بعد قرنين على إلغاء العبودية، تتحرك فرنسا لإسقاط قانون العبودية “كود نوار” الذي حوّل البشر إلى ملكية، في خطوة رمزية تفتح نقاش الإرث الاستعماري والتعويضات الكبرى المتراكمة.
وقد تبنى المجلس الوطني الفرنسي (البرلمان)، اليوم الخميس، مشروع القانون الذي سيلغي قانون العبودية الأسود، وهو المرسوم الذي وقّعه الملك لويس الـ14 عام 1685 لتنظيم شؤون العبيد في جميع أنحاء المستعمرات الفرنسية.
وصوّت البرلمان الفرنسي في مظهر نادر للإجماع بواقع 254 صوتا مقابل صفر لصالح مسودة القانون التي تلغي قانون العبودية الأسود المعروف باسم “الكود الأسود”. ويُعَد التصويت خطوة مهمة فيما يتعلّق بالماضي الاستعماري لفرنسا.
حوّل هذا القانون البشر إلى سلع، مما سمح باستغلالهم في العمل، وضربهم، وبيعهم، واغتصابهم، وقتلهم، وقد أثار إدراك أن فرنسا لم تلغِ هذا القانون رسميا استياء واسعا في المجلس الوطني، حيث احتدم النقاش.
وقال ستيفي غوستاف، وهو مشرع ينحدر من أصول مارتينيكية مستعبدة -نسبة إلى مجموعة جزر تقع في البحر الكاريبي– لزملائه: إن الإلغاء ضروري “لكن لا يمكن لأي تصويت بمفرده أن يُصلح قرونا من المعاناة”.
وأضاف وهو ينفجر بالبكاء: “لسنا من نسل العبيد، بل من نسل بشر وُلدوا أحرارا، ثم حُرموا من أبسط حقوقهم، وامتدت إمبراطوريتها لاحقا إلى 4 قارات”.
ويرى آخرون أن إلغاء قانون العبيد يحمل دلالة أعمق، فهو، كما يزعمون، عرضٌ من أعراض بلد لم يُعالِج ماضيه بشكل كامل، وهي إحدى الخطوات البطيئة العديدة التي يخطوها في هذا المسار.

ماضي فرنسا
يرى المراقبون أن إلغاء هذا القانون رسميا هو الجزء الأسهل من الناحية القانونية. فقد قانون العبيد سلطته بالكامل عام 1848، عندما ألغت فرنسا العبودية.
ولم تتخلَّ فرنسا عن مستعمراتها التي كانت تُمارس فيها العبودية، فقد أصبحت أقدم 4 مستعمرات هي غوادلوب، ومارتينيك، وغويانا الفرنسية، وريونيون، مقاطعات فرنسية ما وراء البحار كاملةً عام 1946، وهذا يعني أنها تُدار من باريس كأي مقاطعة أخرى.
ويبلغ عدد سكان هذه المستعمرات نحو 1.9 مليون نسمة، معظمهم من نسل المستعبدين، وهم مواطنون فرنسيون، وعلى الرغم من كونها جزءا لا يتجزأ من فرنسا، لا تزال المقاطعات ما وراء البحار من بين أفقر أراضيها، إذ يبلغ معدل البطالة فيها ضعف معدله في البر الرئيسي تقريبا، ويعيش أكثر من ثلاثة أرباع الأسر في مايوت تحت خط الفقر الوطني.
الصدمة
قبل أن يكتشف الحقيقة، لم يكن النائب الفرنسي الذي قدّم اقتراح إلغاء القانون يعلم أنه لا يزال ساريا، وكان ماكس ماتياسين، من غوادلوب، قد اشترى نسخا من نص القانون على مر السنين وتركها على الرف.
يقول صاحب الاقتراح: “بصفتي حفيدا لأجداد كانوا مُستعبدين، لم أتمكّن قط من قراءته كاملا. لقد صُنع هذا القانون من قِبل بشر – ضد بشر”.
وبالنسبة له، يُمثّل التصويت “وسيلة لاستعادة أسلافنا، واستعادة إنسانيتنا” أمام فرنسا التي شعارها الحرية والمساواة والإخاء، “إنه يعني الوفاء بالوعد الجمهوري، معتبرا أن هذا الوعد لا يزال غائبا في الوطن”.
وقال ماتياسين: “في غوادلوب، يشغل البيض أهم المناصب في مؤسسات الدولة، معتبرا ذلك استثناء استعماريا لم ينتهِ قط. يرأس مؤسسة ذاكرة العبودية رئيس الوزراء الأسبق جان مارك أيرو، ويشغل منصب نائب المدير بيير إيف بوكيه، وكلاهما رجلان أبيضان”.
يصف بوكيه “القانون الأسود” بأنه مهد “الاستثناء الاستعماري” في فرنسا، وهو المبدأ الذي يسمح بتعليق الحقوق التأسيسية للجمهورية الفرنسية لمن يخضعون لحكمها”.
ويقول إن هذا المبدأ استمر بعد زوال الإمبراطورية: “حتى اليوم، نقبل أن يتمتع سكان الأقاليم ما وراء البحار بحقوق أقل من سكان فرنسا الأم”.

أرقام لا أسماء
ليست فرنسا الدولة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ ببقايا إمبراطورية، فالمملكة المتحدة والولايات المتحدة لا تزالان تمتلكان أقاليم ما وراء البحار.
