بينما تتجه الأنظار إلى ساحات القتال المباشرة في الشرق الأوسط مع مطلع عام 2026، ثمة حرب صامتة أخرى تُخاض في غُرف العمليات المشتركة بين موسكو وطهران، إذ لم يعد التعاون الروسي الإيراني مجرد “تنسيق عابر” أو تبادل للمسيّرات كما كان في بدايات حرب أوكرانيا، بل تحوّل إلى تقارب إستراتيجي متصاعد لكنه محدود السقف.
ومنذ دخول “معاهدة الشراكة الإستراتيجية” حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تكتفِ روسيا بلعب دور المراقب والداعم “القريب البعيد”، بل تحوّلت إلى “العين الاستخباراتية” التي ترى منها طهران تحت ضغط العقوبات الغربية والمواجهات العسكرية المتصاعدة.
ولكن، هل هذا الدعم هو “شيك على بياض”؟ وما الخطوط الحمراء التي ترفض موسكو تجاوزها رغم طبول الحرب التي تُقرَع في المنطقة؟ في هذا التقرير، نفكك 4 محاور أساسية تشرح طبيعة هذا التحالف المعقد وضوابطه، وكيف استفادت منه موسكو؟
من “الاستيراد” إلى “الدعم الميداني”.. انقلاب الأدوار في 2026
لم يعد خفيا أن قواعد اللعبة في الشرق الأوسط قد تغيّرت جذريا مع مطلع عام 2026، ففي حين كان العالم يتحدث لسنوات عن “شاهد-136” الإيرانية التي تضرب أوكرانيا، انقلبت الآية اليوم، فالمسيّرات الآن تتدفق عبر بحر قزوين بالاتجاه المعاكس، من الموانئ الروسية إلى قلب طهران.
هذا التحوّل لم يكن وفق إطار سياسة “رد للجميل”، بل وصفه وزير الدفاع البريطاني جون هيلي بأنه تشكيل لـ”محور عدوان” إستراتيجي، إذ تضخ موسكو في ترسانة طهران نسخا روسية مطورة “غيران-2” (Geran-2) تتفوق على الأصل بتكنولوجيا مقاومة التشويش الإلكتروني وصواريخ اعتراضية مدمجة.
ولا تكتفي روسيا اليوم ببيع السلاح، بل تقدم لإيران “مظلة استخباراتية” كاملة، من بيانات الأقمار الاصطناعية التي ترصد التحركات الأمريكية، إلى الخبرات الميدانية التي اكتسبتها في مستنقع أوكرانيا.
ويصف مراقبون اللهفة الروسية تجاه إيران بمراهنة كبرى من الكرملين، تهدف إلى استنزاف القوة الأمريكية وإطالة أمد الصراع، محولة طهران إلى جبهة استنزاف عالمية تخدم المصالح الروسية العليا.
هذه المؤشرات يؤكدها مسؤول أوروبي رفيع المستوى، نقلت صحيفة الغارديان البريطانية تأكيده أن أجهزة الاستخبارات في أوروبا تعتقد أن روسيا في المراحل النهائية من الاستعداد لتزويد إيران بطائرات مسيرة لاستخدامها في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
في المقابل، قال مسؤول أوروبي، للغارديان، إن معلوماتهم الاستخباراتية تشير إلى أن شحنة طائرات مسيرة في طريقها إلى إيران، لكنهم لم يتمكنوا من تأكيد كيفية نقلها بالتحديد. وأضاف المسؤول أن قافلتين من الشاحنات تحملان ما وصفته روسيا بمساعدات إنسانية قد سافرتا من روسيا إلى إيران عبر أذربيجان، ومن المحتمل احتواؤهما على طائرات مسيرة.
ووفقا للمسؤول، فإن روسيا كانت تقدم بالفعل مشاركة معلومات استخباراتية مع طهران لمساعدتها في استهداف القوات الأمريكية في المنطقة، لكنّ التسليم الوشيك للطائرات المسيرة المحملة بالمتفجرات سيُمثل أول دليل على الدعم الفتاك منذ بداية الحرب.
