هرمز.. ميزان الردع الذي لا تملك طهران ترف خسارته

بدأت طهران في فرض واقع جديد على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، بعدما أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده تعمل حاليا على فرض آلية جديدة في الممر المائي الحيوي، في حين علق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عملية “مشروع الحرية” في المضيق.

وأعلن قاليباف -أمس الثلاثاء- في منشور على منصة إكس أن بلاده تعمل على “ترسيخ معادلة جديدة لمضيق هرمز”، مضيفا: “نعلم أن استمرار الوضع القائم غير محتمل للولايات المتحدة، في حين أننا لم نبدأ بعد”، متهما واشنطن وحلفاءها بـ”تعريض” سلامة النقل البحري للخطر.

ونقلت قناة “برس تي في” (Press TV) الإيرانية عن مصادر أن طهران قامت بإنشاء آلية جديدة لإدارة مرور السفن عبر مضيق هرمز، تتضمن إلزام السفن التجارية بالتنسيق المسبق مع الجيش الإيراني قبل العبور، بما يتماشى مع الخريطة الملاحية الجديدة، ‌‌‌‌التي تشير إلى توسيع منطقة السيطرة الإيرانية داخل المضيق.

وأوضحت القناة أن جميع السفن التي تنوي عبور مضيق هرمز “ستتلقى رسالة بريد إلكتروني تتضمن القواعد واللوائح الخاصة بالعبور”، مؤكدة أن الآلية الإيرانية الجديدة دخلت حيز التنفيذ حاليا في المضيق.

Iranian President Masoud Pezeshkian- - TEHRAN, IRAN - DECEMBER 1: (----EDITORIAL USE ONLY – MANDATORY CREDIT - 'IRANIAN PRESIDENCY / HANDOUT' - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS----) Speaker of the Islamic Consultative Assembly Mohammad Bagher Ghalibaf delivers a speech during a meeting between the Iranian government and the Islamic Consultative Assembly in Tehran, Iran on December 1, 2024.
قاليباف أعلن أن طهران تعمل على ترسيخ معادلة جديدة لمضيق هرمز (الأناضول)

خريطة جديدة

من جهته، نشر الحرس الثوري الإيراني -الاثنين الماضي- خريطة ملاحية جديدة تُظهر توسيع نطاق سيطرته البحرية لتشمل أجزاء طويلة من الساحل الإماراتي. ووفق الخريطة، يمتد الحد الغربي عبر خط يصل بين أقصى الطرف الغربي لجزيرة قشم الإيرانية وإمارة أم القيوين، فيما يرسم الحد الشرقي خطا آخر يربط بين منطقة جبل مبارك في إيران وإمارة الفجيرة.

وتوعد الحرس الثوري باستهداف أي سفينة تخالف مسارات العبور في مضيق هرمز، مشددا على أن أي محاولة للالتفاف على التعليمات ستُقابل بـ”رد حازم”.

إعلان

يأتي ذلك تزامنا مع تحرك برلماني إيراني لمناقشة مشروع قانون من شأنه فرض حظر شامل على أي سفن مرتبطة بإسرائيل، بينما ستواجه السفن المرتبطة بالولايات المتحدة ودول تصنفها إيران “دولا معادية” قيودا صارمة تتضمن فرض رسوم عبور.

إذا، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي بالنسبة لإيران، بل تحوّل إلى أداة ضغط إستراتيجية بيدها، مما يجعل خيار التراجع عن السيطرة عليه أمرا بالغ الصعوبة، رغم تكلفته المرتفعة وتداعياته المحتملة على المنطقة والعالم بأسره.

يتناول التقرير التالي الأهمية الإستراتيجية التي يمثلها مضيق هرمز بالنسبة لإيران، ولماذا تعتبره ورقة ضغط لا يمكن التخلي عنها، والطرق التي تنتهجها لضمان ترسيخ سيطرتها وتعزيز نفوذها في هذا الممر الحيوي.

عامل توازن إستراتيجي

من خلال تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعْبر من خلاله نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة، يرى محللون أن طهران نجحت في فرض كلفة اقتصادية مباشرة وثقيلة ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره. وهذا التأثير يمنح إيران ثقلا تفاوضيا في مواجهة مطالب واشنطن، وخصوصا فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

وقد ظهرت تداعيات السيطرة الإيرانية على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، إذ تراجعت حركة ناقلات النفط من عبور متوسط 129 ناقلة في فبراير/شباط الماضي إلى شبه توقف تام، في مؤشر على حجم الاضطراب الذي أصاب أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

وفي هذا السياق، وصف محمد رضا فارزانيغان، أستاذ اقتصادات الشرق الأوسط في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة ماربورغ، سيطرة إيران على المضيق بأنها “عامل توازن إستراتيجي”، موضحا أنها تتيح لطهران إيصال رسالة مفادها أن أي ضغط عليها لن يكون بلا تكلفة على الآخرين.

