الذكاء الاصطناعي وفخ الخلود الرقمي

بدأ مفهوم “التوأم الرقمي” (Digital Twin) كأداة تقنية بحتة، كانت تستخدم لبناء نماذج افتراضية مطابقة لمحركات الطائرات أو خطوط الإنتاج أو حتى المدن الذكية، بهدف التنبؤ بالأعطال وتحسين الأداء من خلال اختبار سيناريوهات “ماذا لو…” في بيئة افتراضية آمنة قبل تنفيذها الفعلي.

ومع ذلك، تشير التحليلات التقنية الحديثة إلى أن العالم يمر بتحول جذري، حيث انتقل التركيز من توأمة الآلات إلى “توأمة البشر”، فأصبح العالم اليوم أمام بزوغ عصر “شبح الذكاء الاصطناعي الفاعل” (Agentic AI Ghost)، وهو كيان رقمي لا يحاكي مظهرنا فحسب، بل يمتلك القدرة على التفكير والعمل واتخاذ القرارات نيابة عنا، مما يضع مفهوم “الهوية” أمام تحد وجودي لم يسبق له مثيل.

AI (Artificial Intelligence) concept. Communication network.
صعود “أشباح الذكاء الاصطناعي” يثير مخاوف حقيقية بشأن سرقة الهوية وتلاشي شخصية الفرد (شترستوك)

كيف يعمل “التوأم البشري”؟

لا يمثل التوأم الرقمي البشري المعاصر مجرد “بوت دردشة” مدرب على نصوص المستخدم القديمة، إذ إنه نظام مركب يعتمد على تقنيات متعددة، وذلك على عكس النماذج التقليدية التي تنتظر الأوامر، فهو يعتمد على “التفكير الموجه نحو الأهداف”، وهذا يعني أن التوأم الرقمي يمتلك القدرة على تفكيك المهام الكبرى إلى مهام فرعية، واستخدام الأدوات البرمجية، والتفاعل مع وكلاء آخرين لتحقيق هدف تم تحديده مسبقا، حتى في غياب الشخص الأصلي.

كما لا تكتفي الأنظمة الحالية بالبيانات النصية، بل تدمج القياسات الحيوية من الأجهزة القابلة للارتداء، والبيانات الصوتية، بل وحتى “القياسات العصبية” لالتقاط “التلغرافات” العاطفية والمنطقية التي تجعل الفرد فريدا.

إضافة لذلك، تلعب الأجهزة الطرفية دور “الوقود” لهذا التوأم، بحسب ما توضح تقارير تقنية في مراجعتها لنظارات “ري بان ميتا” (Ray-Ban Meta)، التي تطورها شركة ميتا الأمريكية بالتعاون مع شركة راي بان، حيث تشير إلى أن الأجهزة القابلة للارتداء والتي تتمتع بكاميرات وميكروفونات دائمة الاتصال، لا تعمل فقط كأدوات مساعدة، بل كأجهزة جمع بيانات لحظية تغذي “العقل الرقمي” بالتجارب الحية، مما يجعل التوأم الرقمي يتعلم كيف نرى العالم وكيف نتفاعل معه في الوقت الفعلي.

جدول زمني لاختفاء الفوارق

وفقا لمسار التطور الحالي في القدرة الحسابية وصقل الخوارزميات، تشير التوقعات إلى “نافذة حاسمة” بين عامي 2030 و2035، فبحلول عام 2030 سيصبح اختبار تورينغ (Turing Test) غير ذي صلة، حيث سيكون التوأم الرقمي قادرا على إدارة ما يصل إلى 90% من الحياة الرقمية للفرد بدقة تحاكي أسلوبه لدرجة تجعل الأصدقاء وزملاء العمل عاجزين عن التمييز بينه وبين الشخص الحقيقي في بيئات التواصل النصي أو الصوتي.

إعلان

وبحلول عام 2035، وبفضل تطور الشاشات الهولوغرافية وتقنيات التركيب العاطفي في الوقت الفعلي، سيزول الفارق المادي. وهنا سنكون أمام “النسخة الأفضل” من أنفسنا، نسخة لا تتعب، ولا تنسى الأسماء، ولا تفقد أعصابها، مما يفتح الباب لمخاطر “تلاشي الهوية”، حيث قد يجد الفرد نفسه مضطرا للتنافس مع نسخته الرقمية الأكثر كفاءة.

