“طفّوا النور” يعلو الصوت داخل محل الأحذية في وسط البلد بالعاصمة المصرية. الجميع يسابق دقات الساعة، الزبائن يختارون طلباتهم على عجل، والباعة يسارعون لتلبيتها وإغلاق الأبواب، وآخرون يخففون الإضاءة إلى أقل قدر ممكن في المحل الشهير. هكذا صار حال القاهرة المنورة بأهلها بعد قرارات الإغلاق المبكر عقب اشتعال الحرب في إيران وتوقف الإمدادات البترولية.
عيد بلا فرح
قبل ساعة ونصف من موعد الإغلاق اليومي في مصر، تجولت “الجزيرة نت” ترصد حركة البشر في أكثر مناطق القاهرة ازدحاما. وسط المدينة، الذي كان لا ينام في موسم الأعياد، بات مجبرا على الإظلام والإغلاق المبكر. يمتلئ الشارع بالأسر المسيحية التي تتجول لابتياع طلبات العيد، وأمام كل محل يقف الأب يراقب ساعته، كحكم كرة قدم يتابع اقتراب صافرة النهاية.

داخل “مجمع طلعت حرب” التجاري، تتجول عائلة يوستينا لشراء ملابس العيد. أيام قليلة تفصلهم عن أحد القيامة، والجمعة الحزينة أتت، لكن لا شيء أكثر حزنا من القاهرة المظلمة في ليالي الأعياد.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
تقول يوستينا، التي فضّلت عدم التصوير مع عائلتها: “لا نشعر ببهجة العيد، ولا نشتري ملابس كما كنا نفعل. والدي يعود من العمل، ونحن من الامتحانات، فنسرع للبحث عن الملابس والطلبات حتى ننتهي قبل الإغلاق، وغالبا ما تغلق المحلات ونحن بداخلها”.
في المجمع نفسه، الذي يحمل اسم رجل الصناعة المصري الأول ويقف تمثاله في مقدمة الشارع الذي يحمل اسمه “طلعت حرب”، يقف شادي، أحد العاملين في محل ملابس. ساعة واحدة متبقية على موعد الغلق، الموعد الذي يمر فيه رجال أمن المجمع للتأكد من التزام جميع المحال بالقرار. يقول: “ليس لدينا رفاهية الاعتراض، إذا اعترضنا سندفع الغرامة وسنغلق المتجر في النهاية”.
الإغلاق الثاني الذي يمر على شادي يعتبره أقل ضررا من الأول إبان تفشي فيروس كورونا: “لا فرق كبيرا بين وقت كورونا والآن، لكن على الأقل يمكن للناس النزول في فترات النهار. وقت كورونا كانت الناس تشعر بالخوف نهارا وليلا”، مختتما حديثه بالدعاء: “ربنا ما يكتب علينا الأيام دي”.

شارع عدلي.. لا عيش ولا ملح
الثامنة والربع مساء في شارع عدلي بوسط البلد. تتفرع من عدلي شوارع تكتظ بالمحال والمطاعم، الحركة فيها سريعة، السيارات والمارة والمطاعم، الجميع يسابق الزمن، حتى الجالسون يتناولون عشاءهم على عجل قبل موعد الإغلاق.
في مطعم “عيش وملح”، ذي الطراز الإيطالي والمطل على المعبد اليهودي الأقدم في وسط المدينة، والذي لا تفارقه حراسة سيارات الشرطة، اعتاد المطعم أن يبدد عتمة التشديدات الأمنية بإضاءته القوية التي تزين مدخله مع المساء وحتى الإغلاق عند منتصف الليل. مع قرار الإظلام، ازدادت التشديدات الأمنية أمام المعبد، لكن نور “عيش وملح” اختفى.

