خذ الحكمة من الرياضيين.. 6 خطوات لتستعيد توازنك في مبارياتك اليومية

تبدو طقوس بعض اللاعبين المحترفين غريبة، فترى عداء يهز ساقيه، أو سباحا يصفع كتفيه وصدره، أو لاعب كرة يغمض عينيه ويتنفس عميقا قبل الركلة.

أما الجمهور فينقسم ما بين جزء يشتاط غضبا، وجزء يضحك أحيانا على تلك الحركات. لكنها في الحقيقة وعي عميق بدواخل أجسادهم، ليعبر أصعب لحظاته بثبات، ويفوز بفضل تركيزه.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2تقنيات التنفس سلاح فعّال لمواجهة التوتر النفسي
  • list 2 of 2تمارين لتفريغ الغضب وتهدئة العقل.. حكم في مشاعرك بحركات بسيطة

end of list

والسؤال هنا: كيف يمكن لنا أن نستعير من تلك الحكمة الجسدية ما يجعلنا أكثر هدوءا في حياتنا اليومية؟

A person sitting at a desk in an office, viewed from behind with hands behind head.
يحتاج المرء إلى ملاحظة إشارات الجسد الناتجة عن الضغط والإرهاق (بيكسلز)

وعي الجسد الداخلي

ينقسم الوعي بأجسادنا إلى وعي خارجي بما نلمسه ونشمه ونبصره، ووعي داخلي ندرك به إشارات جهازنا العصبي وأعضائنا الداخلية، مثل نبضات القلب أو التنفس أو التعب، وبعضنا دقيق في قراءة تلك الإشارات، ويعي كيفية تنظيم مشاعره الناتجة عن الضغط والإرهاق، واستعادة توازنه الداخلي لاتخاذ قراره، والتكيف مع الظروف الجديدة باستمرار، لذلك تراهم أهدأ في ردود أفعالهم، وعليه تُصنف تلك الهبة القابلة للتطوير “حاسة ثامنة”.

حاول فريق من علماء النفس الرياضي وفسيولوجيا الجهد البدني في جامعة “سوانسي” البريطانية التمييز بين حدة الحساسية الداخلية والدقة في ملاحظتها، في دراسة موسعة بعنوان “اختلافات الوعي الداخلي بين عدائي سباقات السرعة والمسافات الطويلة”.

نُشرت الدراسة في عام 2023 في مجلة “بلوس ون”، وتتبع الباحثون فيها أداء أمهر العدائين عبر اختبارات دقيقة لمدى إدراكهم لدقات قلوبهم واستجابتهم النفسية تحت الضغط، وقارنوا النتائج بغير الرياضيين.

خلص الباحثون إلى امتلاك العدائين قدرة أعلى على توجيه انتباههم إلى داخل أجسادهم، والثقة في إشاراتها، إذ ظلوا واعين لنبض قلوبهم مهما ارتفع ضجيج المدرجات، وهي ميزة ترتبط بمناطق عصبية مثل القشرة الجزيرية والقشرة الحزامية الأمامية.

Men competing in a running event on a sunny outdoor track, showcasing athleticism and determination.
يمكن لوعينا الداخلي حماية الجسد من الانهيار المفاجئ (بيكسلز)

كان الفارق بين العدائين أنفسهم واضحا، فسجل عداءو السرعة مستويات عالية في الوعي بعواطفهم وضبط انتباههم، مقارنة بعدائي المسافات الطويلة، في حين تدهور أداء غير الرياضيين لتجاهلهم إشارات التعب.

إعلان

وأوضح لنا باحثون يابانيون كيف يمكن لوعينا الداخلي حماية الجسد من الانهيار، في دراسة بعنوان “دور الوعي الداخلي في الجري: رؤى للتقييم المتعدد الأبعاد للوعي الجسدي”.

