ماسك يواجه أوبن إيه آي.. محاكمة تحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي

اعتلى إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة “إكس إيه آي” وأحد مؤسسي “أوبن إيه آي” في الأيام الماضية منصة الشهود في محاكمة يمكن وصفها بمحاكمة القرن الأيقونية التي قد تحدد مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي في العالم أجمع.

ويواجه ماسك في هذه المحاكمة شركة “أوبن إيه آي” بأكملها وفي مقدمتها رئيسها التنفيذي وأحد مؤسسيها سام ألتمان، الذي تحول في السنوات الماضية للوجه الإعلامي لتقنيات الذكاء الاصطناعي الأمريكية والشركات العاملة في هذا القطاع.

ولمدة جاوزت 7 ساعات عبر 3 أيام استمرت شهادة ماسك في محكمة كاليفورنيا استمع خلالها قضاة المحكمة لشهادته حول تأسيس إحدى أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، والتي يرى ماسك أنها انحرفت عن النية الرئيسية لتأسيسها، والتي وصفها ماسك مرارا وتكرارا بأنها “خيرية” في المقام الأول، حسب تقرير وكالة “رويترز”.

كما كشف ماسك عبر شهادته عن وقائع وأدلة عديدة تزيح الستار عن خبايا عالم الذكاء الاصطناعي وما يحدث خلف الأبواب المغلقة في إحدى أهم صناعات العصر الحديث وأكثرها أثرا.

وتطرح هذه المحاكمة تساؤلا محوريا حول مستقبل هذه التقنية ومن يملك حق التحكم في عقول الآلات والخوارزميات التي غزت كل بيوت العالم وأثرت في كل صناعاته وأعماله تقريبا.

ماسك ضد أطراف عدة

لم يكتف ماسك بمواجهة ألتمان قضائيا فقط، بل شمل عددا من شركائه في تأسيس “أوبن إيه آي” ومجلس إدارتها الحالي، فضلا عن توجيه الاتهامات إلى شركة “مايكروسوفت” أيضا ومطالبتها بالتعويضات اللازمة، وفق تقرير موقع “ذا فيرج” التقني الأمريكي.

واختلفت الادعاءات التي وجهها ماسك لكل طرف على حدة، وشملت تهما متنوعة مثل انتهاك الأمانة الخيرية وتغيير حالة الشركة من مؤسسة غير ربحية إلى شركة ربحية، فضلا عن الاحتيال والثراء غير المشروع من صفقات الشركة.

ولكن في النهاية، تدور قضية ماسك حول سؤال محوري حول انحراف الشركة عن حالتها غير الربحية والمهمة الرئيسية التي أُسست لها — وهي المهمة التي أسهم ماسك في وضعها في البداية — ومحاولتها تحقيق أرباح على حساب سلامة البشرية، بحسب رأيه.

ماسك يرى أن “أوبن إيه آي” لم تكن لتوجد بدونه (رويترز)

وتكشف شهادة ماسك عن عدة معلومات لم تكن معروفة مسبقا عن “أوبن إيه آي” من بينها وصف الشركة بكونها مؤسسة خيرية في المقام الأول رغم أن هذا الأمر لم يُذكر في أي مستند رسمي حالي أو سابق للشركة.

إعلان

ويضيف ماسك أن “أوبن إيه آي” لم تكن لتوجد بدونه، مشيرا إلى أن الشركة نشأت في عام 2015 استنادا إلى علاقاته وأمواله للوصول إلى العلماء والباحثين اللازمين لتحقيق رؤيتها.

ويتابع قائلا: “ابتكرت الفكرة واخترت الاسم ووظفت الخبراء وعلمتهم كل ما أعرف، كما قدمت التمويل الأولي الذي احتاجوا إليه”، وفق ما جاء في تقرير “رويترز”.

كما يشير ماسك إلى تعيين إيليا سوتسكيفر الذي كان يشغل منصبا بارزا في شركة غوغل آنذاك، مضيفا أنه الذي أقنعه بالانضمام إلى “أوبن إيه آي” الأمر الذي تسبب في تدهور العلاقة بين ماسك ولاري بيغ مؤسس شركة “غوغل”.

