إبستين 2026.. الجثة التي لا تزال تتحدث

“الوقت المناسب للوداع” هذه كلمات خطها جيفري إبستين في زنزانته بمؤسسة مانهاتن الإصلاحية، ظن البعض أنها ستكون الكلمة الأخيرة في ما قد يكون الفصل الأكثر غموضا في تاريخ القضاء الأمريكي الحديث.

لكن المفارقة كانت في مفعولها، فبدلا من أن يضع الإفراج القضائي عن هذه الرسالة حدا للتكهنات، تحولت الورقة إلى “دليل إدانة” جديد في نظر المشككين، الذين يرون في توقيتها ومحتواها محاولة أخيرة لإحكام غطاء الصمت على صندوق أسرار النخبة العالمية.

بين رواية رسمية تصر على “الانتحار نتيجة إهمال إداري”، وجسد يحمل كسورا تقول غير ذلك، تبرز التساؤلات المشروعة: لماذا بقيت هذه الرسالة حبيسة الأدراج كل هذا الوقت؟ وهل يمكن لرسالة وداع -مهما بلغت صراحتها- أن تصمد أمام سلسلة من “المصادفات” التقنية والأمنية التي حدثت في تلك الليلة؟

في هذا التقرير، نعيد قراءة المشهد من زاوية الجمهور والصحافة التي لم تقنعها “سردية الانتحار”، ونبحث في الثغرات التي جعلت من “رسالة الوداع” مجرد حبر إضافي على ملف لا يزال ينزف بالأسئلة في ظل تعدد الروايات من وفاته.

This handout image shows an undated and unverified note, purportedly a suicide note left by late convicted sex offender Jeffrey Epstein, which was ordered unsealed on May 6, 2026 by District Judge Kenneth Karas of the Southern District of New York after a request by The New York Times.
مذكرة غير مؤرخة وغير موثقة، يُزعم أنها رسالة انتحار تركها المدان الراحل بجرائم جنسية جيفري إبستين (الفرنسية)

اعترافات رسمية بتهيئة ظروف الوفاة

وعلى الرغم من أن ظهور “رسالة الوداع” كان من المفترض أن يغلق القوس، إلا أن تقرير المفتش العام الصادر في عام 2023 جعل المهمة شبه مستحيلة؛ فالتقرير الذي أدان “إعدادات الكاميرات المعيبة”، رسم صورة لسجن فاقد للسيطرة الإدارية.

وفقا لتقرير المفتش العام لوزارة العدل المكون من 114 صفحة، فإن وفاة جيفري إبستين لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل نتيجة لـ”إخفاقات وإهمال جسيم” و”سوء سلوك” من جانب موظفي سجن مانهاتن.

وخلص التقرير بوضوح إلى أن هذه الأخطاء الفادحة هي التي خلقت الموقف الذي “أتاح لإبستين الفرصة لإنهاء حياته”.

إعلان

ولا يمكن إغفال مشاكل هيكلية تكررت في مرافق سجون فدرالية أخرى، من بينها “إعدادات كاميرات المراقبة المعيبة”، ونقص التوظيف، وسوء الإدارة، والتعامل غير اللائق مع السجناء المعرضين لخطر الانتحار.

أقر المفتش العام مايكل هورويتز بأن إخفاقات مكتب السجون لم تكن تقصيرا في الحماية فحسب، بل إنها “أدت إلى تساؤلات حول الظروف المحيطة بوفاة إبستين” وحرمت ضحاياه من العدالة الجنائية.

وقارن التقرير بين حالة إبستين وحالة زعيم عصابة بوسطن “وايتي بولجر” الذي قُتل في عهدة فدرالية نتيجة “إخفاقات خطيرة في الإدارة”، مؤكدا أن تكرار هذه الحوادث لا يعفي السلطات من المسؤولية.

