“في بي إن”.. تقنية اتصال تحمي الهوية وتهدد الخصوصية

الشبكة الافتراضية الخاصة “في بي إن” (VPN) تقنية تُنشئ اتصالا رقميا مشفرا بين جهاز المستخدم والإنترنت، بدأت كأداة مؤسسية في التسعينيات قبل أن تدخل في الاستخدامات الشخصية، ويقفز الطلب عليها بشكل كبير إبان جائحة كوفيد-19.

تزايد الاعتماد على هذه التقنية مع اتساع استخدام الإنترنت في مختلف المجالات، وما رافق ذلك من تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن البيانات وحماية الخصوصية الرقمية. ورغم الاستفادة منها في تأمين الاتصال وحماية الخصوصية والوصول إلى المحتوى المقيد، فإنها كشفت أيضا عن تهديدات أخرى للأمان الإلكتروني وحماية بيانات المستخدم وخصوصيته، وأثارت نقاشات حقوقية وقانونية.

المفهوم

الـ”في بي إن” (VPN) هي اختصار بالإنجليزية لمصطلح “الشبكة الافتراضية الخاصة” (Virtual Private Network)، وهي تقنية تُنشئ اتصالا آمنا ومشفرا بين جهاز المستخدم والإنترنت، إذ تؤدي دور نفق رقمي مغلق يحمي البيانات المتبادلة من الاطلاع عليها أو اعتراضها، وتُخفي هوية المستخدم الرقمية عبر إخفاء عنوان بروتوكول الإنترنت (IP) الخاص به على الشبكة.

VPN server network security internet privacy encryption concept. Encrypted connection VPN (virtual private network). Man using smartphone with app web proxy over the Internet protocol. cybersecurity,
“في بي إن” هي تقنية تُنشئ اتصالا آمنا ومشفرا بين جهاز المستخدم والإنترنت (شترستوك)

النشأة والتطور

منذ انتشار الإنترنت بين المستخدمين في الثمانينيات من القرن العشرين، ظهرت مشكلة أساسية تتعلق بضعف الخصوصية، إذ كانت البيانات تنتقل عبر الشبكة بشكل يمكن اعتراضه أو الاطلاع عليه من قِبل أطراف غير مصرح لها، مما كشف الحاجة إلى وسائل أكثر أمانا لحماية الاتصال.

وفي عام 1996، توصّل مهندس في شركة مايكروسوفت الأمريكية إلى تطوير ما عُرف بـ”بروتوكول الاتصال النفقي من نقطة إلى نقطة” (Point-to-Point Tunneling Protocol) والمعروف اختصارا بـ”بي بي تي بي” (PPTP)، والذي أتاح إنشاء “نفق افتراضي” مشفّر لنقل البيانات عبر الإنترنت، وهو ما يُعد نقطة الانطلاق الفعلية لتقنية الشبكات الافتراضية الخاصة.

إعلان

واقتصر استخدام هذه التقنية في البداية على المؤسسات لتأمين شبكاتها الداخلية والعمل عن بُعد، ومع اتساع استخدام الإنترنت وتزايد التهديدات الرقمية، بدأت الحاجة تمتد إلى المستخدمين الأفراد، خاصة مع تصاعد مخاطر التتبع والاختراق عبر الشبكات العامة، فانتشر استخدامها تدريجيا.

لكن الاستخدام التجاري الواسع والخدمات العامة للمستخدمين بدأت في الظهور بشكل بارز في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتحديدا مع إصدار بروتوكول “أوبن في بي إن” (OpenVPN) مفتوح المصدر في عام 2001.

ثم جاء التحول الأكبر أثناء جائحة كوفيد-19 عام 2020، حين أصبح العمل عن بُعد واسع النطاق، وأصبحت الـ”في بي إن” أداة أساسية لضمان الاتصال الآمن بين الموظفين وأنظمة المؤسسات.

آلية العمل

تعمل الشبكة الافتراضية الخاصة “في بي إن” من خلال إنشاء اتصال مُشفّر بين جهاز المستخدم وخادم (سيرفر) بعيد، فيما يُعرف بـ”النفق الافتراضي”، تنتقل عبره جميع البيانات المرسلة والمستقبلة بشكل آمن، بعيدا عن أي أطراف غير مصرح لها بالوصول إليها.

وتعتمد هذه التقنية على تشفير البيانات وتحويلها إلى صيغة غير قابلة للقراءة أثناء عملية النقل، بحيث يتعذر على أي جهة اعتراضها أو فهم محتواها، ولا يمكن فك هذا التشفير إلا عند وصول البيانات إلى وجهتها النهائية.

كما تسهم “في بي إن” في إخفاء عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالمستخدم، وتغييره بعنوان الخادم المتصل به، مما يعزز من صعوبة تتبع الهوية الرقمية أو تحديد الموقع الجغرافي للمستخدم.

