عمّان – في أول أيام عيد الأضحى، ومع امتلاء البيوت والمجالس برائحة الذبائح وولائم العيد، تتصدر موائد المنسف المشهد في العاصمة الأردنية، حيث تتحول المطاعم إلى ساحات منافسة حقيقية على تقديم “طبق العيد الأول” الذي لا يكتمل العيد بدونه هناك.
وبين ازدحام الطلبات وارتفاع الإقبال من العائلات والزوار والمغتربين، تشتعل المنافسة بين مطاعم المناسف التي تسعى هذا الموسم إلى تقديم تجربة تتجاوز الطعام، لتلامس طقوس العيد ومعاني الكرم والضيافة المتجذرة في الذاكرة الأردنية.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
وبحسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، يوجد في العاصمة عمّان وحدها أكثر من 50 مطعما متخصصا ببيع المناسف، في مؤشر على اتساع السوق وارتفاع الطلب على الطبق الشعبي الأشهر في المملكة.

السر في “الجميد”
ويقول صاحب أحد مطاعم المناسف في عمّان محمود البشابشة للجزيرة نت إن “سر الإقبال على المنسف يكمن في مكوناته البلدية وطعمه المرتبط بالبيئة الأردنية”، مشيرا إلى أن “الجميد” يُعد العنصر الأهم في الطبق، ولا سيما ذلك المُصنّع في محافظة الكرك جنوبي الأردن.
ويصنع الجميد من الحليب بعد تحويله إلى لبن رائب، ثم يخض في أوعية جلدية تقليدية تعرف باسم “الشكوة”، قبل فصل الزبدة عنه وتجفيفه تحت أشعة الشمس بعد إضافة الملح وتشكيله على هيئة كرات صلبة تستخدم لاحقا في طهي المنسف.
ويرتبط المنسف -وفق البشابشة- بالمناسبات الاجتماعية الأردنية، إذ يُقدّم في الأعراس وبيوت العزاء والولائم الرسمية، مما يجعل هذه المناسبات مساحة دائمة للترويج للمطاعم وتعزيز حضورها بين الناس.
وتقول أم محمد الملاحمة، وهي سيدة من محافظة الكرك، إن صناعة الجميد والسمن البلدي ليست مجرد مهنة موسمية، بل جزء من تراث العائلات الكركية وحياتها اليومية، مضيفة أن النساء في القرى يبدأن التحضير مع بداية الربيع مستفيدات من وفرة حليب الأغنام والأعشاب البرية التي تمنح الجميد نكهته المميزة.

وتشير في حديثها للجزيرة نت إلى أن “الجميد الكركي معروف بجودته لأن الأغنام ترعى على أعشاب طبيعية مثل تلك المعروفة في الأردن كـ”الحندقوق والبابونج”، مؤكدة أن النظافة واختيار الحليب الطازج والصبر خلال مراحل التصنيع هي أسرار نجاح المنتج وجودته، لافتة إلى أن كثيرا من الأسر لا تزال تعتمد على بيع الجميد والسمن كمصدر دخل أساسي يساعدها على مواجهة أعباء المعيشة.
وتوضح الملاحمة أنها تقوم سنويا بتجهيز كميات من الجميد البلدي وتوريدها إلى عدد من مطاعم المناسف في العاصمة عمّان، التي تفضل الجميد الكركي لما يتمتع به من جودة ونكهة مميزة، خصوصا في مواسم الأعراس والولائم التي يزداد فيها الطلب على المنسف الأردني.
أما صاحب المطعم المنافس في العاصمة ليث البشابشة فيؤكد للجزيرة نت أن المغتربين الأردنيين “يبحثون عن مطاعم المناسف فور وصولهم إلى البلاد”، معتبرا أن استخدام المكونات البلدية الأصلية، من الجميد والسمن واللحم البلدي، يشكل عاملا رئيسيا في جذب الزبائن رغم ارتفاع الكلف والمنافسة الشديدة في السوق.
ويتميز المنسف الأردني بمكوناته الطبيعية المحلية، سواء اللحم البلدي أو خبز الشراك أو الجميد المصنوع من حليب الأغنام، إضافة إلى الأعشاب المستخدمة في منحه نكهته الخاصة.

المنسف على قائمة اليونسكو
ولا يقتصر حضور المنسف على كونه طبقا شعبيا، بل يمثل جزءا أساسيا من الهوية الثقافية الأردنية، وهو ما عزز مكانته بعد إدراجه على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2021، ضمن ملف حمل عنوان “المنسف في الأردن: وليمة احتفائية ودلالاتها الاجتماعية والثقافية”.
ويعد طبق المنسف عبر طهي لحم الضأن بلبن الجميد، ثم يسكب في “السدر” المفروش بخبز الشراك، وتوضع فوقه طبقات الأرز واللحم، فيما يتوسط رأس الذبيحة الطبق في دلالة على الكرم وتقدير الضيف.

مخاوف من العبث بتاريخ المنسف
ويقول الباحث في التراث والتاريخ حازم سليم إن المنسف الأردني مر بمراحل تطور تاريخية قبل أن يصل إلى شكله المعروف اليوم، حيث كان المنسف بالأساس يصنع من ثريد لحم الضأن واللبن وخبز الشراك.
ويوضح سليم أن البرغل أصبح لاحقا المكون الرئيسي للمنسف، قبل أن يدخل الأرز إلى الطبق في فترة متأخرة من القرن التاسع عشر بعد انتشاره في المنطقة.
ويشير إلى أن المنسف لا يعد مجرد وجبة طعام، بل “طقسا اجتماعيا متكاملا له معاييره الخاصة وبروتوكول الضيافة المرتبط به”، موضحا أن طريقة تقديم المنسف تعكس مكانة الضيف وتقديره، إذ يقدم رأس الذبيحة أحيانا لكبير الضيوف بوصفه أعلى درجات التكريم في الثقافة الأردنية التقليدية.

وعبر سليم عن مخاوفه من “العبث بالمنسف” وخروجه عن صورته التقليدية، مشيرا إلى أن بعض المطاعم بدأت تقدم المنسف بطرق وصفها بأنها “تجارية ومشوهة للهوية التراثية”، من خلال بيعه داخل أكواب صغيرة أو تقديمه بطريقة تشبه البيتزا أو حتى السوشي.
ويرى أن هذه الأساليب -رغم طابعها التسويقي العصري- تُفقد المنسف رمزيته الاجتماعية والثقافية المرتبطة بطقوس الضيافة والجلسات الجماعية، وتحوله من طبق تراثي يحمل دلالات الكرم والتكافل إلى مجرد وجبة سريعة خاضعة لاعتبارات السوق والموضة الغذائية الحديثة.
ورغم التحولات الحديثة في قطاع المطاعم، لا يزال المنسف يحتفظ بطقوسه التقليدية، سواء في طريقة التحضير أو التقديم أو حتى تناوله باليد اليمنى في المناسبات الاجتماعية الكبيرة.
المصدر: الجزيرة