WASHINGTON, DC - MAY 06: Committee Chairman Rep. James Comer (R-KY) arrives for a House Oversight Committee closed transcribed interview with U.S. Commerce Secretary Howard Lutnick in the Rayburn House Office Building on May 06, 2026 in Washington, DC. The House Oversight Committee is conducting closed-door transcribed interviews with Lutnick and others as it investigates convicted sex offender Jeffrey Epstein. Chip Somodevilla/Getty Images/AFP (Photo by CHIP SOMODEVILLA / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP)
تجري لجنة الرقابة بمجلس النواب مقابلات مغلقة ومسجلة مع عدد من الشخصيات بقضية إبستين (الفرنسية)

كاميرات معطلة وتزوير على بُعد 15 قدما

لا يمكن قراءة الوثائق الجديدة المسربة في 2026 دون العودة إلى “خطيئة التأسيس” التي وثقتها سجلات عام 2019ـ  فحينها، لم تكن شكوك الجمهور مجرد “نظرية مؤامرة”، بل كانت مستندة إلى سلسلة من “الأخطاء” التقنية والإدارية التي ربما تتجاوز منطق الإهمال لتصل إلى حد التزوير المتعمد.

كشف المدعي الفدرالي جيفري بيرمان أن 5 ساعات من لقطات الكاميرا الموجودة خارج زنزانة إبستين ليلة محاولة انتحاره الأولى (22-23 يوليو/تموز 2019) قد فُقدت تماما.

وبررت الحكومة ذلك بأن إدارة السجن احتفظت “عن طريق الخطأ” بفيديو من طابق (جناح) خاطئ، تزامنا مع فشل نظام النسخ الاحتياطي في وحدة الإسكان الخاصة نتيجة “أخطاء تقنية”.

وُجهت تهم فدرالية للضابطين المسؤولين عن مراقبة إبستين (توفا نويل ومايكل توماس) بتهمة التآمر وصنع سجلات مزورة للإيهام بالقيام بواجباتهما الرقابية.

وقد اعترف الحارسان رسميا بأنهما “زورا سجلات المراقبة عمدا وعن علم”، حيث قاما بملء استمارات توحي بإجراء جولات تفقدية دورية، بينما كشفت التحقيقات أنهما كانا يجلسان على مكتب لا يبعد سوى 15 قدما (أقل من 5 أمتار) عن زنزانة إبستين.

بدلا من المراقبة، قضى الحارسان وقتهما في التسوق عبر الإنترنت لشراء الأثاث والدراجات النارية، بل وغرقا في النوم لمدة ساعتين متواصلتين في تلك الليلة المفصلية، وهو ما اعتبره الادعاء العام “إضعافا للوظائف القانونية للسجن”.

رغم جسامة الاتهامات وتزوير السجلات في قضية هزت الرأي العام العالمي، نجح الحارسان في إبرام صفقة مع وزارة العدل تجنبا بموجبها دخول السجن تماما مقابل الخدمة المجتمعية والتعاون، وهي الصفقة التي طرحت تساؤلات حول طبيعة “التعاون” الذي قُدم مقابل حريتهما.

وصف جو روخاس، المسؤول في نقابة ضباط السجون، هذه الإخفاقات بأنها نتيجة “المحسوبية” وعدم الكفاءة التي تتطلب استئصالا جذريا، فيما أشار تقرير الكونغرس إلى أن “السلوك السيئ يتم تجاهله أو التستر عليه بشكل منتظم” داخل السجون الفدرالية، مما يجعل من تزوير السجلات ليلة وفاة إبستين جزءا من نمط أوسع، وليس مجرد حادثة معزولة.

FILE - This March 28, 2017, photo provided by the New York State Sex Offender Registry shows Jeffrey Epstein. (New York State Sex Offender Registry via AP, File)
جيفري إبستين، في صورة ضمن سجل مرتكبي الجرائم الجنسية في ولاية نيويورك (أسوشيتد برس)

لغز الرسالة المخبأة

كشفت الوثائق القضائية المفرج عنها بقرار من القاضي كينيث كاراس في عام 2026، بعد سنوات من حفظها في “خزنة المحكمة”، عن تفاصيل جديدة، لكنها لم تفلح على ما يبدو في إسكات المشككين.