وتتطابق هذه المعلومات مع ما نشرته صحيفة فايننشال تايمز، التي نقلت عن تقارير استخباراتية غربية، أن روسيا كانت قريبة من استكمال شحنة مرحلية من الطائرات المسيرة والأدوية والغذاء إلى إيران.
وكشفت معلومات استخباراتية عن تحركات روسية إيرانية “سرية” لإتمام صفقة تسليم طائرات مسيّرة بحلول الأسبوع المقبل، ردا على هجمات فبراير، وبينما نفى الكرملين هذه الأنباء واصفا إياها بـ”المزيفة” مع تأكيد استمرار الحوار مع طهران، تصاعدت المخاوف الأوروبية من هذا التعاون، حيث اتهمت ألمانيا وبريطانيا الرئيس بوتين بمساعدة إيران في تحديد أهداف ضرباتها لاستغلال الحرب وسيلة لتشتيت الانتباه الدولي عن غزو أوكرانيا.

لماذا ترفض موسكو تسليم “سوخوي-35” حاليا؟
بينما تمتلئ سماء الشرق الأوسط بالمسيرات، يبقى السؤال الأهم: أين مقاتلات “سوخوي-35” ومنظومات “إس-400” التي وعدت بها روسيا؟
وفي حل هذا اللغز، فككت وثائق مسربة شيفرة التعاون العسكري الروسي الإيراني لعام 2026، كاشفةً عن تنفيذ مخطط لاتفاقية مبرمة منذ 2021 بين شركة “روسوبورونيكسبورت” وطهران (العميل K10)، حيث تشارك كبرى المؤسسات الروسية مثل “إيركوت” و”زفيزدا” ومصانع المحركات والمتفجرات في توريد مكونات حيوية ومواد دفع صاروخي، مع جدول زمني يحدد الفترة بين مارس ومايو 2026 موعدا لتسليم أطقم تقنية مخصصة لمقاعد النجاة في مقاتلات “Su-35″ و”Yak-130” لتعزيز القدرات الجوية الإيرانية.
وبحسب ثلاثة مسؤولين مطلعين لصحيفة واشنطن بوست ، فإن هذا الدعم الاستخباراتي يمثل أول مؤشر على مشاركة خصم رئيسي للولايات المتحدة -ولو بشكل غير مباشر- في الحرب.
يرى المحللون العسكريون أن موسكو تتبع إستراتيجية “التنقيط المدروس” لثلاثة أسباب:
- الأولوية لجبهة أوكرانيا: بحسب وثائق مسربة من داخل شركات الدفاع الروسية، نشرتها منصات تتبع عسكري متخصصة، مثل ديفينس سيكيوريتي آسيا (Defence Security Asia)، فإن المصانع الروسية (مثل مصنع بيرم للبارود) تعمل بطاقتها القصوى لتلبية احتياجات الكرملين أولا، مما جعل تسليم المقاتلات عملية “بطيئة ومخططة” تمتد حتى عام 2027.
يؤكد هذا التسريب ما كشف عنه سابقا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 من أن إيران وافقت على صفقة ضخمة بقيمة 6 مليارات يورو (نحو 6.5 مليارات دولار ) تشمل ما مجموعه 48 طائرة من طراز “سوخوي-35″، في واحدة من أكبر عمليات نقل الأسلحة الثنائية التي شهدتها موسكو وطهران في التاريخ الحديث.
- سلاح الاستنزاف الفوري: فضلت روسيا استخدام إستراتيجية الذكاء العسكري مع إيران، بتقديم بيانات الأقمار الاصطناعية لتعقب السفن الأمريكية، وتقديم معلومات استخباراتية حول مواقع السفن والطائرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ووفقا للخبير في برنامج الفضاء والجيش الروسي، فإن البيانات المتعلقة بالأصول العسكرية الأمريكية التي تتلقاها إيران تأتي على الأرجح من “ليانا” (Liana)، وهو نظام أقمار التجسس الاصطناعية الوحيد العامل بالكامل لدى موسكو.