وحاول ماسك ترهيب القاضية ولجنة المحكمة بسبب تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وكيف يرى أنها ستؤدي إلى دمار البشرية، لكن القاضية واجهته مشيرة إلى سخرية شهادته لأنه يعمل على تأسيس شركة تعمل في القطاع ذاته.

كذبة التأسيس

ويكشف تقرير “ذا فيرج” عن مجموعة من الأدلة التي ظهرت في المحاكمة، ومن بينها رسائل بريد إلكتروني موجهة من سام ألتمان إلى ماسك في عام 2015، وفيها يقنعه ألتمان بأن هذه المؤسسة ستطور تقنية مفتوحة المصدر تعمل لمنفعة البشرية جمعاء وتعود ملكيتها للمؤسسة غير الربحية.

كما يكشف التقرير عن أن النية الأولى لتأسيس مجلس إدارة “أوبن إيه آي” كانت تضم مجموعة من الأسماء البارزة مثل ماسك نفسه وألتمان وبيل غيتس، وأنه سيكون هناك شخص مسؤول عن الفريق وإدارته دون أن يكون عضوا في مجلس الإدارة الذي يشرف على تصرفاته، وإلى جانب ذلك أن المؤسسة تعتمد على ميثاق شرف يدعو لتنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي ويدعمه ماسك علنا.

علاقة ألتمان (يسار) وإيليا سوتسكيفر (يمين) تدهورت في السنوات الأولى لتأسيس الشركة (رويترز)

ومن الناحية المالية، يطلب ألتمان من ماسك التبرع بمئة مليون دولار كمرحلة أولى لتأسيس معمل الذكاء الاصطناعي الجديد مع احتمالية إلحاق التبرع بـ30 مليون دولار أخرى بعد التأسيس.

وتكشف المحادثات بين الطرفين عن محاولات ماسك جذب استثمارات من عدة شخصيات بارزة مثل بيل غيتس مؤسس ومبتكر شركة “مايكروسوفت” ولكن دون جدوى، فضلا عن سعي ماسك لجلب حاسوب خارق من شركة “إنفيديا” بالتعاون مع رئيسها التنفيذي جينسن هوانغ.

وتظهر المحادثات التي أجراها ماسك مع رئيسة موظفيه فضلا عن منصبها في مجلس إدارة “أوبن إيه آي” آنذاك والتي تحولت لاحقا لتصبح أماً لأربعة من أولاده وهي شيفون زيليس، وتدور هذه المحادثات عن استياء سوتسكيفر وألتمان وغريغ بروكمان من وضع ماسك وتدخله في إدارة الشركة، وهو الأمر الذي جعل ماسك يطلب منهم تأسيس شركة منفصلة لأنه سئم منهم، وفقا للتقارير.

ضرورة البقاء

ويكشف تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عن وجهة نظر ألتمان في التحول إلى شركة ربحية ومحاولة إبرام صفقات الرعاية مع “مايكروسوفت” وغيرها.

ويرى ألتمان أن إدارة نموذج وأداة ذكاء اصطناعي خارقة مثل “شات جي بي تي” يحتاج إلى مئات مليارات الدولارات، وإذا لم تتحول “أوبن إيه آي” لحالة الربحية، فإنها لن تستطيع الاستمرار في مهمتها الكبرى في نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطويره.

ألتمان يرى أن على “أوبن إيه آي” أن تصبح شركة ربحية “وإلا ستموت”  (أسوشيتد برس)

كما يتضمن هذا تحويل نماذج الشركة من الحالة المفتوحة التي يمكن لأي شخص الوصول إليها، إلى حالة مغلقة حصرية لمن يستطيع تحمل قيمة خدمات الشركة.

المستخدم يدفع الفاتورة

وبينما تبدو القضية كصراع بين أثرياء العالم سواء كان ماسك أو ألتمان، إلا أن الحقيقة هي صراع بين تطوير الذكاء الاصطناعي المفتوح وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

إعلان

ورغم أن ماسك نفسه يملك شركة ربحية لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكنه يطالب “أوبن إيه آي” بأن تظل مؤسسة غير ربحية وتترك نماذجها متاحة بشكل مفتوح لكافة المستخدمين، مما يطرح تساؤلا محوريا حول مستقبل تقنيات “أوبن إيه آي” إذا ظلت مؤسسة غير ربحية وتركت تقنياتها مفتوحة للجميع.