A person seated at a desk uses a laptop to explore various VPN features.
استخدام “في بي إن” يجعل من الصعب تتبع الهوية الرقمية أو تحديد الموقع الجغرافي للمستخدم (شترستوك)

مجالات الاستخدام

تُستخدم الشبكة الافتراضية الخاصة “في بي إن” على نطاق واسع لعدة أغراض:

  • تأمين الاتصال عند استخدام الشبكات العامة: يلجأ المستخدمون إلى الإنترنت عبر شبكات المقاهي والمطارات وغيرها من البيئات غير المؤمّنة، والتي قد تُعرّض بياناتهم للاعتراض أو الاختراق. وفي هذا السياق، توفّر “في بي إن” قناة اتصال مُشفّرة تحمي البيانات المتبادلة من الوصول غير المصرح به.
  • تعزيز خصوصية المستخدم: تحدّ من تتبع نشاطه على الإنترنت من قِبل بعض الجهات، مثل مواقع الويب وخدمات الإعلانات الرقمية.
  • إخفاء عنوان بروتوكول الإنترنت: (IP) تُخفي “في بي إن” عنوان المستخدم على الشبكة، مما يزيد من صعوبة ربط نشاطه بهويته أو موقعه الجغرافي.
  • الوصول إلى المحتوى المقيّد جغرافيا: تُمكّن المستخدمين من الوصول إلى خدمات البث والمواقع الإلكترونية غير المتاحة في نطاقات جغرافية معينة، وذلك عبر تغيير الموقع الافتراضي للمستخدم.

أما على مستوى المؤسسات، فتكتسب “في بي إن” أهمية خاصة نظرا لطبيعة الاستخدامات التي تتطلب مستويات أعلى من الأمان والتحكم، إذ تعتمد عليها الشركات والمنظمات في مجالات عدة، من أبرزها:

  • حماية البيانات الحساسة: تؤمّن البيانات أثناء انتقالها عبر الشبكات، إلى جانب دعم آليات التحقق من الهوية، مثل كلمات المرور والرموز الأمنية، قبل منح صلاحيات الوصول إلى الموارد الداخلية.
إعلان
  • تأمين الوصول عن بُعد: تتيح الاتصال بالأنظمة والتطبيقات المؤسسية من مواقع مختلفة دون الإخلال بمعايير الأمان، مما يدعم أنماط العمل عن بُعد والعمل الهجين للموظفين، كما تُستخدم في المؤسسات التعليمية لتمكين الطلاب من الوصول إلى الأنظمة والمكتبات الرقمية من خارج الحرم الجامعي.
  • ربط الفروع المتعددة: تُنشئ شبكة موحّدة عبر اتصالات مشفّرة بين مواقع الشركة المختلفة، مما يُسهّل تبادل البيانات ويعزز التعاون بين الفرق دون الحاجة إلى خطوط اتصال مكلفة.
woman hand hold phone with app vpn creation Internet protocols for protection private network over table in cafe
درجة الأمان والخصوصية في “في بي إن” تعتمد بشكل كبير على الجهة المزودة للخدمة (شترستوك)

المشكلات والعيوب

وعلى الرغم من الفوائد التي توفرها الشبكات الافتراضية الخاصة، فإن استخدامها لا يخلو من بعض القيود والتحديات، من أبرزها:

  • عدم توفير حماية كاملة من جميع التهديدات: لا تحمي الشبكات الافتراضية من البرمجيات الخبيثة (Malware) أو الهجمات التي تستهدف الجهاز نفسه، ومن ثم قد يحتاج المستخدم إلى أدوات حماية إضافية مثل برامج مكافحة الفيروسات.
  • الاعتماد على مزود الخدمة: تعتمد درجة الأمان والخصوصية في الـ”في بي إن” بشكل كبير على الجهة المزودة التي توفر هذه الخدمة، وإن لم تكن موثوقة فقد تتعرض بيانات المستخدم للمراقبة أو التسريب.
  • التأثير على سرعة الاتصال: قد يؤدي التشفير وإعادة توجيه البيانات عبر خوادم بعيدة إلى بطء في سرعة الإنترنت أو زيادة زمن الاستجابة.
  • تكلفة الاشتراك: العديد من خدمات الـ”في بي إن” الجيدة تكون مدفوعة وتتطلب اشتراكا دوريا، مما قد يزيد العبء على بعض المستخدمين.
  • قيود التوافق والاستخدام: لا تدعم جميع الأجهزة أو التطبيقات استخدام “في بي إن” بشكل كامل، كما أن بعض المواقع والخدمات قد تحظر الاتصال عبره.
  • حدود إخفاء الهوية: رغم إخفاء عنوان بروتوكول الإنترنت (آي بي) فإن تقنيات تتبع أخرى مثل “بصمة المتصفح” (Browser Fingerprinting) قد تظل قادرة على تحديد المستخدم في بعض الحالات.

هل استخدامها قانوني؟

يختلف الوضع القانوني لاستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة “في بي إن” من دولة إلى أخرى، إذ لا يوجد إطار موحد ينظم استخدامها عالميا.