وقال بافل لوزين، الزميل البارز في مؤسسة “جيمس تاون” (James Town) (معهد أبحاث أمريكي) لـ”الجزيرة” إنه “تم إنشاء نظام ليانا للتجسس على مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية والقوى البحرية الأخرى وتحديدها كأهداف”.
- الاختبار الميداني: في 4 مارس/آذار 2026، سجلت المصادر أول اشتباك جوي حقيقي حين أسقطت طائرة إسرائيلية من طراز “إف-35” طائرة تدريب قتالية إيرانية من طراز “ياك-130” (Yak-130) (روسية الصنع)، مما يعكس أن روسيا بدأت فعليا بتسليم طائرات التدريب المتقدمة لتمهيد الطريق لطياري “السوخوي” في المستقبل.
وفي إطار الدعم غير المباشر، أتقنت روسيا تكتيك إرسال موجات من الطائرات المسيرة الحقيقية والوهمية (Decoy) لاستنزاف أنظمة الدفاع الجوي الغربية في أوكرانيا، ويقول مسؤولون غربيون إن هذا المخطط يساعد إيران هذه الأيام على ضرب أهداف في الخليج.
وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في 12 مارس /آذار: “أعتقد أن أحدا لن يفاجأ بالاعتقاد بأن يد بوتين الخفية تقف وراء بعض التكتيكات الإيرانية وربما بعض قدراتهم أيضا”.
ومع ذلك، يرى الخبراء أنه إذا كانت إيران تعاني من نقص في الطائرات المسيرة -كما يعتقد بعض المحللين- فإن ذلك سيجعل استخدام التكتيكات الروسية وبيانات الأقمار الاصطناعية الروسية عديم الفائدة.

الخطوط الحمراء.. البراغماتية فوق العاطفة العسكرية
رغم المشاهد التي تظهر موسكو كحليف وثيق وصديق “وقت الضيق” لطهران في مطلع 2026، فإن القراءة المتأنية لمسودة “معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة” الموقعة في يناير/كانون الثاني الماضي تكشف عن واقع مغاير تماما، حين رسم الكرملين خطوطا حمراء واضحة لا يمكن تجاوزها، مفضلا “البراغماتية” على “العاطفة العسكرية” تجاه طهران الصديقة.
قدمت المعاهدة التي وقّعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في 17 يناير/كانون الثاني، كنقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، ومع ذلك فإن الميثاق لا يشكّل تحالفا عسكريا، ولا يتطلب التزامات مباشرة من أي من الطرفين.
وبدلا من ذلك، فهو ببساطة يضفي طابعا رسميا على الروابط الوثيقة بين إيران وروسيا التي تطورت منذ الغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022، وكانت روسيا هي الخيار الأكثر منطقية، وقبيل الحرب الروسية الأوكرانية كانت العلاقة بإيران محدودة.
وعندما وجد الجيش الروسي نفسه في حاجة ماسة إلى دعم عسكري إيراني، خاصة الطائرات المسيرة، في السنة الأولى من القتال، تعمقت العلاقة بسرعة إلى حد لم تعد الوثائق الرسمية تعكسه بشكل كافٍ.
هذا يعني بوضوح أننا لن نشاهد طائرات “سوخوي” الروسية تخوض اشتباكا مباشرا مع “إف-35” الأمريكية دفاعا عن سماء طهران، فموسكو رسمت خطا أحمر واضحا يفصل بين دعم الحليف وبين الانتحار العسكري من أجله، والمعاهدة كانت تأكيدا واضحا على أن موسكو وطهران لا تنويان تشكيل تحالف عسكري.
ورغم أهمية هذا التعاون بأدنى حدوده، نصت المعاهدة الجديدة على تبادل المعلومات بين البلدين، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، و”ضمان الأمن الإقليمي”، ولم يكن هناك أي مؤشر على إحراز أي تقدم نحو ترتيب دفاعي متبادل.
