إنجاز من رحم الأزمة.. كيف حولت قطر “التعليم عن بعد” إلى فرصة لطلاب ذوي الإعاقة؟

بعد التحول إلى “التعليم عن بُعد” اتجهت الجهود في دولة قطر إلى تكييف العملية التعليمية لطلاب ذوي الإعاقة، بما يضمن استمرار تعلمهم ودمجهم بفاعلية في المنظومة الرقمية.

وفي الدوحة برزت تجارب رائدة عملت على دمج هذه الفئة دمجا حقيقيا، عبر تكييف المناهج وتوظيف الأدوات التفاعلية وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة، بما يضمن استفادة الطلاب من مزايا التعليم الرقمي أكاديميا ونفسيا واجتماعيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2800 مركز وجداريات تعليمية.. الهندية روبل ناغي تفوز بجائز أفضل معلم في العالم
  • list 2 of 2ريشة خلف الحصار.. طفلة توثق مأساة غزة من زاوية خيمة النزوح

end of list

وكانت قطر قد بدأت تطبيق نظام “التعليم عن بعد” إثر الهجمات الإيرانية على دول الخليج في 28 فبراير/شباط الماضي، لضمان استمرارية العملية التعليمية في مختلف المراحل، على أن يستمر العمل به حتى الأحد 29 مارس/آذار، ضمن إجراءات احترازية تراعي سلامة الطلبة واستقرار التعليم.

مرونة اليوم الدراسي

تقول عائشة جمعة الهتمي، نائب المدير للشؤون الأكاديمية في روضة ومدرسة الهدايا لذوي الاحتياجات الخاصة (بنين وبنات)، إن الروضة تحرص على إدارة اليوم الدراسي وفق هيكل واضح يحاكي الروتين اليومي المألوف، مع قدر من المرونة يتناسب مع احتياجات الطلاب. ويتم تقسيم اليوم إلى حصص قصيرة ومركزة تتخللها فترات استراحة، مع اعتماد خطط تعليمية فردية لكل طالب، وتنويع الوسائل بين الشرح المباشر والأنشطة التفاعلية والمواد البصرية، لضمان استيعاب المحتوى تدريجيا وفق قدرات كل طالب.

وتضيف الهتمي للجزيرة نت أن التقييم يعتمد على متابعة دقيقة ومستمرة تستند إلى ملاحظات يومية واختبارات قصيرة، مع مراجعة مدى استجابة الطلاب للأنشطة. وتوضح: “بحكم اعتمادنا على خطط فردية، نقيس التقدم بناء على تطور كل طالب مقارنة بمستواه السابق، لا مقارنة بالآخرين، وهذا يتيح لنا رصد أي تحسن -مهما كان بسيطا- والبناء عليه لتعزيز ثقة الطالب بنفسه واستمراره في التعلم”.

وتؤكد أن أولياء الأمور شركاء أساسيون في التجربة، لذا تحرص الإدارة على التواصل المستمر معهم عبر قنوات متعددة لتوضيح خطط الدروس وتقديم إرشادات تساعدهم في دعم أبنائهم بالمنزل.

إعلان

وتختم قائلة: “ربما غير التعلم عن بعد شكل الفصول، لكنه لم يغير جوهر رسالتنا، فنحن لا نعلم فقط، بل نطمئن وندعم ونؤمن بقدرة كل طالب على التقدم بطريقته الخاصة. وكل مرة نرى فيها طالبا يشارك بثقة أو يتجاوز تردده، ندرك أن ما نقدمه يتجاوز حدود الدرس إلى بناء إنسان قادر على الاستمرار رغم كل الظروف”.

عمر الشرهان: الانتقال إلى التعلم عن بعد تطلب قدرا كبيرا من المرونة والتخطيط
عمر الشرهان: الانتقال إلى التعلم عن بعد تطلب قدرا كبيرا من المرونة والتخطيط (الجزيرة)

مساحات افتراضية

في أكاديمية العوسج، التابعة للتعليم ما قبل الجامعي في مؤسسة قطر والمتخصصة في دعم الطلاب من ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم، تحولت الفصول إلى مساحات افتراضية تتيح للطلاب مواصلة التعلم والتفاعل مع المعلمين والزملاء.

ويشير معلم الصف السادس في الأكاديمية، عمر الشرهان، إلى أن الانتقال إلى التعلم عن بعد تطلب قدرا كبيرا من المرونة والتخطيط، خاصة أنه يدرس طلابا من ذوي صعوبات التعلم وذوي التوحد، إضافة إلى طالب لديه إعاقة جسدية.

ويؤكد أن دور المعلم لا يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل يشمل أيضا الدعم النفسي، نظرا لكون معظم طلابه في مرحلة عمرية بين 11 و12 عاما. ويقول: “في هذا العمر يكون الطلاب مدركين لما يحدث حولهم، حتى إن لم يعبروا عن ذلك دائما، لذا أحرص على طمأنتهم وتوفير بيئة يشعرون فيها بالاستقرار والثقة، مع منحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم، لأن الشعور بالأمان هو المحرك الأساسي للاستمرار في التعلم”.

ويرى الشرهان أن أكثر اللحظات إلهاما هي رؤية الطلاب يواصلون التقدم رغم التحديات، مضيفا: “أكثر ما يسعدني عندما أرى طالبا كان يحتاج الكثير من الدعم يبدأ بالمشاركة والإجابة بثقة. هذه اللحظات تؤكد أن التعلم يمكن أن يستمر، وأن الطلاب قادرون على النجاح حتى في الظروف غير المعتادة”.

"التعليم عن بعد" يعتمد على متابعة دقيقة ومستمرة تستند إلى ملاحظات يومية وتقييمات قصيرة خلال الحصص
“التعليم عن بعد” يعتمد على متابعة دقيقة ومستمرة تستند إلى ملاحظات يومية وتقييمات قصيرة خلال الحصص (الجزيرة)

تحدي البدايات

من جانبها، تتحدث ولية أمر الطالب فهد للجزيرة نت عن كواليس التجربة، موضحة أن البداية كانت صعبة، لأن ابنها من ذوي التوحد ويحتاج إلى روتين ثابت وبيئة مألوفة، مما جعل الانتقال المفاجئ إلى التعلم عن بعد يسبب له ارتباكا. لكنها تشير إلى أن التدرج في تنظيم يومه ووضوح الحصص واعتماد أسلوب يناسب احتياجاته ساهم في تكيّفه مع النظام الجديد.

وتضيف: “اليوم أستطيع القول إن التجربة كانت مفيدة، ليس على مستوى التعلم فقط، بل في تعزيز ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل أيضا. لقد أصبح أكثر استجابة، وهذا يمثل بالنسبة لنا تطورا يؤكد أن تكييف التعليم بشكل صحيح يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا في حياة هؤلاء الأطفال”.

وتؤكد وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الدوحة، في أكثر من مناسبة، التزامها بتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، مشيرة إلى أن تطوير خدمات التعليم لذوي الإعاقة جزء من خطط استراتيجية تهدف إلى توفير بيئة تعليمية شاملة تدعم احتياجات جميع الطلبة وتساعدهم على تحقيق كامل إمكاناتهم.

كما تشدد الوزارة على أن هذه الجهود تنسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030، بما يعكس حرص الدولة على ترسيخ “التعليم الدامج” ضمن منظومة أوسع لتمكين ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع، باعتبار ذلك استثمارا في التنمية البشرية وتجسيدا لمبدأ العدالة التعليمية.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة