في ساعات الفجر الأولى، وبعد يوم ماراثوني طويل، وتحت أصوات صافرات الإنذار التي لم تهدأ، أقر الائتلاف الحاكم أضخم ميزانية في تاريخ إسرائيل بقيمة 699 مليار شيكل، وسط اتهامات عاصفة من المعارضة وتأكيد بأن ما أُقر ليست ميزانية حرب، بل عقد شراء لولاء الحلفاء السياسيين.
وتحت ذريعة “الضرورة الأمنية” ومواجهة “الخطر الإيراني”، تمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تمرير زيادة تاريخية لوزارة الدفاع بلغت 20% من مجموع الميزانية، لكن هذه الأرقام الفلكية لم تحجب الرؤية عن الأثمان الخفية التي دُفعت للأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة لضمان صمتها وبقاء الحكومة صامدة.
وبين وصف زعيم المعارضة يائير لبيد للميزانية بأنها “أكبر عملية سرقة”، وتحذيرات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت من “سطو ليلي” على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، يبرز السؤال الجوهري:
هل تخدم هذه المليارات “أمن إسرائيل القومي”، أم أنها مجرد “حصانة مالية” اشتراها نتنياهو ليؤمّن بها مقعده في رئاسة الوزراء وسط أعنف العواصف التي تمر بها إسرائيل؟
كيف مرت الصفقة؟
في مشهد أقرب للصفقة السياسية من التصويت، وفي مناورة برلمانية مدروسة، ولحظة استغلال ارتباك المعارضة، تمكنت حكومة نتنياهو من تمرير موازنة وصفت بأنها أكبر موازنة دفاعية في تاريخ إسرائيل.
مُررت الميزانية بموافقة نهائية بأغلبية 62 صوتا مقابل 55، بعد أن صوتت الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة لصالح تمريرها، وهي الأحزاب التي كانت قد صرحت في البداية بأنها لن تدعمها دون إحراز تقدم في التشريع الذي يعفي مجتمعها من الخدمة العسكرية.
واستخدم الائتلاف -وخصوصا- وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش خطابا هجوميا يقوم على ربط التصويت للميزانية بالوطنية والأمن، إذ قال متحدثا أمام جلسة الكنيست العامة قبل التصويت “إننا نمرر هذه الميزانية في ظل حكومة يمينية ستكمل ولايتها بالكامل، وتنجز مهمتها في الأمن والاقتصاد وإصلاح النظام القضائي”.
هذا التكتيك -وفقا لخبراء- يهدف إلى تعزيز فرض السيطرة ونزع الشرعية عن المعارضة عبر اتهامها بالإضرار بأمن الدولة. وهذا النوع من الخطاب يعمق حالة الاستقطاب في المجتمع الإسرائيلي، حيث يتم تقسيم الجمهور إلى “مؤيد للأمن” وهو الداعم للحكومة وقسم آخر خائن أو معطل، إذ وصف سموتريتش أي شخص يصوت ضد الميزانية بأنه يصوت ضد أمن إسرائيل، وضد تخفيف الضرائب عن العاملين في إسرائيل، وضد فرض الضرائب على البنوك.
فخ الإرهاق
هذه المناورة لم تكن وليدة اللحظة، بل تم التخطيط لها سرا لمدة أسبوع، وفقا لتصريحات مسؤولين سياسيين لصحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، والهدف كان إبقاء المعارضة في حالة “غفلة” حتى لا يراجعوا البنود بدقة.
ونجح الأمر لدرجة أن المعارضة صوتت بالخطأ مع الائتلاف بأغلبية ساحقة (107 مقابل 4)، إذ بدا مشرعو المعارضة مرتبكين بعد أكثر من 13 ساعة من المماطلة، ومحاولة تأجيل التصويت على الميزانية.
ومع ذك كله، لم يكن التصويت إجراء برلمانيا اعتياديا، بل جاء تحت وطأة ظروف أمنية متوترة تمثلت في دوي صفارات الإنذار المتكرر للتحذير من هجمات بصواريخ باليستية إيرانية.