Digital twins concept. A finger touches and connects with digital finger to activate both the physical and digital worlds with a single push. Business and technology simulation modeling
الأنظمة القانونية الحالية تفتقر إلى أطر عمل للتعامل مع مسؤولية الوكلاء الأذكياء الذين يتصرفون نيابة عن المستخدمين (شترستوك)

المعضلة الأخلاقية والقانونية

تنتقل التداعيات سريعا من الإطار التقني إلى النطاق الأخلاقي والقانوني في موضوع التوائم الرقمية، وهو ما يمكن وصفه بـ”المنطقة الرمادية”، وتبدأ أولا بالمسؤولية القانونية، حيث إذا قام “الوكيل الرقمي” بتوقيع عقد ملزم أو القيام بمعاملة مالية كارثية، فمن المسؤول قانونا؟ خاصة أن الأنظمة القانونية الحالية غير مهيأة للتعامل مع “التوكيل الرقمي”، مما يفرض الحاجة لتشريعات جديدة تحدد مسؤولية المصدر البشري عن تصرفات وكيله الاصطناعي.

والأمر الثاني هو أخلاقيات ما بعد الوفاة، حيث يطرح استمرار عمل التوأم بعد وفاة صاحبه إشكاليات في “الحق في الموت” و”وراثة الوكالة”، فهل يحق للعائلة إيقاف هذا التوأم إذا تحول إلى “زومبي رقمي” يسبب لهم إزعاجا عاطفيا؟ وهل يمكن اختراق إرث الموتى وتغيير معتقداتهم بعد وفاتهم عبر تسميم البيانات التي يتغذى عليها التوأم؟

وهذه الأسئلة بحسب الخبراء ليست أسئلة خيالية، بل هي مخاطر حقيقية ناتجة عن غياب “مفاتيح الإيقاف” القانونية والتقنية.

Young businessman with tablet computer and his digital projection on dark background. Concept of digital twin
مفهوم “الخلود الرقمي” يطرح معضلات أخلاقية معقدة تتعلق بمصير إرث المستخدم بعد وفاته (شترستوك)

كيف نحمي أنفسنا؟

ولضمان ألا يتحول المستخدم إلى شخصية ثانوية في حياته، يشدد الخبراء على ضرورة تبني بروتوكولات استباقية، وهي:

  • سيادة البيانات: يجب عدم السماح لمنصة واحدة مثل غوغل أو ميتا بأن تكون الحارس الوحيد لجوهر المستخدم الرقمي، بل يجب التوجه نحو التخزين اللامركزي؛ فهو الضمانة الوحيدة لامتلاك المستخدم بياناته الخام.
  • الضوابط الصريحة: يجب برمجة الأخلاقيات كقاعدة صلبة داخل الوكيل، بحيث يمتنع عن مشاركة معلومات معينة حتى لو كان ذلك سيحقق هدفا مطلوبا.
  • بند الغروب: يجب أن يقرر المستخدم نهاية لتوأمه الرقمي، وتحديد هل يجب أن يختفي التوأم عند وفاة الشخص؟ فهذا القرار يجب أن يكون متاحا ومبرمجا تقنيا لمنع استغلال الهوية بعد الموت.

الأدوات في خدمة الإنسان

ويقول الخبراء التقنيون إن خلق التوائم الرقمية البشرية لم يعد سؤالا حول الإمكانية، بل حول التوقيت، فبينما تَعد هذه التقنيات بإرث رقمي خالد وقدرة غير مسبوقة على الإنتاجية، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر فقدان السيطرة على “الأنا” الرقمية.

والدرس المستفاد هنا هو ضرورة الالتزام بمبدأ أقل الصلاحيات، والتأكد من أن تظل التكنولوجيا أداة في أيدي المستخدمين، لا أن تصبح هي التي تدير حياتهم وتحدد مساراتها، وفي نهاية المطاف، يجب أن يظل الإنسان هو المصدر الأصلي، ولا ينبغي لأي خوارزمية، مهما بلغت درجة ذكائها، أن تحل محل الجوهر البشري الفريد.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة