“برود دبلوماسي” مقابل المهل الأمريكية.. لماذا تؤخر إيران ردها على مقترحات واشنطن؟

“نحن نقوم بعملنا دون الاكتراث إلى هذه الآجال”.. بهذه الكلمات، علّق المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على الأنباء التي تتحدث عن تحديد واشنطن لمهلة زمنية لتسليم الرد الإيراني، متجاوزا بذلك السقف الزمني الذي رسمه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين توقع أن تسلم طهران ردها على مقترح إنهاء الحرب بحلول يوم الجمعة.

انقضى الجمعة، ومضى السبت، قبل أن تقطع وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) الترقب وتعلن اليوم الأحد أن طهران أرسلت ردها أخيرا إلى الوسيط الباكستاني. وبذلك، تكون طهران قد نجحت خلال الأيام الماضية في نقل المنطقة فعليا من “دبلوماسية المهل والعد التنازلي” الأمريكية، إلى “دبلوماسية الانتظار والترقب” الإيرانية.

وتختلف التفسيرات حول هذا التأخير الإيراني في الرد على المقترحات الأمريكية، فبينما يراه مراقبون تكتيكا مدروسا يحمل رسائل سياسية وميدانية واقتصادية، بهدف استنزاف الإدارة الأمريكية، يراه آخرون دليلا على الانقسامات الداخلية في دوائر صنع القرار الإيراني.

فما الدوافع الحقيقية وراء هذا التأخير؟

1. رفض التفاوض “تحت النيران”

تتفق تصريحات رسمية مع قراءات لعدد من المحللين على أن التصعيد العسكري الأمريكي الأخير هو المسبب المباشر لتأخير الرد.

فقد كانت دراسة الورقة في مجلس الأمن القومي الإيراني قد “وصلت إلى نهايتها”، بحسب مراسل الجزيرة عامر لافي، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن “مشروع الحرية”، وتستهدف القيادة المركزية الأمريكية ناقلتي نفط إيرانيتين في خليج عُمان.

أثار هذا التزامن حفيظة طهران، إذ شكك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جدية واشنطن، قائلا: “في كل مرة يُطرح فيها حل دبلوماسي على الطاولة، تختار الولايات المتحدة تنفيذ مغامرة عسكرية متهورة”.

وهو ما يتوافق أيضا مع قراءة أستاذ دراسات الشرق الأوسط حسن أحمديان، الذي يؤكد للجزيرة أن إيران “لا تفاوض تحت الضرب”، وتلجأ للميدان فورا عندما تشعر بمحاولة لفرض الشروط عليها بالقوة.

إعلان

وتتعزز هذه القراءة ميدانيا مع البيان التحذيري الذي أصدرته بحرية الحرس الثوري الإيراني السبت، متوعدة بشن “هجوم عنيف على أحد المراكز الأمريكية في المنطقة” إذا استمر استهداف ناقلات النفط الإيرانية، مما يؤكد تبني طهران لإستراتيجية الردع العسكري قبل أي تقدم دبلوماسي.

عمليات مراقبة فوق مضيق هرمز ضمن الحصار البحري (سينتكوم)
عمليات مراقبة فوق مضيق هرمز ضمن الحصار البحري (سينتكوم)

2. حرب نفسية وكسر لهيبة “المهل”

تدرك طهران أن واشنطن في عجلة من أمرها لإنهاء أزمة تعصف بالاقتصاد العالمي، وتزيد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية وسط تذمر شعبي من ارتفاع أسعار الوقود.

ويشير عامر لافي إلى أن إيران تهدف من التأخير عادة إلى إثبات استقلاليتها وعدم إظهار نفسها وكأنها “تطيع” الإملاءات والمهل الزمنية الأمريكية.

ويذهب محللون إلى اعتبار التأخير مقصودا نفسيا ويستهدف الرئيس الأمريكي شخصيا، لإظهار أن إيران تمتلك اليد العليا في التفاوض، خاصة بعد التراجع الأمريكي السريع عن تنفيذ “مشروع الحرية”.

وتكتسب هذه الحرب النفسية الإيرانية زخما إضافيا بالنظر إلى التهديدات المضادة التي أطلقها ترمب، إذ نقلت وكالة بلومبيرغ تحذيره الصريح بضرب الإيرانيين “بشكل أقوى وأكثر عنفا” إذا لم يوقعوا على الاتفاق بسرعة، وهو ما يقابله الإيرانيون ببرود دبلوماسي متعمد.

Gasoline prices are seen at an Exxon gas station in Houston, Texas, on April 29, 2026.
أسعار المحروقات ارتفعت بشكل كبير في الولايات المتحدة (الفرنسية)

3. “ورقة هرمز” وسوق الطاقة

تعتمد طهران في إطالة أمد الانتظار على تقييم لقدرتها على الصمود مقابل هشاشة الموقف الأمريكي المتعلق بأسواق الطاقة.