هذا التهديد الخارجي المباشر أدى إلى تعليق الجلسة عدة مرات وإجبار أعضاء الكنيست على الانتقال إلى قاعة بديلة محصنة لاستكمال عملية الاقتراع.
ووفقا للتحليلات السياسية، فإنه تم تمرير أكثر الميزانيات جدلية في تاريخ إسرائيل وسط أجواء من الضغط والارتباك النفسي، مما ساهم بشكل مباشر في تسهيل تمرير “المناورات السرية” للائتلاف في ظل ما وصفوه بـ”تشتت انتباه المعارضة وانشغال الدولة بصد التهديدات الوجودية”.
ولا يمكن إغفال أن ثمة سيفا قانونيا مسلطا على رقبة الحكومة، وهو “حل الكنيست”، فإذا لم تُقر الميزانية قبل موعد محدد، تسقط الحكومة تلقائيا. لذا، تم الانتظار حتى الساعات الفجر الأولى، بعد ليلة ساخنة، لزيادة الضغط على جميع الأطراف للقبول بأي تسوية لتجنب الانتخابات، بحسب محللين.
لم تكن المناورة برلمانية فحسب، بل استندت إلى أرضية صلبة من “الترهيب الأمني”، إذ يشير الكاتب والمحلل السياسي عبد الحكيم القرالة إلى أن حكومة نتنياهو استغلت تصاعد التوترات الإقليمية وتعدد الجبهات المشتعلة كإطار تبريري مثالي لتمرير هذه الأرقام الفلكية.
وحسب القراءة التحليلية للمشهد، يقول القرالة إن الائتلاف الحاكم سوّق “الخطر الإيراني” كذريعة إستراتيجية لفرض ميزانية لا تخدم الدفاع فحسب، بل تضمن تدفق الأموال لمشاريع اليمين المتطرف، مستغلين حالة “الإجماع القومي” خلف الجيش في وقت الحرب لإسكات أي صوت معارض للمخصصات السياسية.

صدمة المعارضة
هذا وقد أثارت هذه “المناورة الليلية” موجة حادة من ردود الفعل الغاضبة، إذ انفجر زعيم المعارضة يائير لبيد قائلا: “لم يحدث شيء كهذا قط في تاريخ الكنيست. هذه عصابة حقيرة من اللصوص، منفصلة عن الجمهور، تنهب المواطنين الإسرائيليين بينما هم في الملاجئ”، وجاءت تصريحات لبيد في محاولة لاحتواء انتقادات داخلية واجهتها كتلته بسبب سوء تعاملهم مع عملية التصويت.
من جانبه، شن رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت هجوما لاذعا بقوله: “بينما يقاتل جنود الجيش الإسرائيلي في نهر الليطاني في لبنان، يقوم وزراء الحكومة بنهبنا جميعا. إنهم يخجلون من ذلك، لذا حددوا موعد التصويت بعد منتصف الليل لإخفاء العار”.
كذلك ساد إحباط عميق داخل أروقة المعارضة بسبب هذه الواقعة، إذ كشف مشرعون أن مسؤولة الانضباط (سوط المعارضة) النائبة ميراف بن آري تجاهلت المخاوف المثارة في أثناء التصويت، وحثت الزملاء على الاستمرار في التصويت لصالح القرار، رغم الشكوك التي أثارها دعم الائتلاف المفاجئ له.
وفي محاولة للدفاع عن موقف المعارضة، وصف النائب فلاديمير بلياك الانتقادات بأنها “تضليل مثير للشفقة”، مؤكدا أن القضية الحقيقية هي محاولة ائتلاف “نتنياهو/سموتريتش” اختلاس مئات الملايين من الجمهور الذي يخدم ويعمل، واصفا الائتلاف بأنه “منظمة إجرامية”، ومتوعدا بإحباط هذه الخطوة.
تشير التقييمات الأولية إلى صعوبة عرقلة تخصيص هذه الأموال على المستوى الحكومي دون طعن قانوني، خاصة أن المناورة تضمنت إعادة توجيه “أموال الاحتياط” لاستخدامات محددة مع تجاوز الرقابة القانونية، دون خرق إطار الميزانية العام.
