بين “معجزة” إسلام آباد و”جحيم” ترمب.. الشرق الأوسط في سباق الساعات الأخيرة

مع دقات الساعة التي تقترب من نهاية “مهلة الجحيم” التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تحولت العواصم من واشنطن إلى طهران مرورا بإسلام آباد إلى خلايا نحل دبلوماسية في سباق محموم مع الزمن، حيث بات الخيار محصورا إما بمعجزة سياسية تولد من رحم الأزمة، أو انفجار عسكري يبدأ باستهداف البنى التحتية ولا ينتهي عند حدود مضيق هرمز.

وعلى وقع حشود عسكرية غير مسبوقة وخطط عملياتية جاهزة للتنفيذ، برزت “خطة إسلام آباد” كمخرج أخير يقوده الجيش الباكستاني بدعم دولي، لمحاولة صياغة اتفاق “تحت النار” ينهي الأعمال القتالية ويفتح شريان الطاقة العالمي، ليبقى المشهد الحالي في الشرق الأوسط يترنح أمام فجوة عميقة في الثقة والمناورات السياسية الحادة.

الفرصة الأخيرة للدبلوماسية

في تحول جوهري في مفهوم المفاوضات الدبلوماسية، كشفت التقارير عن أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير هو من يدير الدفة شخصيا عبر اتصالات مباشرة مع جيه دي فانس نائب الرئيس ترمب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

هذا الحضور العسكري لباكستان يهدف لتقديم “ضمانات ميدانية” لطرفين لا يثق أحدهما بالآخر، مما يجعل إسلام آباد “الضامن التنفيذي” لأي اتفاق، وفقا لمحللين.

ويقوم المقترح الباكستاني على آلية زمنية صارمة، تبدأ بـ “المرحلة الصفرية” بوقف فوري لإطلاق النار تعقبه اتفاقية شاملة، وتليها المرحلة الحاسمة وتنفذ خلال 15 إلى 20 يوما للتوصل لاتفاق شامل ينهي الأعمال القتالية بشكل دائم ويضع قواعد جديدة للاشتباك في المنطقة.

ولأول مرة، تضع الخطة “التخلي الإيراني عن السلاح النووي” ومعالجة ملف “اليورانيوم عالي التخصيب” شرطا أساسيا على الطاولة، في المقابل، تلتزم واشنطن بـ”رفع شامل للعقوبات” والإفراج عن كامل الأصول الإيرانية المجمدة، مما يعني أن الخطة تعرض الكل أو لا شيء، لتكون المخرج الوحيد من سيناريو الدمار الشامل.

إعلان

هذه المبادرة التي تضع طهران أمام خيار تاريخي إما التخلي عن أوراق القوة النووية مقابل النجاة الاقتصادية، أو المضي قدما في سياسة حافة الهاوية التي قد تدفع بالولايات المتحدة لتنفيذ وعيدها بتحويل المنشآت الإيرانية الحيوية إلى ركام في غضون ساعات.

وكشفت رويترز عن أن المبادرة لا تكتفي بتبادل الرسائل، بل تهدف لنقل المواجهة من الميدان إلى طاولة المفاوضات وجها لوجه في العاصمة الباكستانية، مما يحول إسلام آباد من وسيط إلى مقر رسمي لصياغة الاتفاق النهائي، ليضفي زخما دوليا للحل السياسي.

وسط هذا الانعدام في الثقة، يقول المحلل السياسي رعد هاشم للجزيرة نت أن ظهور السلطات الباكستانية كـ”طرف صالح للضمان” لكل من واشنطن وطهران، نظرا لامتلاكها علاقات إستراتيجية وعسكرية متوازنة مع الطرفين، وهو ما يجعل مبادرة إسلام آباد المحاولة الأكثر جدية لترميم ما دمرته أشهر من المواجهة المباشرة.

في الوقت ذاته، يرى هاشم أن نقطة الخلاف الجوهرية في أن طهران ترفض رفضا قاطعا أي “إنهاء تدريجي” لوقف إطلاق النار، بينما تسعى واشنطن لانتزاع تنازلات فورية قبل تقديم أي ضمانات دائمة، مما يجعل الحلول المقترحة في المبادرة “بعيدة المنال” خلال الساعات الراهنة.

مضيفا أننا أمام معادلة صفرية، “قوة تقابل عنادا، وعناد يقابل قوة”، في ظل هذه الحدة، تذوب قيمة الضمانات، حتى لو كانت من المؤسسة العسكرية الباكستانية أو بإجماع دولي؛ فمن يرفض الهزيمة لن يقبل بضمانات تقيد حركته، ومن يريد فرض “النصر المطلق” لن يرضى بضمانات تمنح الخصم فرصة للتنفس.

WAGAH, PAKISTAN - MARCH 11: A man waves the flag of Pakistan before the ceremony to lower the national flags at the border crossing between Pakistan and India March 11, 2004 in Wagah, Pakistan. The ceremony, a daily colourful parade conducted by Pakistani Patan guards and the Indian Border Security force took place as the Indian cricket team were beginning their first full tour of Pakistan in almost 15 years. The tour is seen as evidence that the two nuclear-armed rivals are getting closer after almost going to war over the Himalayan region of Kashmir less than two years ago. (Photo by Scott Barbour/Getty Images) *** Local Caption ***
باكستان تقود حراكا دبلوماسيا مكوكيا للوصول لاتفاق بين طهران وواشنطن (غيتي)

عقدة “الثقة والضمانات”

فبينما يمدد ترمب مهلته لـ20 ساعة إضافية كفرصة أخيرة للدبلوماسية، لم ترد طهران بعد على المقترح ولم تلتزم بأي إجراء رغم تكثيف التواصل المدني والعسكري.