ونشرت “المجلة الدولية لعلم نفس الرياضة” تلك الدراسة في عام 2025، واستخدم الباحثون بكلية “طوكيو النسائية للتربية البدنية” نسخة يابانية من مقياس متعدد الأبعاد للوعي الداخلي، الذي يقيس أبعادا مثل التعب والتنفس والشد العضلي والعواطف والانتباه. وشاركت 69 طالبة في الدراسة بالجري لمسافة 800 متر، وخضعن لتقييم وعيهن عبر استبيان علمي واختبارات زمنية.

وخلصت الدراسة إلى أن العداءات اللواتي قرأن إشارات أجسادهن ووثقن بها، ملن إلى توزيع جهدهن بذكاء، فخففن من سرعتهن قبل الوصول إلى لحظة الانهيار، بينما واصلت الأخريات الركض حتى انهرن فجأة.

Britain Athletics - London Marathon - London - 23/4/17 A runner collapses just before reaching the finish line on The Mall Action Images via Reuters / Matthew Childs Livepic
توزيع الجهد بذكاء يرتبط بملاحظة المرء لإشارات الجسد حتى لا يحدث الانهيار (رويترز)

طقوس النخبة تحت الضغط

تصدر لاعب التنس نوفاك ديوكوفيتش التصنيف العالمي للاعبي التنس المحترفين طويلا، واشتهر في الملعب بتنطيط الكرة، وإغماض عينيه لثوان، ثم تثبيت قدميه على الأرض، مع أنفاس عميقة، قبل أن يضرب الكرة بسرعة البرق.

وفي بث مباشر عقب بطولة ويمبلدون 2023، عدّ ديوكوفيتش المنافسة معركة داخلية متصلة، تفوق ما يدور خارج جسده، وصرح بأن التنفس الواعي أهم عناصر نجاحه، فيستعيد به سيطرته إذا تشتت أو هاجمته مشاعر سلبية.

وذلك تحديدا ما طبقه بعدما هاجمه الجمهور في ويمبلدون العام الماضي، فجلس يتحسس حجابه الحاجز ليرخي توتره، بينما تنفس عميقا.

Tennis - Wimbledon - All England Lawn Tennis and Croquet Club, London, Britain - July 9, 2025 Serbia's Novak Djokovic in action during his quarter final match against Italy's Flavio Cobolli REUTERS/Isabel Infantes
ديوكوفيتش خلال مباريات بطولة ويمبلدون للتنس عام 2025 (رويترز)

التقى ديوكوفيتش ورفاييل نادال في 60 مباراة، ووصف الجمهور سلوكيات الأخير بالقهرية، فيرونه يرتب زجاجات المياه، وملابسه، ويجفف عرقه، ثم يقف ليسدد الكرة.

يفسر علم الأعصاب السلوكي تلك الأفعال المكررة بنظام داخلي يمنح الدماغ شعورا بالسيطرة وسط أحداث متقلبة، فحين يكرر الأفعال نفسها كل مرة، يُكوّن الدماغ رابطا بينها وبين الحالة المتزنة، فيهدأ القلق.

يجمع السباح مايكل فيلبس، صاحب الرقم القياسي في عدد الميداليات الأولمبية الذهبية التي حملها، بين حركات خفيفة مكررة وتنفس عميق، فتراه واقفا على منصة الانطلاق يؤرجح ذراعيه إلى ظهره، ويضرب صدره وكتفيه، ويأخذ أنفاسا عميقة متتالية.

يُسمى ذلك بالإحماء العصبي- العضلي فينبه الأعصاب في القفص الصدري والحجاب الحاجز، ويمنع انكماشها عند ملامسة الماء البارد، أما أرجحة ذراعيه وضرب عضلاته، فتفرغ توتر الرقبة والأكتاف قبل القفزة الأولى، وتنشط تلك الحركات الخفيفة المتكررة الجهاز العصبي “الباراسمبثاوي”.

أما حركات العداء يوسين بولت قبل انطلاقه في سباق الجري فليست إحماء، لكنه يهز جسده بقوة وسرعة ليرسل إشارة لجهازه العصبي بأن “لا داعي للتوتر، فها هي عضلاتي رخوة”.

