“هدوء ما قبل العاصفة”.. هل قرر ترمب أخيرا استئناف الحرب على إيران؟

“هدوء ما قبل العاصفة”.. عبارة تصدرت صورة نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأظهرت سفنا حربية، بينها قارب يرفع العلم الإيراني، في أحدث تلميح قرأ فيه البعض إشارة واضحة إلى نية الرئيس بالعودة للتصعيد العسكري ضد إيران، في ظل جمود المسار التفاوضي، منذ نحو 40 يوما.

ويأتي منشور ترمب عقب عودته من زيارة الصين، وسط حالة من الترقب بشأن انعكاسات الزيارة، وماهية الخطوة الأمريكية المقبلة حيال الحرب على إيران، التي بادرت بها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في 28 فبراير/شباط الماضي.

وفي حين أشارت وسائل إعلام أمريكية إلى أن ترمب لم يُحرز خلال زيارته بكين “أي تقدم يُذكر”، قال الرئيس الأمريكي إن نظيره الصيني شي جين بينغ متفق معه على ضرورة أن تعيد طهران فتح مضيق هرمز، غير أن الصين لم تبد أي إشارة إلى أنها ستتدخل في هذا الشأن.

وفي وقت يشير فيه البعض إلى عادة يتخذها ترمب بتصعيد الخطاب التهديدي مع عطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة؛ أملا بإحداث انعكاس على حالة الأسواق، يذهب محللون إلى أن التلويح الأخير قد يجد طريقه إلى التنفيذ، في حين يرى آخرون أنه لا يخرج عن سياق المفاوضات المتعثرة.

ترمب ينشر صورة على منصة تروث سوشيال تظهر سفنا حربية في مضيق هرمز وعبارة “الهدوء ما قبل العاصفة” (مواقع التواصل)

ترمب بين التصعيد والدبلوماسية

ولعل من ما تجدر الإشارة إليه، تصريحات الرئيس الأمريكي التي سبقت منشوره الأخير، إذ قال إنه لا يعلم ما إذا كان سيُتوصل إلى اتفاق مع طهران في الوقت القريب، مهددا بالقول “من الأفضل لإيران أن تبرم اتفاقا”.

وتوعد ترمب -في تصريحات لقناة “بي إف إم” الفرنسية- إيران بأنها “ستمر بوقت عصيب للغاية”، إذا لم يجرِ التوصل إلى اتفاق.

وفي الأثناء، نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادر مطلعة قولها إن الرئيس الأمريكي أصبح أكثر نفادا للصبر، لافتين إلى أن مسؤولين بما فيهم في البنتاغون يدفعون باتجاه توجيه ضربات محددة الأهداف، من أجل الضغط على إيران لتقديم تنازلات.

إعلان

لكنّ المصادر أوضحت في المقابل، أن مسؤولين آخرين في إدارة ترمب، رأوا ضرورة الاستمرار في التركيز على مسار الدبلوماسية، في إشارة إلى أن ثمة تباينا في وجهات النظر داخل الإدارة الأمريكية بشأن الخطوات القادمة بشأن الحرب مع إيران.

ترمب “أقل جرأة” الآن

وتنسحب حالة التباين على المحللين عموما، ففيما يرجح بعضهم الخيارات العسكرية، لا سيما عبر ضربات محدودة على إيران، بالنظر إلى تقديرات متواترة تشي بالاستعداد إسرائيليا وأمريكيا لذلك، يقدّر آخرون أن حرية ترمب باتت مقيّدة بثلاثة عوامل، إستراتيجية وقانونية وانتخابية، تحول دون لجوئه إلى هذا الخيار.

وبالتزامن مع منشور ترمب الأخير، أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت أن إسرائيل والولايات المتحدة تواصلان استعداداتهما لاستئناف القتال، مشيرة إلى أن التنسيق جار على أعلى المستويات داخل الجيش والموساد.

ونقلت الصحيفة تقديرات إسرائيلية رجحت أن ترمب “سيكتفي بضربة محدودة مثل استهداف محطات كهرباء وجسور”.

لكنّ أستاذ النزاعات الدولية، وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقا، محمد الشرقاوي، قلل من احتمال عودة العمليات العسكرية، غير أنه لم يستبعد حدوث “مناوشات محدودة جدا”، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي “أقل جرأة” على استئناف الحرب الآن، إذا ما قورنت الوقائع بين منتصف مايو/أيار الجاري ومارس/آذار الماضي.

ويقدّر الشرقاوي -في حديث للجزيرة- أن ترمب يميل إلى مخرج دبلوماسي بنسبة 70%، ولا يرى أنه بحاجة للتصعيد مجددا، منوها إلى جملة كوابح داخلية تحبط الخيار العسكري، لافتا إلى تراجع الوضع الاقتصادي، بالإضافة إلى تراجع شعبية الرئيس، وموقعه إزاء الناخبين والرأي العام الأمريكي.

ويتزامن المأزق القائم مع إيران مع ضغوط داخلية يواجهها ترمب بسبب ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وتدني معدلات تأييده بعد أن شن حربا لا تحظى بتأييد واسع قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، فيما يسعى حزبه الجمهوري جاهدا للحفاظ على أغلبيته في الكونغرس.

ويتفق سيرجيو دي لا بينا، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق، مع ما ذهب إليه الشرقاوي عموما، مقدّرا أن رسالة ترمب الأخيرة وتلويحه بالتحرك العسكري، يأتي كأسلوب تفاوضي، وليس إعلان عودة للحرب بالضرورة.

