يدخل الوضع في جنوب لبنان طورا جديدا من التصعيد، وسط تحذيرات من تحوله إلى نسخة أخرى من قطاع غزة، عقب توجيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش بتوسيع نطاق العملية العسكرية وإحكام قبضته على المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة حزب الله.
هذا التوجيه، الذي جاء بعد ساعات من إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف الإستراتيجية، وتأكيد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن قواته ستظل في القلعة كجزء من المنطقة الآمنة في لبنان، يشير إلى رغبة إسرائيل في فرض واقع ميداني جديد يتجاوز حدود جنوب نهر الليطاني، ويلوّح بضرب العاصمة بيروت والعمق اللبناني عموما.
وذكرت القناة 14 الإسرائيلية أن نتنياهو وكاتس يميلان إلى الموافقة على شن ضربات واسعة النطاق في مختلف أنحاء لبنان خلال الساعات المقبلة، وأشارت إلى أن من المتوقع إصدار أوامر إجلاء لمئات آلاف اللبنانيين قبل تنفيذ الهجمات المحتملة.
لكنْ، إلى أي مدى يمكن لإسرائيل تنفيذ مخططها، وما الرسائل الجوهرية من وراء التصعيد في هذا التوقيت؟

نتنياهو منتشيا: لقد كسرنا حاجز الخوف
وفي بيانه الذي أعلن فيه إعطاء جيش الاحتلال الضوء الأخضر لتوسيع المناورة العسكرية في لبنان، قال نتنياهو متفاخرا “قواتنا عبرت نهر الليطاني، وسيطرت على مناطق إستراتيجية، واستولت على قلعة الشقيف”.
وتوعد نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب- باحتلال المزيد من الأراضي، زاعما القضاء على 700 عنصر من حزب الله خلال شهر مايو/أيار الجاري، ومشددا بالقول “لقد كسرنا حاجز الخوف”.
وحول قلعة الشقيف -التي كانت إسرائيل انسحبت منها عام 2000- قال نتنياهو “أذكركم أنه قبل 44 عاما كان هذا المكان رمزا لمعركة بطولية خاضها مقاتلونا، لكنه كان أيضا رمزا لانقسام عميق بيننا”، في إشارة إلى خلافات وقعت مع اجتياح إسرائيل لبنان واحتلالها قلعة الشقيف عام 1982 إثر خسائر بشرية وقعت بصفوف الجيش الإسرائيلي آنذاك.
وتابع نتنياهو “اليوم عدنا إلى قلعة الشقيف بشكل مختلف، عدنا موحدين، وأقوى من أي وقت مضى”، وتفاخر بالاعتداءات الإسرائيلية على دول عربية، قائلا “نعمل على جميع الجبهات، في سوريا، وغزة، ولبنان”.
وبينما يتحدث نتنياهو، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية على بلدات عدة في الجنوب، خصوصا في قضاءي النبطية وصور.
لماذا لن تُقدم إسرائيل على ضرب عمق لبنان؟
رغم تواتر الحديث من المستوى السياسي في إسرائيل على توسيع الإطار التقليدي للعملية العسكرية في جنوب لبنان، وتجاوزه إلى العاصمة بيروت وغيرها من المناطق، فإن محللين يشككون بقدرة إسرائيل على تنفيذ هجمات واسعة، مع الإجماع على رغبة الحكومة الإسرائيلية في ذلك.
ويخلص مراقبون إلى أن التلويح بتوسيع العملية، يصطدم بقوة الردع التي يملكها حزب الله، والتي لا تزال قادرة على إيلام إسرائيل على نحو تصاعدي، فضلا عن أن التصعيد الإسرائيلي في الوقت الحالي يستهدف إرسال رسالتين، إحداهما للداخل الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات، والأخرى لواشنطن في إطار المفاوضات مع طهران.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي، جورج علم، أن إسرائيل تسعى لتنفيذ سياسة “الأرض المحروقة” ضمن معادلة “كل الأسلحة في كل المعركة”، وأنها تتعامل مع الجنوب وكأنه قطاع غزة.
“خلط الأوراق في المنطقة كلها”
وحذر علم -في حديث للجزيرة- من أن استمرار الوضع التصعيدي الحالي، لا يعني فقط استباحة لبنان، إنما إشعال الحرب في المنطقة برمّتها، معتبرا أن توسيع العمليات العسكرية يأتي في إطار تحسين شروط التفاوض سواء بالنسبة لإيران، أو إسرائيل وأمريكا على الساحة اللبنانية.
أما الكاتب والمحلل السياسي خليل نصر الله، فيحذر من أنه “سيعاد خلط الأوراق في كل المنطقة”، إذا ذهبت إسرائيل إلى توسيع العملية في لبنان، مستبعدا الوصول إلى هذه المرحلة، ومشيرا إلى أن تل أبيب سعت إلى ذلك أكثر من مرة مؤخرا، غير أنه لم يُسمح لها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
إن نُفذت العملية.. لماذا لن تنجح بتحقيق أهدافها؟
لقد جرى الإعلان عن احتلال قلعة الشقيف الإستراتيجية ورفع علم إسرائيل، في إطار الحديث عن توسيع العملية والاستعداد للسيطرة على مزيد من الأراضي.
