تشهد بريطانيا في الآونة الأخيرة جدلا واسعا حول طريقة تعامل حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر مع ملف المظاهرات الشعبية المتضامنة مع فلسطين.
ويتزامن هذا الجدل مع تقارير إعلامية حول اتساع قنوات التواصل بين مؤسسات حكومية بريطانية، وجماعات ضغط ومنظمات ناشطة في ملف العلاقات مع إسرائيل، ما يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول التأثيرات الكامنة وراء دوائر صنع القرار في “10 داونينغ ستريت”.
وفي المقابل، تتصاعد في الأوساط السياسية والحقوقية دعوات معارضة لهذه التوجهات، معتبرة أن أي قيود إضافية على التظاهر قد تمثل مساسا بالحقوق المدنية الأساسية، خصوصا في ظل استمرار مسيرات التضامن مع فلسطين في عدة مدن بريطانية منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة عام 2023.
وقد صرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، اليوم السبت، بأن حكومته تدرس استخدام صلاحيات جديدة قد تصل إلى حظر بعض مسيرات التضامن مع الشعب الفلسطيني، مبررا ذلك بما وصفه بـ”التأثير التراكمي” لهذه الاحتجاجات على الجاليات اليهودية في البلاد.
ورغم تأكيده التمسك بحرية التعبير والاحتجاج السلمي، فإنه شدد على أن بعض الهتافات خلال هذه المسيرات “ممنوعة تماما” وتستوجب الملاحقة القانونية.

انقسام حول المظاهرات
وتأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه مظاهرات التضامن مع فلسطين حدثا شبه أسبوعي في لندن منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط انقسام بين من يعتبرها ممارسة ديمقراطية مشروعة، ومن يراها مصدرا لتصاعد التوترات، و”معاداة السامية”.
بالتوازي مع هذه التطورات، تُظهر معطيات سياسية وإعلامية كثافة في اللقاءات بين مسؤولين حكوميين بريطانيين ومنظمات موالية لإسرائيل، من بينها “المجلس التربوي اليهودي” والشبكة القيادية الأوروبية “إلنت” (ELNET)، وتُعرف هذه الجهات بنشاطها في التأثير على السياسات الأوروبية المتعلقة بإسرائيل، خصوصا في ملفات الأمن والتشريعات المتعلقة بالحركات التضامنية مع فلسطين.
وذكرت صحيفة الغارديان أن وثائق رسمية تم الحصول عليها عبر طلبات حرية المعلومات “فول” (FoI) تكشف عن محاولات من مسؤولين في السفارة الإسرائيلية في لندن للتواصل مع مكتب المدعي العام البريطاني بشأن قضايا تتعلق بمحاكمة متظاهرين مرتبطين بحركة “فلسطين أكشن”، (حركة بريطانية متضامنة مع فلسطين، تعمل على وقف تعاملات بريطانيا مع إسرائيل، وتعارض تجارة الأسلحة الداعمة للعمليات العسكرية الإسرائيلية وتسعى إلى وقفها).
ووفق الوثائق التي نشرتها الصحيفة البريطانية، فقد سعى ممثلو السفارة إلى دفع مكتب الادعاء نحو التدخل في مسارات قانونية مرتبطة باحتجاجات نُفذت داخل الأراضي البريطانية، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود العلاقة بين البعثات الدبلوماسية والسلطات القضائية المستقلة في المملكة المتحدة.
ووفق مراقبين، تبرز هنا مفارقة لافتة، إذ تتحرك الحكومة بسرعة نسبية للاستجابة لمطالب هذه الجماعات، بما في ذلك دعوات لتقييد أو حظر حركات مثل “فلسطين أكشن”، في حين تتباطأ أو تتجاهل مطالب شعبية أوسع نطاقا.
فقد تجاوز عدد الموقعين على عريضة شعبية تطالب بالتحقيق في ما يوصف بـ”النفوذ الإسرائيلي” داخل السياسة البريطانية حاجز 114 ألف مواطن بريطاني، وهو رقم كاف -وفق النظام البرلماني البريطاني- لفرض نقاش رسمي داخل البرلمان، ومع ذلك، لم يُترجم هذا الزخم الشعبي إلى خطوات سياسية ملموسة حتى الآن.
وجاء في العريضة “نشعر بأن الدمار المروع في غزة، والقمع المستمر للفلسطينيين في الضفة الغربية، ورد الفعل السياسي للمملكة المتحدة، يؤكد الحاجة الملحة إلى التدقيق في كيفية تأثير المنظمات والشبكات وجهود الضغط المؤيدة لإسرائيل على قرارات الحكومة وسياسة الحزب والنقاش العام”.