ويرى الزميل المشارك في مركز الإستراتيجيات الأوراسية الجديدة -معهد أبحاث أمريكي بريطاني- رسلان سليمانوف، في حديثه لـ”الجزيرة”، أن الكرملين لا يسعى لتحقيق اختراق في هذه الحرب، ولا يساعد إيران على كسر الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأضاف أن المساعدات الاستخباراتية والعسكرية الحالية هي “أقرب إلى لفتة حسن نية، ومحاولة لخلق وهم بالمساعدة، لإظهار لطهران أنه رغم غياب الالتزامات الرسمية، فإن روسيا لا تترك صديقها في محنة”.
في الواقع، كانت الأحكام الأمنية في معاهدة 2025 مطابقة تقريبا لتلك الموجودة في معاهدة 2001، بعبارة أخرى، لم يتغير شيء منذ قرابة ربع قرن.
واليوم روسيا لم تعد بحاجة للمساعدة العسكرية الإيرانية، التي كانت لديها في السنة الأولى من الحرب بأوكرانيا. في عام 2022، أحدثت الطائرات المسيرة الإيرانية تأثيرا كبيرا في ساحة المعركة، لدرجة أنها غيّرت التكتيكات الروسية.
ولكن بحلول عام 2025، كانت روسيا قد خطت خطوات كبيرة للأمام في الإنتاج المحلي للطائرات المسيرة وتوطين تصنيع الطائرات الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن روسيا تمتلك اليد العليا الآن في أوكرانيا، مما يعني أن مساعدة طهران لم تعد حاسمة تقريبا.
السؤال الذي يطرحه المراقبون هو ما إذا كانت روسيا مستعدة لمنح إيران ما تريده، إلا أن المؤكد أن البلدين يعانيان من عزلة فرضتها واشنطن، لتشكّل هذه المعضلة نقطة التقاء رسمت حدودا للتعاون بيد أنها رسالة إعلام للعالم والنخب الروسية والإيرانية بأن موسكو وطهران قد شكلتا فريقا للمدى الطويل، وهذا مقنع ليس بسبب ما هو مكتوب في الوثائق، بل لأن أيا من البلدين ليس لديه خيارات كثيرة عندما يتعلق الأمر بالشركاء الدوليين.
ما “السبب الخفي” وراء اندفاع بوتين لدعم إيران؟
وبينما تتجه الأنظار إلى الجبهات العسكرية، كشفت بيانات “بلومبرغ” أن الكرملين هو “المستفيد الأكبر” من اشتعال الشرق الأوسط، محققا أعلى أرباح نفطية منذ غزو أوكرانيا لتعزيز “خزينة الحرب” وسط ارتفاع الأسعار وتخفيف القيود.
ووفقا لتقرير بلومبرغ، تضاعفت قيمة صادرات موسكو في الأسابيع الثلاثة الماضية لتصل إلى 270 مليون دولار يوميا، مدفوعة بقفزة الصادرات الأسبوعية إلى 1.71 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ مارس 2022.
وتستفيد روسيا من تمديد الإعفاءات الجمركية الأمريكية للمشترين في الهند، مما دفع خام “يورالز” لتجاوز “برنت” سعريا عند التسليم بآسيا، حيث بلغت الشحنات المحمولة بحرا 4.07 ملايين برميل يوميا. ورغم تحذير بوتين من أن هذه الأرباح “مؤقتة”، فإن ارتفاع أسعار التصدير (يورالز وإسبو) عزز الدخل الروسي بشكل غير مسبوق.
وفي الختام، تدرك طهران محدودية الدعم الروسي، لذا تتبنى إستراتيجية توسيع الأعمال العدائية وضرب الجوار لشل الاقتصاد العالمي، ورفع أسعار النفط كأداة ضغط إستراتيجية.
المصدر: الجزيرة