إعلان

فقد كُشف النقاب عن رسالة زعم زميل إبستين السابق (القاتل المدان نيكولاس تارتاغليوني) أنه وجدها داخل “كتاب” بعد محاولة الانتحار في يوليو/تموز 2019. الرسالة التي ورد فيها: “لقد حققوا معي لمدة شهر..  لم يجدوا شيئا” و”إنه لمن الممتع اختيار الوقت المناسب للوداع”، ظلت مخفية ولم تُذكر أبدا في التقارير الحكومية المطولة حول وفاة إبستين.

لكن هذه الرسالة بما تحمله من عبارات قرئت باعتبارها إيذانا بالانتحار تتعارض مع فحوى مذكرة في ملفات وزارة العدل تظهر أن إبستين أبلغ ضابطا في السجن رسميا بأنه يعتقد أن زميله تارتاغليوني “حاول قتله” خلال حادثة يوليو/تموز، وهو ما يفسر علامات الاحتكاك والتهيج التي ظهرت على رقبته حينها.

وفقا لسجلات السجن، نفى إبستين صراحة محاولته إيذاء نفسه، مؤكدا لطبيب نفسي أن الانتحار يتعارض مع دينه اليهودي، ووصف نفسه بأنه “جبان” لا يحب الألم، مما يضع علامات استفهام حول دوافعه للانتحار لاحقا.

يؤكد المسؤولون أنهم عثروا عند وفاة إبستين في أغسطس/آب 2019 على ملاحظة مكتوبة بخط يده، لكنها لم تكن رسالة انتحار، بل كانت “قائمة تظلمات” تشكو من ظروف السجن، بما في ذلك نوعية الطعام، ومشاكل الاستحمام، وانتشار “الحشرات” (البق) في زنزانته، مما يعكس انشغالا كاملا بتفاصيل الحياة اليومية حتى لحظاته الأخيرة.

جهود قانونية أم محاولات تستر؟

وسط هذا الغموض، تبرز تساؤلات حول دور وزارة العدل التي أكدت أنها لم تطلع على الرسالة المسربة إلا مؤخرا، رغم إجرائها مراجعة شاملة شملت 3 ملايين صفحة من الوثائق؛ وهو ما يطرح علامة استفهام: كيف لرسالة بهذا الثقل أن تضيع بين ملايين الأوراق؟

تقدم المدعون الفدراليون بطلب رسمي للقاضي كينيث كاراس لرفع السرية عن الوثيقة، معتبرين أنه لم يعد هناك مبرر لحجبها بعد تداول تفاصيلها إعلاميا، وهو القرار الذي قد يفتح فصلا جديدا في ملف لا يزال يثير جدلا واسعا.

يتزامن هذا الحراك القانوني مع تصاعد الغضب الشعبي ضد ما يوصف بـ”محاولات التستر”، حيث لم تعتقل السلطات أيا من المسؤولين والشخصيات النافذة المذكورة أسماؤهم في ملفات إبستين، رغم الكشف مؤخرا عن موجة جديدة من الانتهاكات الجنسية التي تعرض لها رجال ونساء في مزرعة الملياردير الراحل.

وفي نهاية المطاف، تظل كلمات الوداع حبرا على ورق في ملف تملؤه الثقوب، كما أن الصفقات القضائية التي منحت الحراس حريتهم، والكاميرات التي “أخطأت” الطابق، والرسائل التي ظهرت بعد سنوات من الصمت، كلها تشير إلى حقيقة واحدة: أن صندوق أسرار إبستين قد دُفن معه، وأن الرواية الرسمية لا تزال تعجز عن تفسير كيف يمكن لـ”سلسلة من المصادفات” أن تجتمع كلها في ليلة واحدة، لتنهي حياة الرجل الذي كان يملك مفاتيح أسرار الكبار، تاركا أسئلة كبرى بلا إجابات.

 

المصدر: الجزيرة