هل يزيد الحمل بعد سن 35 من خطر متلازمة داون والتشوهات الخلقية؟

لم يكن من السهل على الأم تقبّل الخبر حين وُلد طفلها الثالث مصابًا بمتلازمة داون، بينما كان طفلاها الأولان قد وُلدا دون أي مشكلات صحية. السؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذه الحالات لا يكون عاطفيًا فقط، بل طبيًا أيضًا: لماذا يحدث هذا الاختلاف بين حمل وآخر عند الأم نفسها؟

الإجابة التي قدمها الأطباء لم تكن مرتبطة بصدفة أو خطأ غير متوقع، بل بعامل معروف في الطب الإنجابي، وهو عمر الأم عند حدوث الحمل.

ففي هذه الحالة كانت الأم قد تجاوزت سن 37 عامًا، وهو عمر يُصنّف ضمن الفئة التي ترتفع فيها احتمالات إنجاب أطفال يعانون من اضطرابات كروموسومية، وعلى رأسها متلازمة داون، خاصة عندما يتجاوز عمر الأم 35 عامًا.

هذا الربط بين العمر وصحة الجنين لا يُعد مجرد ملاحظة إكلينيكية، بل يستند إلى تراكم كبير من الأبحاث العلمية التي درست تأثير التقدم في العمر على جودة البويضات، وعلى طبيعة الانقسامات الخلوية التي تحدث أثناء تكوين الجنين.

Pregnant woman talking a break while working in Roastery
تأخر سن الحمل يؤثر على صحة البويضة والأجنة وبالتالي هناك تأثير على صحة الأطفال (غيتي)

ماذا يحدث للبويضات مع التقدم في العمر؟

تشير مراجعة علمية نُشرت في يونيو/حزيران 2024 ضمن أبحاث الشيخوخة في مجلة إلزيفير (Elsevier) إلى أن تقدم عمر المرأة يؤدي إلى زيادة احتمالات حدوث أخطاء في عملية انفصال الكروموسومات داخل البويضات أثناء الانقسام الاختزالي. هذا الانقسام هو العملية البيولوجية التي يتم من خلالها إنتاج البويضات، وأي خلل فيه قد يؤدي إلى وجود عدد غير طبيعي من الكروموسومات في الجنين.

ومع مرور الوقت، لا تتغير فقط كمية البويضات المتاحة لدى المرأة، بل تتأثر أيضًا جودتها. فالبويضات الأقدم عمرًا تكون أكثر عرضة للأخطاء الجينية، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات الإجهاض التلقائي، أو تأخر الحمل، أو ظهور اضطرابات وراثية لدى الأجنة مع تقدم عمر الأم.

إعلان

ولهذا، تؤكد المراجعات العلمية أن جودة البويضة هي العامل الأكثر تأثيرًا في قدرة الجنين على النمو السليم، وأنها ترتبط بشكل مباشر بعمر المرأة البيولوجي.

وفي السياق نفسه، أصبح من الواضح أن تأجيل الإنجاب، لأسباب اجتماعية أو مهنية، يفرض تحديات طبية جديدة. فمع زيادة عدد النساء اللواتي يفضلن الحمل في مراحل عمرية متأخرة، بدأت تظهر معدلات أعلى من التشوهات الكروموسومية، وهو ما دفع الباحثين إلى إعادة النظر في مفهوم “السن المثالي للإنجاب” من زاوية بيولوجية بحتة.

التثلث الصبغي.. الخلل الذي يبدأ داخل الخلية

ومن أكثر الاضطرابات التي يتم الحديث عنها في هذا السياق ما يُعرف بالتثلث الصبغي، وهو وجود نسخة إضافية من أحد الكروموسومات داخل الخلية.

ويشمل ذلك التثلث الصبغي 21 المعروف بمتلازمة داون، إضافة إلى التثلث الصبغي 18 والتثلث الصبغي 13، وهي حالات تؤدي إلى إعاقات ذهنية وجسدية بدرجات متفاوتة، وقد يصاحبها عيوب خلقية في القلب أو الجهاز العصبي أو أعضاء أخرى.