لكن ما يميّز فرنسا، بحسب المراقبين، هو أنها جعلت مستعمراتها التي كانت تُمارس فيها العبودية إدارات تابعة للجمهورية، لا مجرد توابع تحكمها عن بُعد. وتصر الدولة على أن الأقاليم ما وراء البحار جزء لا يتجزأ من فرنسا كغيرها، حتى مع قول سكانها إنهم يُعاملون معاملة أقل شأنا.
بالنسبة لماكس ريلوزات (81 عاما)، رئيس جمعية ذاكرة العبودية، فيرى أنه “لا تزال فرنسا تعيش شكلا من أشكال الفصل العنصري”، لذا يعتبر إلغاء قانون الفصل العنصري أمرا بالغ الأهمية، نظرا لقلة ما حظي به من اهتمام.
لم يكن لجده الأفريقي اسم بموجب القانون، بل رقم ورمز تسجيل فقط، وقد مُنحت العائلة التي عاشت في مارتينيك اسم ريلوزات عند التحرير، على الأرجح نسبةً إلى نيلوزات، وهي قرية في منطقة أوفيرن بوسط فرنسا. يقول ماكس: “إن ما يثير استياءه هو كون ما تُخلّفه هذه الرمزية العنصرية الممنهجة في فرنسا لم يُمَس”.
ويوضح أنه “تحت غطاء التقسيم الإداري، استمر النظام الاستعماري”، ويسأل إذا كانت الأقاليم ما وراء البحار جزءا من فرنسا، فلماذا توجد وزارة خاصة بها؟ ما زلنا في فرنسا اليوم نعيش شكلا من أشكال الفصل العنصري.. شكلا من أشكال الاستمرارية الاستعمارية”.
إرث العبودية
بالنسبة لبعض الذين ناضلوا أطول فترة، لا يُمثل اليوم الحدث المفصلي الذي يبدو عليه، وبالنسبة لفلورنس ألكسيس، خبيرة شؤون العبودية وابنة الكاتب الهايتي جاك ستيفن ألكسيس، جاءت نقطة التحول الحقيقية قبل 25 عاما. ففي عام 2001، جعل قانون توبيرا فرنسا أول دولة تُصنّف تجارة الرقيق والعبودية جرائم ضد الإنسانية.
وتقول ألكسيس: “هذا ما غيّر حياتي”. وبالنسبة لها، العنصرية إرث العبودية نفسها، وليست نتاج مرسوم واحد. وتعود بالذاكرة إلى طفولتها فتقول: “عندما كنت طفلة في المدرسة، كانوا يُنادونني بالقرد الصغير. كان الناس يُصدرون أصواتا تُشبه أصوات الحيوانات عندما كنت أمر كما يفعلون حتى اليوم في ملاعب كرة القدم”.
وترحّب إيلودي ليون، 29 عاما، المولودة في باريس، والتي تنحدر عائلتها من غويانا الفرنسية، بإلغاء القانون، لكنها مستاءة من التأخير معتبرة أن “الإهمال الرمزي إهمال أيضا”.
وقالت مورييل جان بابتيست، وهي ممرضة مولودة في باريس، وينحدر والداها من مارتينيك، وهي مقاطعة فرنسية ما وراء البحار في منطقة الكاريبي: “هذا يُصيبني بالصدمة، فلقد تُرك قانون يُعامل السود كملكية دون رقابة”.
التعويض بالكلمات
في الذكرى الخامسة والعشرين لقانون توبيرا في 21 مايو/أيار، طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فكرة التعويضات -وهو أمر لطالما تجنّبت فرنسا الخوض فيه-، وصفه ماكرون بأنه “مسألة لا يجب أن نرفضها”، ولكنه “مسألة لا يجب أن نُطلق فيها وعودًا كاذبة”، لكنه لم يُخصّص أي أموال، بل حدد التعويض أولا بقول الحقيقة والتثقيف والعمل التاريخي.
كانت أغنى مزارع فرنسا تقع في سان دومينغو، حيث ثار المستعبدون ونالوا استقلالهم عام 1804 تحت اسم هايتي. ثم أجبرت فرنسا المحررين على دفع تعويضات عن فقدان أسيادهم، وهو دين لم يُسدد إلا عام 1947.
وفرنسا ليست وحدها في هذا، ففي الولايات المتحدة، تعثرت تشريعات التعويضات الفدرالية لعقود. وافقت كاليفورنيا على اعتذار، لكن دون أي تعويضات مالية.
لكن توقيت خطاب ماكرون الأخير كان محرجا، فقبل شهرين، امتنعت فرنسا عن التصويت عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 123 صوتا مقابل 3 أصوات، مع امتناع 52 عضوا عن التصويت، على اعتبار تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي أفظع جريمة ضد الإنسانية.
وفي هذا الشهر، في “قمة أفريقيا إلى الأمام” التي عُقدت في كينيا، وبعد أيام من إعلانه نفسه “مؤيدا للوحدة الأفريقية”، أمسك ماكرون الميكروفون وأمر الحضور بالهدوء.
وحول هذا الموقف تقول النائبة الفرنسية المعارضة دانييل أوبونو: “بمجرد أن تطأ قدماه أرض القارة الأفريقية، لا يسعه إلا أن يتصرف كمستعمر”.
ويرى بوكيه أن إلغاء قانون “كود نوار” “لن يكون له أي أثر مباشر، يبقى أن نرى ما إذا كان سيساعد فرنسا في مكافحة العنصرية وعدم المساواة في أقاليمها ما وراء البحار”. أما ألكسيس فيقول: “من السهل على السلطات الفرنسية، وعلى ماكرون، القيام بذلك، لأنه لا يُلزمهم بشيء”.
المصدر: الجزيرة