بين “أسطول الشبح” وقَطع الإنترنت.. ما آخر أوراق طهران لكسر الحصار؟

في ظل تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، يواجه النظام الإيراني تحديا غير مسبوق، ربما قد يهدد ركائز إستراتيجيته الدفاعية والاقتصادية التي اعتمدها لعقود.

وبعد سنوات من الاعتماد على “تكتيكات الظل” للالتفاف على العقوبات، فرضت البحرية الأمريكية حصارا شاملا يوم 13 أبريل/نيسان الماضي، أدى إلى شل حركة الصادرات النفطية الإيرانية تماما وكشف عن ثغرات في قدرة طهران على التحكم بمضيق هرمز.

Desh Garima, an Indian-flagged tanker carrying crude oil that transited through the Strait of Hormuz, is seen docked at an offloading terminal along the coast in Mumbai on April 30, 2026.
ناقلة النفط “ديش غاريما” التي ترفع العلم الهندي وتحمل النفط الخام وهي تعبر مضيق هرمز (الفرنسية)

خنق “إستراتيجية الظل”

وترى صحيفة وول ستريت جورنال أن إيران ظنّت أنها ستحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز، غير أن واشنطن ردت بحصار بحري شلّ حركة “سفن الظل” التي كانت الشريان السري لتصدير النفط الإيراني إلى الصين.

حاولت إيران الالتفاف على الحصار عبر السكك الحديدية والطرق البرية مع الصين وباكستان والقوقاز، بيد أن تأثير ذلك كان محدودا، حيث لا تستطيع تلك البدائل استيعاب أكثر من 40% من حجم التجارة المفقودة، بحسب تقديرات صحيفة وول ستريت جورنال.

في المقابل، تؤكد المؤشرات العسكرية والاقتصادية أن الثغرات التي تستغلها طهران لكسر الحصار البحري كانت فعالة، رغم التحذيرات من تداعيات قد تطال الاقتصاد الإيراني إذا اشتد الخناق في المرحلة المقبلة.

وتشير التحليلات إلى أن عبور عشرات الناقلات الإيرانية، التي رصُدت عبر الأقمار الصناعية، أكدت أن الحصار الأمريكي ليس محكما، ولفت الخبير العسكري والإستراتيجي حسن جوني -في حديثه للجزيرة- إلى أن نحو 30 سفينة تمكنت من الإفلات.

This photo obtained by AFP from the Iranian news agency Tasnim shows an Islamic Revolutionary Guard Corps (IRGC) boat allegedly taking part in an operation to seize ships attempting to cross the Strait of Hormuz, on April 21, 2026.
زورق تابع للحرس الثوري خلال محاولته ملاحقة سفن تحاول عبور مضيق هرمز الأسبوع الماضي (الفرنسية)

وعلى أرض الواقع، لطالما اعتمدت إيران على “أسطول الظل” الإيراني، وهو شبكة واسعة من السفن التي طورتها طهران عبر سنوات من العقوبات، وتعمل بآليات معقدة للتمويه، تشمل تغيير الهويات والأعلام، والتلاعب بوثائق السفن، فضلا عن تعطيل أو تزوير إشارات أجهزة التتبع لإخفاء مصدر الرحلات الحقيقية.

إعلان

ويشكل هذا الأمر عبئا على البحرية الأمريكية وحصارها الذي لا يشمل كل حركة الملاحة، بل يركز على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، مما يعني أنها مضطرة للتحقق من كل سفينة وهي عملية معقدة تقنيا وزمنيا.

وضمن هذا السياق، يرى محللون أن فاعلية الحصار الأمريكي لا تعتمد فقط على الوجود العسكري الميداني، بل على مدى القدرة على سد الثغرات المتبقية، إذ إن المساحات الشاسعة في منطقة بحر العرب تجعل من الصعب على السفن الحربية وحدها إحكام القبضة بشكل كامل.

ومع ذلك، باتت الأقمار الصناعية “العين الحقيقية” في هذه المواجهة، إذ يُعتمد عليها بشكل متزايد لتعقب حركة السفن بدقة من الفضاء، مما يحول الحصار إلى أداة ضغط خانقة تتجاوز مجرد الانتشار العسكري التقليدي وتجعل محاولات التهريب الإيرانية مكشوفة .

وتقول القيادة المركزية الأمريكية -التي تشرف على العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط- إن نحو 44 سفينة تجارية تعمل لصالح إيران تلقت أوامر بالعودة مطلقا أو العودة إلى الميناء، ولا يوجد دليل على أن أي شحنة نفط إيرانية قد عبرت الحصار الأمريكي ووصلت إلى الزبائن الصينيين أو مشترين آخرين.