وفسّر المسؤول الأمريكي السابق -للجزيرة- المنشور التهديدي الأخير، بأن ترمب عمد إلى القول إن كل الخيارات موضوعة على الطاولة، بهدف دفع الطرف الآخر إلى القلق والتأويل.

ثمة حاجة لوساطة “أكثر عملية”

وحول تعويل الولايات المتحدة على الصين، في الضغط على إيران من أجل تبني مرونة بشأن إنهاء حالة الإغلاق لمضيق هرمز، يشير الشرقاوي إلى أن ذلك جرى “إفراغه من مضمونه”، ولا أمل في تحققه، مما سبب فراغا إستراتيجيا لدى ترمب.

وانتهى أستاذ النزاعات الدولية إلى أن ثمة حاجة ملحة إلى وساطة أكثر عملية، تتجاوز مسألة نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، لافتا إلى أن باكستان يمكنها لعب دور في خلط المواقف وإيجاد طريق ثالث للخروج ، والبحث عن توافقات جديدة في سبيل الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب.

وفي هذا الإطار، يعرب رئيس وزراء باكستان شهباز شريف -في آخر تصريحاته لصحيفة التايمز البريطانية- عن تفاؤله بعقد جولة ثانية من المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران، بما يؤدي إلى “سلام دائم”.

إعلان

وأوضح شريف أن جهود بلاده في الوساطة متواصلة، رغم تبادل البلدين التهديدات، مشددا على أن “السلام لا يتحقق بسهولة، بل يحتاج إلى صبر وحكمة، والقدرة على تحريك الأمور رغم أصعب التحديات”.

BAKU, AZERBAIJAN - NOVEMBER 13: Pakistani Prime Minister Shehbaz Sharif delivers a national statement during the high level segment on day three of the UNFCCC COP29 Climate Conference at Baku Stadium on November 13, 2024 in Baku, Azerbaijan. The COP29, which is running from November 11 through 22, is bringing together stakeholders, including international heads of state and other leaders, scientists, environmentalists, indigenous peoples representatives, activists and others to discuss and agree on the implementation of global measures towards mitigating the effects of climate change. According to the United Nations, countries made no progress over the last year in reducing global emissions from the burning of fossil fuels. (Photo by Sean Gallup/Getty Images)
رئيس وزراء باكستان شهباز شريف: متفائلون بعقد جولة ثانية من المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران (غيتي)

ترمب وفشل الرهان على “الدبلوماسية القهرية”

ولا يخرج تهديد الرئيس الأمريكي الأخير عن نهج متواصل يتخذه منذ عودته إلى الحكم مطلع العام الماضي، وصفه محللون بـ”الدبلوماسية القهرية”، المتسمة بالتهديدات العلنية والإهانات والإنذارات النهائية، مشيرين إلى أن هذا النهج وصل إلى طريق مسدود في الحالة الإيرانية.

ويقول المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارات ديمقراطية وجمهورية أمريكية، دنيس روس، إن “الافتقار إلى الصبر الإستراتيجي وتناقض خطاب الرئيس يقوضان أي رسالة يريد إيصالها”.

ويلفت مراقبون إلى أن ترمب يريد أن يبدو خطيرا أمام الإيرانيين لترهيبهم ودفعهم إلى التنازل بشأن برنامجهم النووي وقضايا أخرى.

لكنّ مسؤولين أمريكيين سابقين -تفاوضوا مع إيران- استبعدوا نجاح هذا النهج خاصة بالنظر إلى ترسخ المؤسسات الدينية والعسكرية في إيران وفخر البلاد بتاريخها الطويل.

ويقول محللون إن تهديدات ترمب ربما زادت حكام إيران الجدد جرأة، والذين يُعدون أكثر تشددا من أسلافهم الذين قُتلوا في الضربات وكانت ثقتهم به قد تقلصت بالفعل بعد الهجومين الأمريكيين في العام الماضي، بينما كان الجانبان يخوضان مفاوضات.

وقال المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، نيت سوانسون، والذي كان في فريق ⁠⁠التفاوض مع إيران حتى يوليو/تموز الماضي: “كان هناك تصور خطأ مفاده أنه إذا مارست ضغطا كافيا على إيران، فسوف تستسلم، لكنّ الأمر لا يسير بهذه الطريقة مع إيران”.

ويعتقد بعض الخبراء أن نهج ترمب، الذي قال إنه يهدف في المقام الأول إلى ضمان عدم تمكن طهران من الحصول على سلاح نووي، قد يأتي بنتائج عكسية.

وما يزيد من حدة التوتر هو أن ترمب والإيرانيين يعملون على ما يبدو وفقا لوتيرة مختلفة، فالرئيس المندفع يريد غالبا التوصل إلى اتفاق سريع حتى يتمكن من المضي قدما، في حين أن الوفود الإيرانية لديها تاريخ في إطالة أمد المفاوضات.

ويذكر تريتا بارسي نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم المسؤول في واشنطن، أن القادة في طهران ربما يفسرون نهج ترمب المتقلب على أنه علامة على اليأس ويعتقدون أنه يمكنهم الانتظار حتى انتهاء ولايته، مضيفا “من بعض النواحي، فإن ترمب يلعب لصالحهم تماما”.

 

المصدر: الجزيرة