هذه النتائج لم تأتِ من دراسة واحدة، بل من عدة أبحاث واسعة النطاق. فقد نشرت دراسة كبيرة عام 2024 شملت أكثر من نصف مليون امرأة، وتم تقسيم المشاركات فيها إلى مجموعات عمرية مختلفة، وأظهرت النتائج أن خطر الإصابة بالتثلث الصبغي يزداد تدريجيًا مع تقدم عمر الأم، ويصبح أكثر وضوحًا بعد سن 35، ويستمر في الارتفاع بعد سن الأربعين.

وفي دراسة أخرى منشورة في المجلة الرسمية للاتحاد الإسكندنافي لجمعيات طب التوليد وأمراض النساء، والتي شملت بيانات أكثر من نصف مليون امرأة بين عامي 2008 و2017، تم تأكيد النتيجة نفسها، حيث تبين أن النساء اللاتي تجاوزن 35 عامًا أكثر عرضة لإنجاب أطفال يعانون من اضطرابات كروموسومية مقارنة بالفئات العمرية الأصغر.

Pregnant woman testing blood sugar at home. She's puncturing her finger.
الأم بحاجة إلى بروتوكولات فحص ما قبل الولادة مصممة خصيصًا لكل فئة عمرية (غيتي)

تشوهات وعيوب خلقية

ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ نشرت مجلة إلزيفير (Elsevier) دراسة تجميعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 شملت أكثر من 15 ألف امرأة، وأظهرت أن خطر التشوهات الخلقية لا يقتصر فقط على الاضطرابات الكروموسومية، بل يشمل أيضًا عيوبًا خلقية أخرى مثل الشفة الأرنبية أو الحنك المشقوق، إضافة إلى عيوب في الجهاز الدوري.

كما أشارت الدراسة إلى أن العلاقة بين عمر الأم والمخاطر ليست خطية فقط في اتجاه واحد، بل إن صغر سن الأم جدًا قد يحمل بدوره بعض المخاطر، وإن كان تركيز الخطر الأكبر يتركز عند الأعمار المتقدمة.

هذه النتائج دفعت الباحثين إلى التأكيد على ضرورة تطوير بروتوكولات فحص ما قبل الولادة، بحيث تكون أكثر تخصيصًا حسب الفئة العمرية للأم، خاصة في ظل الاتجاه العالمي المتزايد نحو تأخير الإنجاب.

كما دعت بعض الدراسات إلى ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث لفهم العلاقة الدقيقة بين عمر الأم والتشوهات الخلقية النادرة، والتي لا تزال آلياتها غير مفهومة بالكامل.

وتشير دراسة منشورة عام 2021 في إلزيفير (Elsevier) إلى أن تقدم عمر الأم يرتبط بمجموعة واسعة من المخاطر التي قد تظهر خلال الحمل أو عند الولادة.

من بين هذه المخاطر الإجهاض المبكر والمتأخر، والتشوهات الكروموسومية، وولادة جنين ميت، وتأخر نمو الجنين داخل الرحم، إضافة إلى زيادة احتمالات الولادة المبكرة، وتسمم الحمل، وسكري الحمل، وكذلك ارتفاع معدلات الولادة القيصرية. ورغم ذلك، تؤكد الدراسة أن حجم هذه المخاطر يختلف من حالة إلى أخرى، وأن الكثير من النساء فوق سن 35 يمررن بحمل طبيعي تمامًا.

تجميد البويضات

في المقابل، ظهرت تقنيات طبية حديثة تهدف إلى التعامل مع هذا التحدي، من أبرزها تجميد البويضات. وهو إجراء طبي يتم فيه حفظ البويضات غير المخصبة في درجات حرارة منخفضة جدًا لاستخدامها لاحقًا عند الحاجة. وتعتبر الفترة المثالية لإجراء هذا التجميد بين أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، حيث تكون جودة البويضات في أعلى مستوياتها.

إعلان

وقد سُجلت أول حالة حمل ناجحة باستخدام بويضة مجمدة في عام 1986، ومنذ ذلك الحين تطورت التقنية بشكل كبير. إلا أن الهيئات الطبية، مثل الجمعية الأمريكية لطب الإنجاب، لا توصي باستخدام تجميد البويضات كحل شامل لتجنب آثار تأخر الإنجاب لدى النساء الأصحاء، وذلك بسبب محدودية البيانات المتعلقة بالنتائج طويلة المدى، إضافة إلى الجوانب النفسية والاقتصادية المرتبطة بالإجراء.