تاريخ من التكيف

ولم يكن الحصار الحالي وليد الصدفة، بل ذروة صراع طويل طورت خلاله إيران “مدرسة خاصة” في الالتفاف على القيود، تعتمد على ركائز إستراتيجية، في مقدمتها أسطول “الناقلات الشبحية” والتمويه البحري، إذ تستفيد من خبرتها الطويلة في إدارة أسطول من السفن التي تعمل خارج الرادار.

هذه الناقلات لا تكتفي بإطفاء أجهزة التتبع، بل تمارس “الخداع الهوياتي” عبر تغيير أعلام الدول وأرقام التعريف البحرية بشكل دوري وتنفيذ عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض المياه الدولية لتمويه المصدر الحقيقي للنفط.

وتعتمد طهران على العملات المشفرة بديلا للنظام المصرفي، إذ اعتمدت عليه خلال سنوات طويلة من العقوبات الأمريكية في ظل عزلها عن نظام “سويفت” العالمي، واستبقت إيران الحصار بتعزيز قدراتها في تعدين العملات المشفرة.

وتستخدم طهران هذه العملات لتكون قناة مالية موازية لشراء الواردات الضرورية بعيدا عن رقابة وزارة الخزانة الأمريكية، إذ تعد العملات المشفرة وسيلة أساسية لتسهيل التجارة البينية مع شركاء مثل الصين وروسيا، مما يخفف من وطأة التراجع الذي يشهده الريال الإيراني.

وإلى جانب ذلك، تشكل الصين وروسيا منفذا إستراتيجيا إذ تعتمد إيران على موانئ محددة -مثل مدينة “دونغ ينغ” في مقاطعة شاندونغ الصينية- كمحطات استقبال رئيسية لنفطها، وهذا التحالف الإستراتيجي مع بكين وموسكو يمثل متنفسا يسمح للاقتصاد الإيراني باستنشاق القليل من الأكسجين المالي، رغم القبضة العسكرية الأمريكية المشددة على الممرات المائية.

A view of Iranian-flagged cargo ship M/V Touska as the U.S. Navy Arleigh Burke-class Aegis guided missile destroyer USS Spruance conducts its interception in a location given as the north Arabian Sea, in this screen capture from a video released April 19, 2026. CENTCOM/Handout via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. THIS IMAGE WAS PROCESSED BY REUTERS TO ENHANCE QUALITY, AN UNPROCESSED VERSION HAS BEEN PROVIDED SEPARATELY. VERIFICATION -Identity of the ship confirmed as Touska by shape which matched file imagery of the vessel. -Exact date not verified but no older version found posted online before April 19. -Vessel tracking data showed the most recent location of Touska near the Gulf of Oman on April 19.
سفينة الشحن الإيرانية “توسكا” في أثناء قيام مدمرة أمريكية باعتراضها يوم 19 أبريل/نيسان 2026 (رويترز)

الانتحار العالمي

وبينما يصف الرئيس ترمب حصاره البحري بـ”العبقري والمضمون 100%”، بدأت طهران تصعد من لهجتها، وقال مسؤولون إيرانيون إن طهران قد تستخدم أسلحة لم تستخدم من قبل لمهاجمة السفن الحربية الأمريكية، من الغواصات إلى الدلافين الحاملة للألغام. وهدد الحرس الثوري بتصعيد الموقف عبر قطع كابلات الهاتف في مضيق هرمز، مما قد يعطل حركة الإنترنت عالميا.

إعلان

ونشرت وكالة أنباء تسنيم مؤخرا خريطة لكابلات الإنترنت البحرية التي تعبر مضيق هرمز في تحذير مبطن من أن البنية التحتية للاتصالات في المنطقة قد تكون مستهدفة.

من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مؤخرا إن طهران ستجد سبلا “لتحييد القيود” المفروضة على الشحن، ويُعتقد أن ما يصل إلى 90% من البحرية التقليدية الإيرانية قد دُمرت بسبب القصف الأمريكي، مما جعلها غير قادرة على مواجهة السفن الحربية الأمريكية.

وبينما تراهن إيران على أن أمريكا ستنكسر أولا وتنهي حصارها للموانئ الإيرانية لتهدئة الأسواق العالمية وخفض أسعار البنزين الأمريكية، يؤكد المسؤولون الأمريكيون على أن إيران هي من سترضخ في النهاية بسبب الأزمة الاقتصادية المتعمقة.

يتزامن ذلك ومع وصول العملة الإيرانية إلى مستوى غير مسبوق عند 1.81 مليون ريال للدولار، وبهذا تدخل المنطقة سباقا مع الزمن، فهل يرضخ النظام الإيراني قبل أن ينفجر الداخل، أم تنجح طهران في كسر إرادة واشنطن عبر إشعال أسعار الطاقة العالمية؟

 

المصدر: الجزيرة