وبحسب شبكة سي إن إن، تعكس المماطلة الإيرانية ثقة طهران بقدرتها على تحمل الضغوط لمدة 4 أشهر إضافية، وهي تقديرات تتقاطع مع ما أوردته وكالة رويترز عن تقييم منسوب لوكالة المخابرات المركزية، رغم أن مسؤولا استخباراتيا أمريكيا كبيرا سارع إلى وصف تلك التسريبات بأنها “خاطئة”.

في المقابل، يدرك الإيرانيون أن أسعار الوقود تشكل ضغطا متزايدا على ترمب، ولذلك، تحتفظ طهران بمضيق هرمز كـ”سلاح ردع عالمي” يمس التجارة الدولية، في حين يدرس البرلمان الإيراني حاليا مشروع قانون لإضفاء الطابع الرسمي على إدارة إيران للمضيق ومنع عبور سفن “الدول المعادية”.

ويستند هذا التلويح الإيراني إلى وقائع تؤكدها بيانات الشحن التي نقلتها وكالة رويترز، والتي أوضحت أن طهران منعت تقريبا عبور كل السفن غير الإيرانية للمضيق الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب.

FILE PHOTO: Cargo ships in the Gulf, near the Strait of Hormuz, as seen from northern Ras al-Khaimah, near the border with Oman’s Musandam governance, amid the U.S.-Israeli conflict with Iran, in United Arab Emirates, March 11, 2026./File Photo
سفن شحن في الخليج قرب مضيق هرمز كما ترى من شمال رأس الخيمة قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية (رويترز)

4. انقسامات داخلية أم إدارة دقيقة للتصعيد؟

بعيدا عن الرسائل الخارجية، يطرح الكاتب في مجلة نيوزويك بيتر رووف قراءة مختلفة تُرجِع التأخير إلى “انقسامات داخل النظام الإيراني”، معتبرا أن استهداف السفن محاولة من تيار متشدد لتقويض فرص التسوية.

ويرفض الأكاديمي أحمديان طرح رووف، مؤكدا أن إيران لم تبدأ التصعيد بل تعرضت له، وأن ردودها الميدانية جاءت في سياق مواجهة الحصار الأمريكي ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، لا في سياق صراع داخلي على القرار.

ورغم هذا التباين في القراءات، يتفق الباحث السياسي سليم زخور على أن ما يجري هو “إدارة تصعيد” و”لعبة عض أصابع”، فجميع الأطراف تمارس ضغوطا محسوبة.

إعلان

وتنعكس إدارة التصعيد هذه على تحركات القوى الغربية أيضا التي بدأت تتحضر لاحتمالات انهيار الهدنة، ففي الوقت الذي تتريث فيه طهران، أعلنت بريطانيا -وفقا لرويترز- إرسال مدمرة حربية إلى الشرق الأوسط استعدادا للانضمام إلى مهمة محتملة مشتركة مع فرنسا لتأمين المضيق إذا سمحت الظروف.

وقال زخور إن إيران تراجعت في أكثر من محطة تفاوضية، لكنه شدد على أن التراجع لا يعني دائما الضعف، بل قد يكون جزءا من محاولة الوصول إلى تسوية سلمية، مضيفا أن القنوات التفاوضية لم تنقطع فعليا منذ بداية الحرب.

خلاصة المشهد

رغم التوترات الميدانية المتصاعدة في مياه الخليج واتساع رقعة الحوادث البحرية إقليميا، لا يزال وقف إطلاق النار صامدا ولم ينزلق لحرب شاملة.

وبينما تكثف واشنطن اتصالاتها الدبلوماسية، والتي كان أحدثها اجتماع وزير الخارجية الأمريكي مع رئيس الوزراء القطري في الولايات المتحدة، تمرر طهران رسائل بناء ثقة عبر السماح لناقلة غاز قطرية بعبور المضيق في طريقها إلى باكستان.

وتكتسب هذه الخطوة وزنا دلاليا ثقيلا كونها أول عبور لسفينة غاز طبيعي مسال قطرية منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط.

أمام هذه المعطيات، ومع إعلان طهران رسميا تسليم الرد للوسيط الباكستاني، مشددة على أن المفاوضات في هذه المرحلة “ستركز على مسألة إنهاء الحرب في المنطقة”، يبرز السؤال الأهم: هل تنجح طهران عبر هذه الورقة التي ألقتها في اللحظة الأخيرة قبل زيارة ترمب المرتقبة للصين هذا الأسبوع في خلط الأوراق السياسية وفرض شروطها، أم أن “لعبة عض الأصابع” ستنتقل فقط إلى جولة جديدة على طاولة المفاوضات؟

 

المصدر: الجزيرة