1.5 طن لمسافة 2000 كيلومتر، ويمكنه الوصول إلى مسافات أطول إذا حُمِّل برأس أخف.
مصدر استخباراتي غربي قال إن إيران تمتلك المعرفة والقدرة التقنية لإنتاج صواريخ يتجاوز مداها 3200 كيلومتر
ويرى محللون أن سياسة “الغموض المتعمد” تمنح إيران ميزة ردعية، لأنها تبقي خصوم إيران في حالة ترقب دائم، وقال مصدر استخباراتي غربي إن إيران تمتلك المعرفة والقدرة التقنية لإنتاج صواريخ يتجاوز مداها 3200 كيلومتر، وأضاف أنه “من المفيد للإيرانيين أن يتركوا الآخرين في حالة تخمين بشأن قدراتهم”.
وخلص “آي بيبر” إلى أن الخطر لا يكمن في القدرات الفعلية الإيرانية فقط، بل أيضا في عدم وضوحها، حيث تستخدم طهران مزيجا من التطوير العسكري والتكتم الإستراتيجي لتعزيز موقعها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق.
وإذا كانت تايمز ترسم صورة لإيران كقوة تضعف تكتيكيا بتراجع أعداد الصواريخ في مخزونها برغم استمرار خطورتها، فإن “آي بيبر” يقد صورة لإيران كدولة قد تكون أقوى مما تظهر بالنسبة لمدى صواريخها وقدراتها الحقيقية.
المصدر: الجزيرة