علق الرئيس سيريل رامافوزا -الخميس الماضي- مهام المفوض الوطني للشرطة فاني ماسيمولا، بعد توجيه اتهامات إليه بانتهاك قوانين المالية على خلفية مناقصة لخدمات الرعاية الصحية. وقال رامافوزا إن قراره يأخذ صيغة “إيقاف احترازي” إلى حين الفصل في القضية، معينا الفريق أول بولينغ ديمباني -المسؤولة المالية الأولى في الشرطة- مفوّضة بالنيابة، ووصفها بأن لها “سمعة في الاحتراف والنزاهة”.
وتتمحور القضية حول مناقصة أبرمت عام 2024 لتقديم خدمات صحية لمنتسبي الشرطة، بلغت قيمتها 360 مليون راند (نحو 21 مليون دولار)، ورست على رجل الأعمال فوسيموزي ماتلالا الملقّب بـ”كات”، والذي يشتبه في ارتباطه بشبكات الجريمة المنظمة، قبل أن تلغى الصفقة لاحقا. وقد وجهت إلى ماسيمولا 4 تهم بانتهاك قانون إدارة المالية العامة الذي ينظم آليات إرساء العقود الحكومية.
ولا يقتصر الملف على المفوض وحده، إذ يواجه 12 ضابطا كبيرا آخرين اتهامات بالاحتيال والفساد وغسل الأموال في القضية نفسها، وقد مثل ماسيمولا أمام المحكمة الثلاثاء قبل أن تؤجل القضية إلى 13 مايو/أيار المقبل، ونفى التهم المنسوبة إليه.
ويتشابك مسار ماتلالا مع فضائح أوسع، فقد اعتقل في مايو/أيار من العام الماضي على خلفية محاولة اغتيال شريكته السابقة عام 2023، وكان اسمه قد ظهر في فضيحة مستشفى تيمبيسا التي يتهم فيها بتبديد ما يفوق 2.2 مليار راند (نحو 129 مليون دولار)، وهي القضية التي اغتيلت المبلغة عنها بابيتا ديوكاران عام 2021 بتسع رصاصات أمام منزلها.

لجنة “مادلانغا” وانهيار قمة الهرم الأمني
وتأتي هذه التطورات امتدادا لتحقيقات اللجنة القضائية المعروفة بـ”لجنة مادلانغا”، التي أعلنها الرئيس رامافوزا في يوليو/تموز 2025 برئاسة القاضي المتقاعد مبوييسلي مادلانغا، للنظر في اتهامات بالتواطؤ والفساد بين سياسيين وكبار ضباط الشرطة وأعضاء في النيابة العامة وأجهزة الاستخبارات وعناصر من القضاء.
وامتدت تداعيات الملف لتطال قيادات أمنية إضافية، إذ جرى تعليق مهام وزير الشرطة ونائب المفوض الوطني، وباتت قمة الجهاز الأمني في حالة اضطراب نادرة. وأقر نائب المفوض الموقوف شادراك سيبيا في فبراير/شباط الماضي، أمام لجنة مادلانغا، بأنه استخدم “خطة تنفيذ غير قانونية” لحل فرقة العمل المعنية بالاغتيالات السياسية، فيما ادعى ماتلالا أنه دفع لسيبيا مبالغ شهرية تصل إلى مليون راند، إلى جانب 500 ألف راند أسهم بها في حملة مشونو لرئاسة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.
وتكشف هذه التطورات هشاشة بنيوية في قيادة جهاز الشرطة، إذ لم يُكمل أيّ مفوض وطني ولايته كلها منذ جورج فيفاز الذي تولّى المنصب في تسعينيات القرن الماضي. وأفضى توقيف ماسيمولا إلى تجميع ثلاث شخصيات من قمّة الهرم الأمني تحت سقف الإيقاف، وهم الوزير ونائب المفوض والمفوض ذاته، في مشهد يصفه المراقبون بغير المسبوق.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أعلن رامافوزا أن عملية تدقيق شاملة في صفوف القيادات العليا للشرطة جارية بالفعل، واصفا إياها بأنها مسار جوهري لإعادة هيكلة المؤسسة وبنائها من جديد.
ويبقى السؤال المعلق: هل تنجح إجراءات رامافوزا في رأب صدع الثقة المتسع بين المواطن الجنوب إفريقي وأجهزته الأمنية، أم أن ما يكشفه ملف ماتلالا ليس سوى رأس جبل جليد لمنظومة فساد تتغلغل في مفاصل الدولة؟
المصدر: الجزيرة