تواصل إسرائيل خرق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع حزب الله منذ 17 نيسان/أبريل الماضي، إذ أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي -أمس الثلاثاء- أوامر إخلاء لـ19 بلدة وقرية في جنوب لبنان، داعيا سكانها للانتقال إلى شمال نهر الزهراني.
وشملت أوامر الإخلاء الإسرائيلية مدينة النبطية الواقعة في جنوب لبنان، التي تتعرض لضربات وغارات عسكرية مكثفة ومتكررة منذ بدء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس/آذار الماضي.
وفيما يلي أبرز المعلومات عن مدينة النبطية اللبنانية، ولماذا طلب الاحتلال الإسرائيلي من سكانها إخلاءها في هذا التوقيت؟
أين تقع مدينة النبطية؟
تعد مدينة النبطية خامس أكبر مدينة في لبنان، بمساحة تبلغ 1097 كيلومترا مربعا، وهي عاصمة محافظة النبطية ومركز القضاء وأهم مدن منطقة جبل عامل.
وتتميز المدينة، التي يقطنها حوالي 120 ألف نسمة، بموقع جغرافي إستراتيجي، إذ تتوسط مدن وقرى سلسلة جبال لبنان الجنوبي، وتشكل حلقة وصل بين الساحل والجبل والداخل.
وتبعد النبطية عن العاصمة بيروت نحو 70 كيلومترا، ونحو 15 كيلومترا عن أقرب نقطة بالقطاع الشرقي من جنوب لبنان مع مستوطنة المطلة في إسرائيل، مما يجعلها ضمن نطاق الاستهداف الإسرائيلي في أي تصعيد عسكري على الحدود الجنوبية.
وتمتلك المدينة أيضا أهمية اقتصادية وثقافية بسبب مركزيتها، حيث تضم مقار حكومية رئيسية وتوفر خدمات صحية وتعليمية ومصرفية للمنطقة المحيطة بها.
ويعود تاريخ مدينة النبطية إلى عصور ما قبل الميلاد، فقد عثر على أدلة أثرية تعود إلى العصر الحجري مرتبطة بحضارة القرعون في الفترة الممتدة من 5 آلاف إلى 20 ألف سنة قبل الميلاد.

هل هذه المرة الأولى التي يواجه فيها سكان النبطية أوامر بإخلائها؟
لا، فقد خضعت المدينة في وقت سابق من الحرب الحالية إلى عمليات إخلاء قسرية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، مما أجبر غالبية سكانها على النزوح منها إلى مناطق أخرى.
كما أصدر المتحدث العسكري باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب السابقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أوامر إخلاء لسكان مناطق في النبطية، قائلا إن الجيش سينفذ عمليات هناك ضد حزب الله اللبناني.
تاريخ المدينة في الحروب
تاريخيا، شكلت مدينة النبطية هدفا للعديد من العمليات العسكرية الإسرائيلية، بدءا من عملية الليطاني في مارس/آذار 1978 التي هدفت إلى طرد الفصائل الفلسطينية المسلحة من المنطقة الحدودية مع إسرائيل. وتعرضت المدينة خلال العملية لقصف مكثف ومتواصل، مما أدى إلى نزوح معظم سكانها وفرارهم من منازلهم.
وكان للمدينة دور بارز في نشأة المقاومة اللبنانية في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتحولت مع مرور الوقت إلى إحدى الساحات الرئيسية للنشاط المقاوم في الجنوب، بسبب موقعها الجغرافي ورمزيتها السياسية، مما يجعلها في مرمى الاستهداف الإسرائيلي عند اندلاع أي مواجهة مع حزب الله.
وشهدت النبطية عددا من العمليات العسكرية الإسرائيلية، أبرزها عملية “تصفية الحساب” سنة 1993، وعملية “عناقيد الغضب” سنة 1996، إضافة إلى حرب يوليو/تموز 2006.
وقدمت المدينة خلال هذه العمليات العسكرية عشرات القتلى والجرحى من أبنائها، واضطرت أعداد كبيرة من العائلات إلى النزوح وترك منازلها هربا من الغارات والقصف.
وعادت النبطية إلى واجهة الاستهداف الإسرائيلي مجددا خلال المواجهات التي اندلعت بين جيش الاحتلال وحزب الله في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، إذ شهدت المدينة عشرات الغارات الجوية الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2024، بعدما أعلن الحزب إسناده للمقاومة الفلسطينية.

لماذا طلبت إسرائيل إخلاء النبطية في هذا التوقيت؟
جاءت أوامر الإخلاء الإسرائيلية بالتزامن مع تصعيد عسكري متسارع، إذ صعد جيش الاحتلال من عملياته العسكرية في جنوب لبنان، وسط مؤشرات ومساع واضحة من جانب تل أبيب لتوسيع رقعة العمليات العسكرية في المنطقة وضم بيروت لدائرة الاستهداف.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد أعلن -الاثنين- عن توسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله خلال المرحلة المقبلة، مؤكدا أن إسرائيل “لن تبطئ وتيرة الهجوم” وستكثف من ضرباتها وقوتها.
وأوضح نتنياهو -أمس الثلاثاء- أن الجيش الإسرائيلي يعمل حاليا بقوات كبيرة في الجنوب اللبناني، حيث “يسيطر على مواقع مشرفة وإضافية، ويقوم بتحصين الحزام الأمني هناك”.
بدوره، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته البرية ضد حزب الله، متجاوزا ما يعرف بـ”الخط الأصفر” الذي حدده في القرى التي يحتلها في جنوب لبنان. كما أنذر سكان مدينة النبطية إخلائها بالكامل والتوجه شمالا، تمهيدا لشن ضربات ضد حزب الله.
ومع تواصل الخسائر الإسرائيلية في لبنان، وتحديدا مقتل 11 جنديا إسرائيليا منذ بدء وقف إطلاق النار، يتصاعد الضغط داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لتوسيع بنك الأهداف، إذ طالب رئيس الأركان إيال زامير المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) بصياغة معادلة ردع لهجمات حزب الله بالمسيّرات، تشمل استهداف العاصمة بيروت.
كما انعكس هذا التوجه في تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي صادق على ميزانية بـ692 مليون دولار لتطوير دفاعات ضد المسيّرات، حيث طالب بأن “تسقط 10 مبان في بيروت مقابل كل مسيّرة متفجرة”.
ما الهدف الجديد المتوقع بعد النبطية؟
نقلت الصحافة الفرنسية عن مسؤول عسكري إسرائيلي تأكيده أن الجيش يعمل حاليا “بشكل موجه في مناطق ما بعد خط الدفاع الأمامي” (أي الخط الأصفر) بهدف القضاء على ما وصفها بـ”التهديدات المباشرة التي تخيم على مواطني دولة إسرائيل وجنودها”، وذلك استنادا لتوجيهات القيادة السياسية.
وأضاف المسؤول أنه “لا يمكن تقديم تفاصيل محددة بشأن مواقع الجنود”.
لكن من المتوقع أن يستهدف الجيش الإسرائيلي منطقة البقاع خلال الفترة المقبلة، خاصة أنه أعلن توسيع نطاق عملياته العسكرية خارج “الخط الأصفر” لتشمل المنطقة الواقعة شرقي لبنان، وهو ما يعكس نية تل أبيب في تعميق توغلها داخل الأراضي اللبناني واحتلالها لمزيد من المناطق.
المصدر: الجزيرة