قرارات حكومية مثيرة للجدل
وفي تطور مواز، كشفت تقارير صحفية عن قرار الحكومة إغلاق وحدة متخصصة داخل وزارة الخارجية كانت معنية برصد الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني في غزة ولبنان، ويأتي هذا القرار ضمن تخفيضات للميزانية، لكنه يحمل أبعادا سياسية حساسة.
الوحدة، التي كانت تعتمد على مشروع تديره جهة بحثية متخصصة، وفّرت قاعدة بيانات تضم نحو26 ألف حادثة موثقة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتُعد الكبرى من نوعها في هذا المجال، كما كانت تُستخدم لتقييم مدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي، خصوصا في ما يتعلق بصادرات الأسلحة البريطانية.
ويحذر منتقدون من أن إغلاق هذه الوحدة يحرم صناع القرار من أدوات تحليل حيوية، ويقوض قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات قائمة على الأدلة، في وقت تؤكد فيه لندن رسميا أن احترام القانون الدولي يمثل ركيزة أساسية في سياستها الخارجية.
تعليقا على القرار، قالت مديرة منظمة هيومن رايتس ووتش في المملكة المتحدة ياسمين أحمد إنه “من المخزي أن تختار الحكومة إغلاق الوحدة في وقت لا تزال فيه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وجرائم فظيعة تُرتكب في أنحاء مختلفة من العالم”.
وتزامنا مع هذه الإجراءات، رفعت بريطانيا مستوى التهديد الإرهابي إلى “شديد”، في ظل مخاوف من تصاعد العنف واستهداف مؤسسات وأفراد يهود، وتؤكد السلطات الأمنية أن هناك تهديدات متزايدة، بعضها مرتبط بجهات خارجية.
بيد أن هذا المناخ الأمني يُستخدم أيضا -بحسب منتقدين- لتبرير تشديد القيود على الاحتجاجات، ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول التوازن بين الأمن والحريات المدنية.

حرية التظاهر
من جانبه، انتقد مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي في لندن الدكتور عزام التميمي سياسات حكومة حزب العمال البريطانية بقيادة كير ستارمر، معتبرا في حديثه للجزيرة نت أن انحيازها لصالح إسرائيل وأنصارها في بريطانيا ليس بالأمر المستغرب، إذ يرى أنها مدينة للوبي المؤيد لإسرائيل الذي ساعد ستارمر في الوصول إلى قيادة الحزب بعد الإطاحة بزعيمه السابق جيرمي كوربين المعروف بدعمه للقضية الفلسطينية.
وأشار التميمي إلى أن الحكومة البريطانية لم تدخر جهدا في تنفيذ مطالب هذا اللوبي، ومن ذلك قرار حظر منظمة “فلسطين أكشن”، رغم أن ملفها لا يزال أمام القضاء، حيث برأت المحاكم البريطانية مؤخرا عددا من نشطائها من تهم تتعلق بالإرهاب.
وأوضح أن جهات حكومية وغير حكومية في بريطانيا تبذل حاليا مساعي لفرض قيود على المسيرات والنشاطات المؤيدة لفلسطين، إلا أن هذه المساعي تواجه مقاومة من نشطاء وسياسيين وحقوقيين، وهو ما قد يصعّب تمريرها، بحسب قوله.
وأضاف أن الاعتداءات الأخيرة على يهودييْن في منطقة غولدرز غرين، وما سبقها من هجمات على مرافق يهودية، تُستغل كذريعة للتضييق على المسلمين وعلى أنصار فلسطين.
ونقل التميمي ما نشرته صحيفة الإندبندنت عن مصدر في جهاز المخابرات “إم آي 5″، الذي اعتبر أن “تصاعد الكراهية ضد اليهود ليس معزولا عما جرى في غزة وما يجري اليوم ضد إيران”.
وأكد التميمي أن أنصار فلسطين والمسلمين في بريطانيا يعوّلون على عاملين أساسيين لإفشال هذه المساعي، أولهما التعاطف الشعبي الواسع مع فلسطين وأهل غزة بعد الحرب التي استمرت عامين على القطاع، وثانيهما استقلالية القضاء البريطاني وما يتمتع به من تقاليد راسخة في حماية حقوق الإنسان والحريات المدنية.
وختم بالقول إن أي محاولة حكومية للمضي في إجراءات التقييد ستضعها في مواجهة معركة قضائية طويلة الأمد، وهو ما لا يرغب السياسيون عادة في الوصول إليه.
المصدر: الجزيرة