وأشار فارزانيغان -في حديثه مع الجزيرة الإنجليزية- إلى أن إيران لا تحتاج إلى مضاهاة التفوق العسكري الأمريكي بشكل مباشر، إذ تمنحها الجغرافيا أفضلية حاسمة. فالمضيق الضيق والمزدحم اقتصاديا يتيح لطهران استخدام أدوات غير تقليدية مثل الألغام البحرية، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة، والتشويش الإلكتروني لجعل العبور محفوفا بالمخاطر، من دون الحاجة إلى مواجهة شاملة.

وبحسب هذا المنطق، يرى فارزانيغان أنه لا يتطلب من إيران أن تلحق أي هزيمة عسكرية لخصومها حتى تقلب موازين القوة، بل يكفيها التأثير في حسابات السوق العالمية. فارتفاع مستوى المخاطر وحده كفيل بدفع شركات التأمين والشحن وتجار الطاقة إلى إعادة تقييم كلفة العمل في المنطقة، مما يؤدي في المقابل إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل، وانتقال تداعيات الأزمة إلى التضخم والأمن الغذائي والأسواق المالية حول العالم.

وتُظهر المعطيات أن طهران تمتلك بالفعل ترسانة متنوعة قادرة على تنفيذ هذا النوع من الضغط، تشمل طائرات مسيّرة هجومية، وصواريخ مضادة للسفن، وقاذفات صاروخية، وحتى أسلحة يمكن إطلاقها بكثافة من مواقع ساحلية محصّنة.

تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز يرفع من أسعار النفط والغاز عالميا ويزيد تكاليف النقل والتأمين (رويترز)

كلفة باهظة

في المقابل، تواجه طهران كلفة باهظة بسبب عملياتها في مضيق هرمز. فقبل إعلان ترمب تعليق الحصار البحري المفروض على المضيق منذ 13 أبريل/نيسان الماضي، قيّد الحصار الأمريكي قدرة إيران على تصدير النفط واستيراد السلع الأساسية والحفاظ على تدفقات العملات الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع الأسعار وفقدان ملايين الإيرانيين وظائفهم.

إعلان

ويرى فارزانيغان أن مضيق هرمز يمثل “ورقة النفوذ الأهم لإيران” في هذه المرحلة، لكنها تظل ورقة محفوفة بالمخاطر، إذ إن قوتها التفاوضية تنبع تحديدا من حقيقة أن استخدامها الكامل لهذه الورقة قد “يلحق الضرر بالجميع”.

وفي هذا الصدد، تتجاوز إستراتيجية إيران حدود المواجهة المباشرة مع واشنطن لتشمل دول الجوار. وقال مهند سلوم، الأستاذ المساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، للجزيرة الإنجليزية إن الهجمات الأخيرة -مثل استهداف مصفاة الفجيرة في الإمارات- تحمل رسائل واضحة لدول مجلس التعاون الخليجي، مفادها أن أي هجوم أمريكي على إيران سيقابله تدمير للبنية التحتية الإقليمية وانهيار اقتصادي شامل لدول المنطقة.

ووفقا لسلوم، هذا التوجه يؤكد أن إيران تستغل الوضع الإقليمي للضغط على الأسواق العالمية عبر استهداف حلفاء واشنطن، مما يجعل من مضيق هرمز ورقة خطيرة في يد طهران، وهو الأمر الذي يشكّل “تهديدا وجوديا” لدول المنطقة.

An Islamic Revolutionary Guard Corps (IRGC) speed boat is sailing along the Persian Gulf during the IRGC marine parade to commemorate Persian Gulf National Day, near the Bushehr nuclear power plant in the seaport city of Bushehr, Bushehr province, in the south of Iran, on April 29, 2024. Persian Gulf National Day, celebrated on the 10th of Ordibehesht in the Iranian calendar, usually falls in late April or early May and marks the expulsion of the Portuguese from the Strait of Hormuz and the Persian Gulf in 1622 by the Safavid forces led by Imam Quli Khan under the command of Shah Abbas I. (Photo by Morteza Nikoubazl/NurPhoto via Getty Images)
الحرس الثوري حذر السفن من أن مخالفة تعليمات عبور مضيق هرمز ستُقابل بـ”رد حازم” (غيتي)

تكتيكات إيران لإحكام سيطرتها على هرمز

في ثمانينيات القرن الماضي، شهد مضيق هرمز ما يُعرف بـ”حرب الناقلات” بين إيران والولايات المتحدة حول شحنات النفط العالمية، في تشابه مقارب لما يحدث حاليا في الممر المائي.