ففي عدد كبير من الدول، يُعد استخدامها قانونيا، حيث يُستخدم الـ”في بي إن” لتعزيز الخصوصية وتأمين الاتصال بالإنترنت، إلى جانب الوصول إلى محتوى مقيد جغرافيا.

في المقابل، تتبنى دول أخرى سياسات أكثر تقييدا. فالصين مثلا تسمح باستخدامه بشكل محدود وتحت شروط تنظيمية صارمة، تتطلب الاعتماد على خدمات مرخصة ومعتمدة. كما تفرض دول مثل روسيا وتركيا وإيران قيودا على بعض خدمات الـ”في بي إن”، أو تحظر غير الملتزم منها بالضوابط المحلية في إطار سياسات تتعلق بتنظيم المحتوى والرقابة على الإنترنت.

وفي عدد من الدول العربية، مثل مصر والإمارات وسلطنة عمان، لا يُحظر استخدامه بشكل عام، لكنه يخضع لتنظيمات وقيود تتعلق بالاستخدام، خصوصا عند تجاوز الحجب أو الوصول إلى محتوى غير أخلاقي أو مخالف للسياسات المحلية، وقد يترتب على إساءة استخدامه غرامات أو إجراءات قانونية.

ومن الناحية القانونية، لا يعني السماح باستخدام “في بي إن” إباحة جميع استخداماته، إذ يظل توظيفه في أنشطة غير قانونية مثل القرصنة أو انتهاك حقوق الملكية الفكرية مخالفا للقانون في جميع الدول، حتى تلك التي تسمح باستخدامه.

مخاطر “في بي إن”

نظرا لأن الشبكات الخاصة الافتراضية تعمل بعيدا عن أعين الرقابة، فقد تتجاوز استخداماتها الحدود الأخلاقية والآمنة، إذ يمكن من خلالها تجاوز القيود التي تفرضها الحكومات على المواقع الإباحية فيتمكن الأطفال والمراهقون من دخولها دون رقابة.

كما تعد الشبكات الخاصة الافتراضية أداة أمان أساسية عند التعامل مع “الويب المظلم” (Dark Web) الذي يُستخدم عادة لممارسة الأنشطة غير المشروعة، وتتمثل علاقتها به في توفير طبقة حماية إضافية وإخفاء لهوية المستخدم، على الرغم من أن الويب المظلم نفسه يعمل عبر شبكات مشفرة مثل “تور” (Tor).

إعلان

كما يجب الانتباه إلى أن عددا كبيرا من تطبيقات “في بي إن” المجانية تحتوي على برمجيات تجسس أو فيروسات تهدف لسرقة بيانات المستخدمين البنكية أو كلمات مرورهم، وفي حين أن بعض تطبيقات “في بي إن” قد تشفر اتصال المستخدمين لكنها لا تحميهم من مخاطر “التصيد الاحتيالي” (Phishing) أو تتبع “الكوكيز” إذا قاموا بتسجيل الدخول بحساباتهم الشخصية.

ويمكن القول إن مخاطر الـ”في بي إن” المجاني تفوق فوائده غالبا، ويتوجب على الأهل مراقبة استخدامات ابنائهم لها، في حين يُنصح من يبحثون عن خصوصية حقيقية آمنة بالاعتماد على خدمات مدفوعة موثوقة تخضع لتدقيق أمني مستقل.

“في بي إن” الآمن

يمكن التعرف على مدى أمان خدمة “في بي إن” من خلال اعتمادها على تشفير قوي لحماية البيانات، وعدم الاحتفاظ بسجلات لنشاط المستخدم، إضافة إلى وضوح سياسات الخصوصية وموثوقية مزوّد الخدمة.

كما تُعد بعض الميزات التقنية -مثل خاصية “مفتاح الإيقاف”- من المؤشرات التي تعزز مستوى الأمان.

وتقدّم العديد من الشركات العالمية خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة “في بي إن”، والتي تختلف من حيث الأداء والخصائص التقنية. وقد نصح تقرير للجزيرة نت ببعض خدمات “في بي إن” التي تعدّ آمنة، ومن أهمها:

  • نورد في بي إن (NordVPN): توفّر مستوى متقدما من الأمان، مع مجموعة من الميزات التقنية التي تهدف إلى حماية البيانات وتحسين الأداء.
  • سيرف شارك (Surfshark): تتيح استخدام الخدمة على عدد غير محدود من الأجهزة، وتقدّم حزمة متوازنة من حيث التكلفة والميزات.
  • إكسبريس في بي إن (ExpressVPN): تتميز باعتمادها على بروتوكول “لايتواي” (Lightway) الذي يحسّن أداء الهواتف الذكية ويقلّل استهلاك البطارية أثناء الاستخدام المستمر.
  • بروتون في بي إن (Proton VPN): تركّز على حماية الخصوصية، وتتبنّى سياسات واضحة لتجنب تتبع بيانات المستخدمين، مما يجعلها خيارا مناسبا لمن يضعون الخصوصية في مقدمة أولوياتهم، مثل الصحفيين والباحثين والنشطاء

 

المصدر: الجزيرة