في “ممر فيلبس”، الذي يربط بين شارعي “عدلي” و”شريف”، يستعد الجميع للإغلاق وعلى وجوههم علامات الضيق والهم. على ناصية الممر يقف عم سامي، منشغلا بجمع بضاعته وتخزينها داخل “كشك” صغير، ميراثه عن والده منذ 120 عاما.
يحكي عم سامي، الذي تجاوز السبعين، للجزيرة نت عن سر ابتسامته الهادئة التي لا تفارق وجهه، عكس بقية جيرانه من أصحاب المحال: “أنا أبيع السجائر، ومسموح لي أصلا أن يظل المحل مفتوحا، لكن صحتي لا تتحمل البرد ليلا”.
يتذكر أوقاتا أخرى شهدها في الكشك ومن قبله والده: “تحملنا كثيرا مع البلد. أتذكر عام 1967، كنا نغلق المتاجر عند المغرب، وطلينا الشبابيك باللونين الأزرق والأسود حتى لا تكون مرئية للطائرات. داخل البيوت كنا نطفئ الأضواء عندما نسمع صفارة الغارة. وخلال وقت كورونا كنا نغلق منذ الخامسة مساء. كل الأيام الصعبة ستمر، المهم أن تبقى البلاد موجودة”.

التاسعة مساءً.. صافرة الإغلاق
تدق الساعة لتعلن تمام التاسعة مساء، توقيت قرار الإغلاق في القاهرة. يتغير وجه المكان، يحل الظلام محل النور، وتتوقف عمليات البيع والشراء. يهرول الجميع نحو سيارات الأجرة للحاق بآخر وسيلة مواصلات قد لا يجدونها إن تأخروا قليلا، ويتكدس المواطنون في الشوارع بانتظار سيارات تطبيقات النقل الذكي.
تغلق المطاعم أبوابها، لكن نيران مواقدها تستمر في تجهيز طلبات التوصيل المنزلي لزبائن يقفون على بعد خطوات، لكن عليهم أن يطلبوا الطعام عبر الهاتف. النيران تنضج الدجاج، والزبائن تصطلي بنيران الظلام والجوع بعد التاسعة.

الأكشاك والصيدليات والمتاجر الكبيرة لها نصيب من النور في قاهرة ما بعد التاسعة، فقد استثنيت من قرارات الإغلاق وتخفيف الإضاءة. والغرامة -20 ألف جنيه (نحو 415 دولارا)- لا يخشاها صاحب الكشك رغم الإنارة القوية التي تحيط به.
يقول المحامي بالنقض أيمن عبد العليم إن غرامات أصحاب المحال في وقائع اختراق الحظر كانت الأكثر حضورا في أروقة النيابة العامة خلال الأسبوع الأول من أبريل/نيسان. ففي ليلة واحدة، وتحديدا 2 أبريل، بلغت مخالفات قرارات الإغلاق نحو ألف مخالفة، بغرامات تتراوح بين 20 و50 ألف جنيه (نحو 415 إلى 1038 دولارا).

قاهرة بلا “مريدين”
بعد التاسعة، يمتد الظلام من وسط المدينة وحتى ميدان الحسين وشارع المعز. وبرغم استثناء الأماكن السياحية من قرارات الإغلاق، لم تفعّل هذه الاستثناءات على مقاهي الحسين والمعز والمطاعم والمتاجر السياحية في المنطقة الأهم بسياحة القاهرة القديمة، “الدهان” و”الفيشاوي” و”المالكي” و”أضواء مقام الإمام الحسين”. الجميع يشتكي الفراغ والظلام، لا بشر ولا سياحة ولا مريدين، فقط الدعوات تسمعها حين تمر في شوارع الجمالية الملاصقة لمسجد الحسين: “يا ولي النعم يا كل النعم”.
في حارة ضيقة بالجمالية أسدل الليل ستاره، وكذلك المقهى أُسدل نصف بابه، وستائر بلاستيكية تحجب أصوات الشيشة. أصوات خافتة تخرج من الداخل وأحجار فحم تشم رائحتها ولا ترى دخانها، الباب مغلق حتى لا “يطير” الدخان. في الجمالية فقط، تحاول القاهرة أن تعود منورة بأهلها.
المصدر: الجزيرة