وصباح اليوم الاثنين، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية 5 متظاهرين ضد الميزانية الجديدة، حيث تجمع العشرات خارج الكنيست لمعارضة هذه الخطوة.
وقامت الشرطة بتفريق الحشد بالقوة، وحمل المتظاهرون لافتات كُتبت عليها عبارات من قبيل: “نهب في وقت الحرب”، و”ميزانية النهب”، و”ميزانية نهب الكنيست”، في حين رصدت وسائل إعلام إسرائيلية أفراد الأمن والشرطة وهم يزيلون اللافتات في أثناء الاحتجاج.

الحريديم والميزانية
قبل لحظات من التصويت النهائي، شهد النواب مواجهة في اللحظات الأخيرة في جلسة الكنيست العامة، اتضحت فيها ملامح التنازلات المقدمة للأحزاب الحريدية، فقد قدم نواب الائتلاف، على نحو غير متوقع، تحفظات رسمية خاصة بهم على الميزانية، على الرغم من أن مثل هذه الاعتراضات عادة ما تُقدمها المعارضة في محاولة للطعن في الميزانية.
وفي قلب هذه المواجهة البرلمانية، برزت قضية تمويل المعاهد الدينية (اليشيفا) بوصفها أكثر البنود إثارة للجدل، حيث استخدم الائتلاف الحكومي “مسارا التفافيا” لتمرير مئات الملايين من الشيكلات.
وتمكن الائتلاف من تجاوز التوجيهات القانونية الصارمة من النائب العام التي تحظر تمويل هذه المعاهد بسبب أزمة “التجنيد الإجباري” ورفض طلابها الخدمة في الجيش.
وأصر مسؤولو الائتلاف على أن هذه الخطوة لا تُنشئ إنفاقا جديدا، بل هي مجرد “إعادة توجيه” لأموال سياسية مرصودة مسبقا، وهو مبرر فني استُخدم لشرعنة تدفق الأموال للمؤسسات الحريدية رغم الحظر القضائي.
وفي مفارقة تاريخية سيذكرها أرشيف الكنيست، وجد نواب المعارضة أنفسهم يصوتون (بأغلبية 107 أصوات) لصالح زيادة تمويل المدارس الدينية “اليشيفات”، وهو البند الذي لطالما حاربوه.
ويرى المنتقدون أن هذا المسار هو “تحايل علني” على القانون، إذ استُغلت ثغرات إدارية لتغذية مؤسسات يرفض القضاء تمويلها ما دام طلابها مستمرين في التهرب من الخدمة العسكرية في وقت الحرب.
وضمن التداعيات ذاتها، أفاد مسؤولون في الائتلاف الحاكم بأن الأموال كانت موجودة بالفعل ضمن مخصصات الائتلاف، غير أن إنفاقها يتطلب موافقة قانونية. ولم توافق المدعية العامة غالي بهاراف ميارا على حصة كبيرة من الأموال المخصصة للقطاع الحريدي بسبب النزاع حول التجنيد الإجباري، وبسبب حكم صادر عن المحكمة العليا يمنع تمويل بعض المؤسسات الحريدية. ونتيجة لذلك، ظلت الأموال مجمدة في بند احتياطي في الميزانية، ولم يكن بالإمكان صرفها.
وبعيدا عن صراع الأرقام، يرى الكاتب القرالة أنه مع إقرار هذه الموازنة للتوجهات العميقة للحكومة اليمينية بقيادة نتنياهو، فهي ليست مجرد أداة مالية، بل وثيقة سياسية تركز على تعزيز الإنفاق العسكري في ظل التوترات الإقليمية.
ويقول القرالة -في حديثه للجزيرة نت- إن هذه المليارات تشرعن واقعا جديدا في الضفة الغربية، إذ إنها تخصص مبالغ ضخمة للتوسع الاستيطاني، مما يحوّل الميزانية من “خطة طوارئ” إلى “أداة لفرض وقائع دائمة” على الأرض.
المصدر: الجزيرة