حقق باحثون في كلية الطب “وايل كورنيل” اكتشافا غير متوقع قد يغير المفاهيم الراسخة حول كيفية تنظيم الجهاز المناعي للتحمل في الأمعاء.
ويفتح هذا الاكتشاف الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة لأمراض مثل مرض الأمعاء الالتهابي (IBD)، وحساسيات الطعام، واضطرابات المناعة الذاتية الأخرى.
وكان العلماء يعتقدون أن إشارة مناعية معينة (تعرف بالإشارة الثانية) ضرورية لتكاثر الخلايا المناعية التي تفرض التحمل في الأمعاء. لكن الدراسة الجديدة، المنشورة في 24 أبريل بمجلة Journal of Experimental Medicine، كشفت العكس تماما.
ووجد فريق البحث بقيادة الدكتور غريغوري سونينبرغ والدكتورة مينغزي ليو أن منع هذه الإشارة المناعية، بدلا من تنشيطها، هو ما يعزز التحمل في الأمعاء ويقلل الالتهاب بشكل كبير. وهذا عكس ما يحدث خارج الأمعاء، حيث تحتاج الخلايا المناعية إلى هذه الإشارة لتعمل.
كيف يعمل الجهاز المناعي في الأمعاء عادة؟
يعتمد الجهاز المناعي داخل الأمعاء على خلايا محلية متخصصة تجعله أكثر تعقيدا من بقية أجهزة المناعة في الجسم. ويقوم بدور رئيسي في الحفاظ على التوازن والتحمل المناعي مجموعة معينة من الخلايا تسمى “الخلايا التائية التنظيمية”، والتي تعرف باحتوائها على علامة جزيئية تدعى RORγt. وهذه الخلايا التائية لا تعمل بمفردها، بل تعتمد على إشارات مباشرة تتلقاها من نوع آخر من الخلايا يسمى “الخلايا العارضة للمستضد”، والتي تحمل العلامة نفسها (RORγt).
وعادة، يتم تنشيط أي خلية تائية في الجسم عبر خطوتين متتاليتين، تشبه آلية “التحقق بعاملين” لأمان الحسابات. الخطوة الأولى هي أن تقوم الخلية العارضة للمستضد بتقديم جزء صغير من مادة غريبة (تسمى المستضد) إلى الخلية التائية. أما الخطوة الثانية، فتشمل تفاعلا مباشرا بين المستقبلات على سطح كل من الخليتين، وهي ضرورية لإتمام عملية التنشيط خارج منطقة الأمعاء.
لكن المفاجأة التي كشفت عنها الدراسة هي أن الأمور تسير بشكل معكوس تماما داخل الأمعاء. فبالنسبة للخلايا التائية التنظيمية المعوية، تبين أن الإشارة الثانية ليست مفيدة كما كان يعتقد، بل على العكس، فإن منع هذه الإشارة الثانية، مع الاستمرار في إعطاء الإشارة الأولى فقط، هو ما يؤدي إلى زيادة أعداد الخلايا التائية التنظيمية الواقية، ويعزز قدرتها على حماية الأمعاء من الالتهابات المزمنة.
ويوجد عقار اسمه CTLA4-Ig (أباتاسيبت) يعمل على منع هذه الإشارة الثانية. وقد استخدم هذا العقار سابقا لمرضى الأمعاء الالتهابي عام 2012 لكنه لم يحسن النتائج، وذلك بحسب الدراسة الجديدة لأن مرضى الأمعاء الالتهابي يكون لديهم نقص في الخلايا العارضة للمستضد (RORγt+ APCs)، ومن دون هذه الخلايا، لا يستطيع الجهاز المناعي توصيل الإشارة الأولى اللازمة لدعم الخلايا التائية التنظيمية عند منع الإشارة الثانية.
وتقترح الدكتورة ليو أن العقار يمكن أن يصبح فعالا إذا تم إعطاؤه للمرضى الذين ما يزال لديهم هذه الخلايا موجودة وفعالة (مثل المرضى في مرحلة الهدأة)، أو إذا تم استعادة هذه الخلايا المفقودة أولا.
وقال الدكتور سونينبرغ: “نعتقد أن هذا اكتشاف يغير المفاهيم الراسخة، وسيؤدي إلى طرق علاج جديدة للاضطرابات الالتهابية المزمنة في الأمعاء”.
ويؤكد الفريق أن هذه الخلايا التنظيمية تحمي أيضا من حساسيات الطعام والآثار الجانبية للعلاج المناعي للسرطان، ما يجعل لهذا النهج تطبيقات أوسع لتحسين صحة الأمعاء بشكل عام.
المصدر: sciencedaily