جنوب لبنان– في غرفة بيضاء يثقلها صمت لا يقطعه سوى أزيز أجهزة القلب والتنفس، ترقد انتصار ياسين على سرير في أحد مستشفيات الجنوب. تحدق طويلا في السقف، كأنها تبحث عن تفسير لما حدث، تتمتم بصوت خافت: “البيت لم يعد موجودا”.
كانت داخل منزلها في حي الميدان بالنبطية، في ليلة شقّ صاروخ إسرائيلي فيها سكون المكان. تستعيد تفاصيل اللحظة بصوت متقطّع قائلة “سمعتُ دويًّا هائلًا ثم انهار كلّ شيء فوقي، زجاجٌ متناثر، حجارةٌ تتساقط، وظلامٌ دامس”.
تحت الركام، لم يكن هناك سوى العتمة وثقل الصدمة، قبل أن تمتد أياد لانتشالها، وتقول للجزيرة نت “جاء شبّان وأنقذوني ربما كانوا من الدفاع المدني”.
مرّ شهر على اندلاع الحرب في لبنان، وما زالت المستشفيات تقاتل على جبهتين: جبهة الإصابات الطارئة، وجبهة صمود الخدمات وسط أزمات متلاحقة.
تقول مديرة مستشفى زارته الجزيرة نت إن الاحتياجات كبيرة جدًّا، من تجهيزات طبية إلى مستلزمات قد تنفد قريبًا، إضافة إلى المواد الغذائية، فـ”الإمكانيات الحالية محدودة، ولا يمكننا الاستمرار أكثر من شهر إذا استمرت الأزمة على هذا النحو”.
وتعاني غالبية مستشفيات الجنوب والبقاع نقصا حادا في المستلزمات الطبية والأدوية، في وقت يزداد فيه عدد الجرحى والنازحين الذين يفتقدون المأوى الآمن، حسب تقارير وزارة الصحة اللبنانية ومنظمات إنسانية مثل الصليب الأحمر و”أطباء بلا حدود”.

الألم الأعمق لا يرى
لم تغادر انتصار سرير المستشفى، قدمها المبتورة تختصر حجم الإصابة، لكن الألم الأعمق لا يُرى، تقول “لا أستطيع المشي ولا الحركة”، وتضيف قبل أن تخفض صوتها أكثر: “أحتاج إلى من يساعدني، هذا هو الأصعب”.
تعيش انتصار وحدها، تختصر حياتها الآن بجملة واحدة: “الحياة صعبة جدا”، غير أن ما يسكنها ليس الألم الجسدي فقط، بل ذلك الخوف العالق منذ لحظة الغارة، إذ تقول كأنها ما زالت تحت الركام “شعرتُ بأن قلبي توقّف”. لم تكن تلك تجربتها الأولى مع الموت، قبل عامين نجت من مشهد مشابه لكن هذه المرة لم تكن النجاة كاملة.
بين سرير المستشفى وذاكرة الركام، تبدو انتصار معلقة في مرحلة بلا ملامح بعد أن فقدت بيتها، ولم يعد جسدها يحملها، ولم يتبق لها سوى انتظار فرصة أخرى للنجاة.
في قلب الغارة
يعرّف علي حسين (20 عاما) بنفسه بهدوء، كأنه يروي سيرة حياة عادية، لا حادثة نجاة من الموت، وكان قد جاء إلى لبنان من سوريا بحثًا عن عمل، ليجد نفسه فجأة في قلب غارة إسرائيلية غيّرت كل شيء.
يقول علي للجزيرة نت “كنا في طريقنا من بيروت إلى “يحمر” في قضاء النبطية لتسليم بضاعة لمتجر دجاج، لم يكن هناك ما يوحي بالخطر، المسيرة تحلق كالمعتاد، تصعد وتهبط، تمر ثم تختفي”، وفجأة تغيّر صوته: “اختفت، وبعدها بدأت الغارة”.
في لحظات، تحول الطريق إلى ساحة قصف. كانوا 13 شخصًا، سقط بعضهم قتلى، ونجا آخرون بأعجوبة. علي كان بينهم بجسد مثقل بالإصابات، كسور في اليد والرجل، وإصابة في الصدر.