حينها، لجأت إيران إلى فرض نفوذها في مضيق هرمز عبر استهداف ناقلات النفط العالمية، في محاولة منها آنذاك لرفع كلفة الحرب على خصومها دون الخوض في مواجهة عسكرية مباشرة، حيث استخدمت الصواريخ والألغام البحرية والقوارب السريعة لفرض سيطرة غير مباشرة على المضيق.

وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، دفع التكتيك الإيراني الولايات المتحدة وقتها إلى تنفيذ عمليات بحرية واسعة لتأمين مرور ناقلات النفط، بما في ذلك مرافقة السفن وحماية خطوط الإمداد العالمية.

وعند مقارنة تكتيك طهران خلال “حرب الناقلات” قبل 4 عقود بطبيعة الصراع الحالي في مضيق هرمز، يتضح أنها لم تعد تعتمد فقط على التكتيكات التقليدية وحدها، بل طورت ترسانتها العسكرية لتشمل وسائل أكثر تعقيدا، من بينها الطائرات المسيّرة الهجومية والصواريخ الدقيقة وقدرات التشويش الإلكتروني، وهو ما يعقد حسابات الردع لدى خصومها.

وبحسب ما نقلته وول ستريت جورنال عن خبراء، يعكس هذا التحول في أسلوب المواجهة اختلاف طبيعة المواجهة بين الطرفين. فبينما كانت المواجهة في الثمانينيات محدودة نسبيا ضمن إطار “حرب الناقلات”، فإن الصراع الحالي بات أكثر تشابكا وتعقيدا، إذ تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع أسواق الطاقة العالمية وقطاع التأمين وسلاسل الإمداد العالمية.

ويرى محللون أن إيران لا تزال تعتمد على ما يُعرف بإستراتيجية “فرض الكلفة”، أي إجبار الخصوم على تحمل خسائر اقتصادية عبر خلق حالة دائمة من عدم اليقين في الممرات البحرية. فبمجرد ارتفاع المخاطر في مضيق هرمز، ينعكس ذلك فورا على أسعار النفط والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية، دون الحاجة إلى إغلاق فعلي للمضيق.

جوهر الإستراتيجية الإيرانية

ووفقا لما نقلته وول ستريت جورنال عن توم دافي، وهو دبلوماسي أمريكي متقاعد وضابط بحري، فإن المواجهة تدور اليوم بين الأطراف ذاتها وفي المنطقة المائية نفسها، غير أن السياق السياسي وبيئة التهديدات باتا مختلفين جذريا مقارنة بالماضي، مضيفا أن جوهر الإستراتيجية الإيرانية القائم على “فرض الكلفة” على خصومها لإعادة حساباتهم لا يزال “ثابتا”.

من جهته، قال كينيث بولاك، نائب رئيس شؤون السياسات في معهد الشرق الأوسط، لوول ستريت جورنال إنه “كما فعلت في حرب الناقلات، تستغل إيران مزاياها الجغرافية لتهديد الملاحة البحرية”، مضيفا أن “هدفها آنذاك كان رفع أسعار النفط دون جر الولايات المتحدة إلى الصراع”. أما في المواجهة الحالية، فتقول وول ستريت جورنال إن قادة إيران يحاولون “خنق” صادرات النفط الإقليمية بهدف إلحاق ضرر مباشر بالاقتصاد العالمي، في خضم صراع “وجودي” بالنسبة لطهران.

إعلان

وخلال “حرب الناقلات”، اضطرت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان إلى نشر نحو 30 سفينة حربية لتأمين الممرات البحرية، بل تحويل ناقلات نفط كويتية إلى سفن تحمل العلم الأمريكي لتوفير حماية مباشرة لها. ومع ذلك، لم تكن تلك الإجراءات كافية لتجنب خسائر كبيرة، أبرزها إصابة المدمرة الأمريكية “ستارك” بصاروخين من طراز “إكزوسيت” عن طريق الخطأ، مما أدى إلى مقتل 37 بحارا.

لكن اليوم، تختلف المعادلة من حيث الحجم والقدرات، إذ تعتمد الولايات المتحدة على عدد أقل من السفن مع قوة جوية وتقنية أكبر، بينما توسعت قدرات إيران لتشمل أسلحة غير تقليدية لفرض قيود على حركة الملاحة العالمية في مضيق هرمز، مما يجعل المواجهة أكثر اتساعا وتعقيدا.

 

المصدر: الجزيرة