وتشير البيانات المتوفرة إلى أن الأجنة الناتجة عن بويضات مجمدة لا تختلف بشكل كبير من حيث نسب الإخصاب أو الانغراس أو الحمل السريري مقارنة بالبويضات الطازجة، كما لا توجد مؤشرات واضحة على زيادة التشوهات الخلقية.

ومع ذلك، فإن المتابعة الطويلة لهذه الحالات لا تزال غير مكتملة، لأن عدد الأطفال الذين وُلدوا من هذه التقنية وتمت متابعتهم حتى مراحل متقدمة من العمر ما يزال محدودًا نسبيًا.

Adorable baby with Down syndrome in blue overalls, held by an adult indoors.
تقدم سن الأم يزيد نسبة خطر إصابة الطفل بالتثلث الصبغي (بيكسلز)

كيف ينظر الأطباء إلى الحمل بعد 35 عامًا؟

يوضح الأطباء المتخصصون في النساء والتوليد أن الحديث عن خطر الحمل بعد 35 يجب ألا يُفهم بشكل مبالغ فيه أو مخيف.

ويقول الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب جامعة القاهرة، في حديثه للجزيرة نت إن الحمل في هذا العمر لا يعني بالضرورة وجود مشكلة صحية لدى الجنين، لكنه يعني ببساطة زيادة احتمالات بعض المضاعفات، ما يستدعي متابعة طبية أكثر دقة، وفحوصات مبكرة، ورقابة منتظمة خلال الحمل.

وعن أبرز المخاطر المتعلقة بتأخر سن الحمل على الأجنة والمواليد أوضح حسن أنه يكون هناك زيادة احتمالات الإجهاض، وبعض الاضطرابات الكروموسومية المسؤولة عن تشوهات الأجنة وبعض العيوب الخلقية، بالإضافة إلى ارتفاع احتمالات تسمم الحمل وسكري الحمل.

ويشير إلى مفهوم يُعرف بـ”السلوك الإنجابي مرتفع الخطورة”، وهو مصطلح يستخدم لوصف الحالات التي تزداد فيها احتمالات المضاعفات بسبب عوامل مثل الحمل في سن صغيرة جدًا أو متقدمة، أو تقارب فترات الحمل بشكل كبير، أو ارتفاع عدد مرات الحمل. هذه العوامل قد تؤثر على كفاءة المشيمة، وعلى نمو الجنين، وبالتالي على نتائج الحمل بشكل عام.

بدورها، تقول الدكتورة دينا محمد، أخصائية الأطفال حديثي الولادة، للجزيرة نت إن تأخر سن الزواج وما ينتج عنه من تأخر سن الحمل يكون معرضًا لخطر حدوث اختلالات في البويضة أثناء عملية الانقسام وهو ما يؤدي إلى إصابة الجنين بتشوهات خلقية وطفرات جينية تؤثر على اكتمال الحمل نفسه أو ولادة أجنة تعاني مشكلات صحية، بداية من زيادة خطر الولادة المبكرة وخطر الحاجة إلى حضانات لرعاية المولود، وولادة طفل منخفض الوزن “مبتسر” وما يتبعه من مشكلات صحية متعلقة بالنمو، كما أن الاختلالات الكروموسومية تزيد من خطر الإصابة ببعض المتلازمات المرضية مثل متلازمة داون.

وتضيف دينا أن عمر الأم وقت الحمل والولادة يشكل عاملًا أساسًا في صحة الجنين والأم ويؤثر على احتمالية خطر تعرض الأم لمضاعفات صحية مثل سكري الحمل وتسمم الحمل والتي ينشأ عنها زيادة لتعرض المواليد لخطر الإصابة بأمراض متعلقة بالنمو وأحيانا زيادة خطر ولادة أطفال ميتة.

العمر ليس حكمًا نهائيًا

يمكن القول إن الحمل بعد سن 35 لا يُصنف كحمل غير آمن بشكل مطلق، لكنه يُصنف كحمل يحتاج إلى وعي طبي أعلى ومتابعة أدق. فالعمر قد يزيد بعض المخاطر، لكنه لا يحدد المصير.

ومع تطور الطب الحديث، أصبحت القدرة على رصد هذه المخاطر والتعامل معها في وقت مبكر أكبر بكثير من أي وقت مضى، ما يمنح الكثير من النساء فرصة لحمل آمن رغم التقدم في العمر، شرط المتابعة الطبية الدقيقة والالتزام بالفحوصات الدورية.

 

المصدر: الجزيرة