يستعيد علي اللحظة الأولى للضربة “عندما تقع الضربة لا تشعر بشيء، تجد نفسك فجأة على الأرض”، يهتز صوته وهو يضيف “أحسست برجة في رأسي، ولم أعد أرى شيئًا أمامي”.
مع ذلك، دفعت الغريزة جسده للتحرك، محاولًا سحب صديقه بعيدًا عن المكان، “خفت على صديقي، أردت أن أخرجه كي لا يُصاب”، ثم جاءت الضربة الثانية فـ”رمتني أمام شجرة”.
ساعتان ونصف، جلس قرب الشجرة، ينتظر اختفاء المسيّرة. لا إسعاف، لا صوت سوى الخطر المعلق في السماء، قبل أن يصل عناصر الدفاع المدني.
بعيدا عن عائلته في سوريا، يقضي علي أيامه وحيدا داخل غرفة المستشفى، يقول “أهلي في سوريا، وأنا هنا وحدي”، ثم يضيف: “لم أتحدث مع أهلي منذ لحظة الضربة، هاتفي تحطم وضاع في القصف”.
وتحذر تقارير الأمم المتحدة، بشكل عام، من أن استمرار القصف وتضرر البنية التحتية يهددان تقديم الرعاية الصحية الأساسية، ويضاعفان خطر انتشار الأمراض بين المصابين والنازحين على حد سواء.
بين الحياة والموت
مشهد علي وانتصار لم يكن حصريًّا. شرقًا، في مدينة بعلبك، غدت مائدة العائلة في بلدة النبي شيت ساحة للصراع بين الحياة والموت. يجد الفتى علي شكر، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة، نفسه فجأة تحت ردم منزل جده.
يروي للجزيرة نت: “كنا نجلس بهدوء في مطبخ المنزل، المكان كان آمنًا، لكن فجأة انطبق كل شيء علينا. أُغلقت الدنيا، وعمّ ظلام لم أر مثله من قبل”.
ويصف شكر اللحظات الموالية “لم نعد قادرين على التنفس، حتى أنقذونا بتزويدنا بالأكسجين بينما كنت لا أزال عالقًا تحت الردم”. لم تكن نجاة علي شكر نهاية الحكاية، بل بداية سؤال عن غياب الحماية.
وفي لحظة وادعة، لم يكن عباس الأحمد يعلم أن كوب الشاي الذي يمسكه سيكون الفاصل بين حياة هادئة وكابوس مغطى بالرماد. يستعيد عباس ثواني التحول: “كنت جالسًا بشكل طبيعي، أشرب الشاي، وفجأة انقطعت الكهرباء وساد سكون غريب قبل أن يرتطم شيء بقوة بوجهي. في تلك اللحظة، فقدت الإحساس بكل ما حولي”.
ويروي عباس الاختناق الذي تلا الضربة: “غطى الغبار الكثيف كل زاوية، لم أعد قادرًا على التنفس أو حتى النداء لطلب المساعدة”.
ويستعيد اللحظة التي انتشله فيها شقيقه “سحبني عبر باب آخر للمنزل، وهناك كانت سيارة الإسعاف بانتظاري. غبت عن الوعي تمامًا ولم أستفق إلا وأنا على سرير المستشفى”.
خطر دائم
من جانبها، تقول منى أبو زيد، مديرة مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، للجزيرة نت، إن المستشفى “دائمًا على استعداد”، ضمن خطة طوارئ وُضعت منذ حرب الإسناد التي اندلعت عام 2023 وما زالت مستمرة حتى اليوم، رغم انتهائها رسميًّا في 2024.
وتصف منى المشهد الإنساني الصعب قائلة: “نقدم الرعاية الصحية للناس، لكن هذه المرة العدد كبير، ومنهم أطفال. للأسف، نستقبل أحيانًا أشلاء أطفال، وهذا أمر مؤلم جدًّا. الحرب قاسية، خاصة أن الناس لا تجد مأوًى آمنًا، فتظل في منازلها رغم الخطر بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة”.
وتضيف: “الدعم محدود، وهناك من لا يزالون في الشارع، نحاول قدر الإمكان تقديم المساعدة، واستقبلنا أمس متضررين بلا مأوى وتمكنا بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية من تأمين أماكن لهم، وهناك حالة سيتم نقلها اليوم عبر الصليب الأحمر إلى مدرسة في الغازية”.
وبشأن الغارة التي وقعت قرب المستشفى، الاثنين، تقول: “الخطر حاضر دائمًا. استُهدفت بناية مجاورة، مما أدى إلى تحطم الزجاج ودخول الدخان إلى المستشفى. تضرر قسم كامل حيث كان الممرضون نائمين، ولحسن الحظ لم يُصب أحد، لكن الأضرار المادية كبيرة”.

من جانبه، يوضح مدير مستشفى بعلبك الحكومي عباس شكر، للجزيرة نت، أن مستشفاه “في حالة جاهزية تامة وفق خطة الطوارئ في المنطقة”، ويشير إلى الدعم المباشر من وزير الصحة الذي ساهم في سد الثغرات التجهيزية الأساسية قبل اندلاع الأحداث الأخيرة.
ويطمئن شكر الأهالي بأن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية يكفي لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة كاملة، مضيفًا أن هناك بعض النواقص نتيجة صعوبة وصول الشركات الموردة بسبب الظروف الأمنية، مما يضطر إدارة المستشفى للتحرك ميدانيًّا لتأمين الاحتياجات.
ويؤكد شكر أن المستشفى يفتح أبوابه لجميع الحالات، من نازحين وجرحى، على نفقة وزارة الصحة، وقد استقبل منذ بداية الحرب نحو 35 جريحًا، لافتًا إلى أن أغلبية الشهداء الذين وصلوا هم من النساء والأطفال.
المصدر: الجزيرة