ففي تلك الحالة، قد لا تملك الشركة الأموال اللازمة لتطوير النماذج أو تشغيلها والاستفادة منها، وهو ما قد يؤدي في النهاية لاندثار نماذجها وتخلفها عن المنافسة، وقد ينتقل ألتمان وفريقه لتأسيس شركة منفصلة ربحية لا تواجه الصعوبات التي تواجهها “أوبن إيه آي”، وهو أمر ليس صعبا عليه كما ظهر سابقا عندما أزاحه مجلس إدارة الشركة عن منصب المدير التنفيذي.

صراع على مستقبل الذكاء الاصطناعي

تمثل هذه المحاكمة صراعا بين طرفي معادلة وليس بين ماسك وألتمان بشكل شخصي فقط، ففي أحد جوانب المحاكمة يقف ماسك ومن خلفه كل من يرى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون تقنية مفتوحة ويجب أن يعرف المستخدم النهائي ماذا يحدث في بياناته وما هي النماذج التي تدربت عليها وكيف تدربت وكيف تعمل الخوارزميات المسؤولة عنها.

ومن الناحية الأخرى، يقف ألتمان ومعه “مايكروسوفت”، اللذان يرغبان في الحفاظ على سرية كل جوانب العملية، بدءاً من آلية التدريب واستخدام البيانات والخوارزميات التي تقف وراء النماذج الرائدة، وحتى ماهية النماذج التي تنتجها كل شركة ونوعية البيانات التي تستخدم لتدريب هذه النماذج سواء كانت من مستخدمين أو شركات منافسة.

وتثير المحاكمة سؤالا آخر حول استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي وما إن كان سيبقى مشروعا يخدم الصالح العام أم سيصبح منتجا تقنيا تجاريا آخر تستخدمه الشركات لتعزز أرباحها وتحقق المزيد من النجاحات.

Smartphone with Chat LogoGPT is a prototype artificial intelligence chatbot developed in 2022 by OpenAI that specializes in dialogue. United States, California March 22, 2023
مسار المحاكمة قد يغير “أوبن إيه آي” تماما (شترستوك)

ويمكن القول بأن نتيجة المحاكمة قد تسير في أكثر من اتجاه مختلف، فإذا أقرت المحكمة بشرعية مطالب ماسك وأن “أوبن إيه آي” انحرفت فعلا عن مسارها الأصلي، فقد تتوقف عملية طرح أسهم الشركة في البورصة وتحولها إلى شركة ربحية، ثم ستجبر على فتح وإتاحة كافة نماذجها وتقنياتها للمستخدمين، كاشفة بذلك عن الخلطة السرية في سبب نجاح “شات جي بي تي”، كما قد توقع غرامات على “أوبن إيه آي” ومن خلفها “مايكروسوفت”.

ومع الخسائر المالية المستمرة في “أوبن إيه آي” واستهلاكها الموارد بشكل مستمر حتى تتمكن من تشغيل نماذجها، ودون وجود مصدر دخل متمثل في دعم الشركات مثل “مايكروسوفت” أو طرح أسهم الشركة في البورصة، قد نرى انهيار واندثار “أوبن إيه آي” تماما، وربما انتقال ألتمان إلى تأسيس شركة جديدة منافسة.

في المقابل، قد تقرر المحكمة أن “أوبن إيه آي” لم تنحرف عن مسارها الأصلي، وأن التغيرات التي طرأت عليها هي ضرورية للحفاظ على وجودها كشركة واستمرارها في تقديم الأعمال، وفي هذه الحالة، سيصبح كل ما فعلته “أوبن إيه آي” و”مايكروسوفت” مقبولا قانونيا، وإذا حصل هذا قد نرى توحشا أكثر في سياسات تسعير خدمات الذكاء الاصطناعي والاعتماد على اقتصاد “التوكنز”.

والأهم — في الحالة الثانية — أن الشركة ستحافظ على سرية بيانات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، أي أنها لن تكشف عن آليات تطوير الخوارزميات ومعاييرها ولا عن النماذج التي تستخدم بيانات المستخدمين في تدريبها، وبالتالي سندخل عصر الاحتكار الجديد للذكاء الاصطناعي.

 

المصدر: الجزيرة