بيد أن الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أمان تامير هيمان، شدد على أن الاستيلاء على القلعة لن يقضي على تهديد الطائرات المسيرة التي يطلقها حزب الله.
وفي تحليل نشره على موقع القناة 12 الإسرائيلية، قال هيمان إن توسيع مناورة الجيش الإسرائيلي والسيطرة على قلعة الشقيف يشكلان مكسبا تكتيكيا مؤقتا، لكنْ من دون هدف إستراتيجي واضح، وقد يتحولان إلى عبء عملياتي ثقيل.
وأكد أن السيطرة على الأرض لن تقضي بالكامل على تهديد الطائرات المسيّرة أو إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، قبل أن يتساءل: ما الهدف الإستراتيجي من توسيع العملية؟
وقال إنه لو كان الهدف السيطرة على منطقة أُطلقت منها طائرات مسيّرة مفخخة، فإن إطلاق النار يتم أيضا من مناطق عديدة أخرى، وبالتالي فإن السيطرة على هذه المنطقة لن تؤدي إلى إزالة التهديد بالكامل.
كما خلص إلى أن السيطرة على كامل مرتفعات النبطية ومدينة صور وكل المنطقة حتى نهر الليطاني لن تؤدي إلى هزيمة الحزب، مؤكدا أن مراكز ثقله تقع في بعلبك وبيروت، وقدراته الصاروخية بعيدة المدى موزعة على عمق كامل الأراضي اللبنانية.

كيف يمكن أن يرد حزب الله؟
في مقابل التهديدات التي أطلقها نتنياهو اليوم، أعلن حزب الله عن سلسلة عمليات استهدفت تجمعا لآليات وجنود إسرائيليين في البياضة ويحمر الشقيف جنوبي لبنان، إضافة إلى مهبط مروحيات بمستوطنة شلومي، وبنى تحتية عسكرية في نهاريا والكريوت شمال حيفا.
وبدأ حزب الله بتكثيف قصف العمق الإسرائيلي، أمس السبت، بالتزامن مع حدة الاشتباكات في مرتفعات شقيف.
ويلفت الكاتب نصر الله إلى أن الحزب قصف المستوطنات الإسرائيلية قبل وبعد السيطرة على قلعة الشقيف، في ظل حديث إسرائيل عن احتلال قلعة شقيف، بغرض “حماية المستوطنات”.
وكان كاتس أعلن أن الاستيلاء على القلعة، يأتي في سبيل الدفاع عن مستوطنات الجليل، شمالي إسرائيل.
وخلص نصر الله، إلى أن رسالة الحزب من عملياته الأخيرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي والمستوطنات، تحمل دلالة بأن “الإمكانات لدى الحزب والقرار بيديه”، في إشارة إلى الردع الذي يمكن أن يشكّله الحزب.
وكان موقع “والا” الإسرائيلي، كشف الأحد، أن عددا من رؤساء المستوطنات في شمال إسرائيل “فرّوا”، جراء تصاعد هجمات حزب الله بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المستوطنات القريبة من الحدود اللبنانية، في وقت تشهد فيه المنطقة توترا أمنيا متزايدا.
ومنذ صباح اليوم، دوت صفارات الإنذار أكثر من 10 مرات في المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، بعد إطلاق حزب الله صواريخ وطائرات مسيرة، وسط تكتم تل أبيب على الخسائر.
ما الأهداف الجوهرية إذن لإسرائيل؟
في نظر محللين، فإن الإعلان عن توسيع العملية في لبنان، جاء لخدمة الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، إلى جانب سعيه لاكتساب ورقة ضغط، قبيل احتمال إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
- منجز يقنع الناخب الإسرائيلي
ويقول الكاتب جورج علم، إن نتنياهو وكاتس يحاولان استثمار الناخب الإسرائيلي في الداخل، عبر تكثيف الغارات على لبنان، في سبيل القول إنه جرى فرض أمر واقع جديد، لجذب الناخبين على أبواب الانتخابات الإسرائيلية، لا سيما أن ثمة انتقادا عاما سائدا في إسرائيل لنتنياهو، جراء عدم تحقيق أي من الأهداف المعلنة للحروب التي خاضها، سواء في إيران، أو لبنان، أو غزة.
- “ورقة ابتزازية” لجني مكاسب سياسية
أما المسعى الإسرائيلي الآخر وراء إعلان التصعيد -في نظر علم- فيتمثل بامتلاك نتنياهو ما وصفها بـ “ورقة ابتزازية”، من أجل تحصيل مكاسب سياسية، خصوصا في ظل الضبابية التي تكتنف الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران.
- الإعداد لمفاوضات لاحقة
وبالنسبة للمحلل السياسي خليل نصر الله، فرجّح حصول رئيس الوزراء الإسرائيلي مهلة أمريكية قبل إبرام مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرا إلى أنه (نتنياهو) يسعى لتحقيق منجز ميداني، تمهيدا لجولات التفاوض لاحقا وليس الآن، من أجل وضع ترتيبات مختلفة عن اتفاق 1701.
المصدر: الجزيرة