وتشير الملامح الأولية إلى أن طهران ترفض منطق واشنطن لفرض إملاءاتها وضغوطها، متمسكة بأوراقها التفاوضية من يورانيوم مخصب وإغلاق للمضيق، إذ نقلت رويترز عن مسؤول إيراني رفيع قوله إن طهران تلقت مقترح باكستان وتجري مراجعته، مشددا على أن إيران لن تقبل مواعيد نهائية أو أي ضغوط.

ويبدو أن طهران تعتمد إستراتيجية النفس الطويل، إذ أكد وزير خارجيتها عباس عراقجي أن “نقل وجهات النظر عبر الوسطاء ليس غريبا”، وهو اعتراف ضمني بجدية قناة إسلام آباد، لكنها في الوقت ذاته تقلل من شأن “عامل الوقت” الذي يضغط به ترمب، معتبرة أن تبادل الرسائل مسار طبيعي حتى في ذروة الأزمة.

ووصفت الخارجية الإيرانية تهديدات ترمب بضرب البنية التحتية بأنها “جريمة حرب” تفتقر لأي خطوط حمراء، مما يعزز وجهة النظر التي تتحدث عن تخوف طهران من أن تكون الهدنة المؤقتة (45 يوما) مجرد فخ لتفكيك أوراقها القوية (مضيق هرمز والملف النووي) قبل بدء الهجوم الشامل.

وفي خضم الترقب والانتظار، شن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، هجوما حادا على واشنطن، معتبرا أن الولايات المتحدة هي من “دمرت مسار الدبلوماسية خلال أشهر بأسوأ طريقة”، ومشددا على أن أفعال الإدارة الأمريكية تناقض ادعاءاتها تماما، ومؤكدا في الوقت ذاته صياغة طهران لردها الدبلوماسي بالفعل، لكنها ستبلغه “في الوقت المناسب” ووفقا لـ”خطوطها الحمراء” ومصالحها الوطنية.

إعلان

وبين فجوة الفعل والتصريحات، تعمّق تصريحات بقائي “أزمة الثقة”، فبينما تتحدث واشنطن عن رغبة في الاتفاق وفتح مضيق هرمز، ترى طهران في “أهداف الجحيم” وتهديد البنية التحتية دليلا على نية مبيتة للتصعيد، مما يجعل “خطة إسلام آباد” تواجه اختبارا عسيرا بين رغبة الوسطاء في الحل وإصرار الطرفين على عدم تقديم “تنازلات مجانية”.

وبين هذا التصلب الإيراني والاندفاع الأمريكي، تبقى الساعات القادمة هي ساعات الحسم التي ستحدد إذا ما كان العالم سيشهد ولادة “اتفاق القرن الإقليمي”، أم سيغرق في جحيم عسكري يشمل لهيبه مصادر الطاقة والمياه في قلب الخليج العربي.

ويرى الخبير السياسي عامر السبايلة -في حديثه للجزيرة نت- أننا أمام “مقامرة زمنية”، فطهران تراهن على أن إطالة أمد الأزمة ستحول الضغط الاقتصادي الدولي إلى سياط تضرب ظهر إدارة ترمب، بينما يسابق الأخير الزمن لتحقيق انتصار قبل أن يتحول الوقت إلى عبء عليه، مما يجعل “ساعة الصفر” مساء الثلاثاء مجرد بداية لسيناريو أكثر قسوة.

سيناريو “الجحيم”

وعند الانتقال من أروقة السياسة إلى غرف العمليات، نجد أن إدارة ترمب بدأت بوضع اللمسات الأخيرة على خيار القوة في حال انقضاء مهلة الثامنة مساء بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، غدا الثلاثاء دون توقيع أو اتفاق مبدئي.

وكشف موقع أكسيوس عن جاهزية خطة قصف أمريكية إسرائيلية واسعة النطاق، تستهدف بنى تحتية حيوية داخل إيران، لا تشمل المواقع العسكرية فحسب، بل تمتد لتشل “العصب المدني” في إيران، بهدف إجبار طهران على الاستسلام الكامل تحت ضغط الانهيار الداخلي.

في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي أمام هذه التجهيزات العسكرية، إذ أعلن وزير الداخلية الإيراني أن 12 مليون مواطن أعلنوا خلال 10 أيام في حملة تعبئة استعدادهم للقتال لدحر أي غزو بري محتمل.

حذر الوسطاء من إستراتيجية “الأرض المحروقة” التي قد تتبعها طهران، إذ لوحت باستهداف مماثل لمنشآت الطاقة وتحلية المياه في دول الخليج، مما يعني تحويل الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تهدد أمن الطاقة العالمي وتدفع أسعار النفط إلى مستويات جنونية.

أما عن المفاوضات التي توصف بأنها “عبثية”، فيقول هاشم إنها لم تكن كذلك في الحقيقة، بل كانت محاولات لوضع أساسات للانطلاق نحو حلول، غير أن ترمب استخدم هذا الوصف لفرض واقع تفاوضي جديد أكثر قسوة.

يقف العالم على حافة مواجهة شاملة مع اقتراب انقضاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي تنتهي في الساعة الثامنة مساء غدا الثلاثاء بتوقيت واشنطن، والتي تنتهي إما بحل سياسي أو مواجهة عسكرية أوسع تغير وجه المنطقة للأبد.

ويجمع الخبراء على أن هذا الانسداد يعني أن المنطقة لا تنتظر اتفاقا بقدر ما تنتظر “لحظة الحسم”، فإطالة أمد التجاذب والعناد المتبادل تجعل من أي مبادرة -بما فيها مبادرة إسلام آباد- مجرد محاولة لتأجيل الانفجار لا منعه، ما دام الطرفان لا يرضيان إلا بكسر إرادة الآخر بالكامل.

 

المصدر: الجزيرة