لكن الملاكمين نراهم من خلف أقنعتهم، يفتحون ويغلقون فكوكهم بسرعة، بينما يقفزون في الهواء، ويرفعون أكتافهم وينزلونها، ليزيدوا مرونة العصب الحائر، ويدخلوا حالة من التأهب المسترخي، فلا يريدون لعضلاتهم أن تتصلب، ولا لعقلهم أن يتوقف عن اتخاذ قرارات سريعة.

A man practicing relaxation with hands on chest and abdomen outdoors
مراقبة التنفس وضربات القلب يدويا يساعد على تنمية الوعي الداخلي للشخص (بيكسلز)

ابتكر طقسا لتحدياتك اليومية

إليك بعض النصائح يمكنها مساعدتك في رفع درجة إنصاتك إلى داخلك، وتزيل عن جسدك آلام التوتر قبل المواقف المهمة:

إعلان
  1. درب أذنك الداخلية: ضع يدك على صدرك، أو أعلى بطنك، وأغمض عينيك، وحاول عد دقات قلبك في صمت، لـ 20 ثانية، ثم قارن نتيجتك بنتيجة المؤقت. ليس الهدف هنا تخمين رقم صحيح، بل تعويد دماغك على الالتفات إلى ذلك الصوت. مع تكرار ذلك التمرين يوميا لعدة أسابيع، ستلحظ أن إحساسك بالنبض يزداد وضوحا، وستلمح تسارعه في بداية التوتر.
  2. راقب أنفاسك: خصص دقيقة تراقب فيها أنفاسك كما هي، بلا محاولة تغيير، فقط راقب دخول الشهيق، وخروج الزفير، وعُدَّ عدد الأنفاس في دقيقة واحدة. لاحظ إن كانت أنفاسك قصيرة متلاحقة أم عميقة هادئة، وحاول تفسير السبب. حاول بعد ذلك أن تطلق زفيرا طويلا وبطيئا، كأنما تمدد خيطا حتى ارتخاء عضلات بطنك كلها.
  3. تفقد جسمك: لا يسكن القلق رؤوسنا وحدها، بل في عضلات الرقبة والكتفين والفك وأسفل الظهر أيضا، ويفيدنا تمرين “تفقد الجسد” في تبينه في عضلاتنا، بأن تجلس في هدوء، وتغمض عينيك، وتمرر انتباهك ببطء من الرأس إلى القدمين، كأنما تمسح جسدك بكفك، متوقفا لثوان عند كل جزء، وحينئذ، اسأل نفسك: هل ثمة شد، أو ثقل؟
  4. روتين التهدئة: حول وعيك بجسدك إلى أفعال تتبع شعورك بتوتر عضلاتك، وابتكر روتين تهدئة تمارسه يوميا، ليكون عونا لك إذا توترت، فتستعيد توازنك، وليكن ترتيب أدواتك على الطاولة، أو كتابة جملة قصيرة مطمئنة في رأس الورقة، أو الوقوف لثوان مع ضمّ الكفين إلى الصدر ثم فتحهما.
  5. حرر جسدك: دع جسدك يتمايل يمينا ويسارا في أثناء جلوسك، أو هز قدميك، فهي حركات مهدئة للدماغ، كذلك تمنع عنك حركات مثل نفض الأيدي والتنهد العميق تصلب عضلاتك بعد ضغط طويل، وتُعد أسرع طريقة بيولوجية لتهدئة الجهاز العصبي في 30 ثانية، ناهيك عن التمدد في بداية اليوم أو بعد الجلوس طويلا على المكتب.
  6. حركات سريعة: تحتاج 30 ثانية من هز الأكتاف لتخفيف شد الرقبة والكتفين، ورجة منك لجسدك كمن ينفض عن نفسه الماء، لثوان، لتحرر الطاقة السلبية داخلك. وإذا كنت متوترا أو خائفا، فضم ذراعيك بحيث تعانق كتفيك، ثم ربت ببطء وبالتناوب على كل كتف بباطن الكف، بينما تتنفس عميقا.

 

المصدر: الجزيرة