علماء يفكون لغز تحول الإجهاد النفسي إلى خلل جنسي مزمن

توصل علماء إلى فهم جديد لكيفية تحول الإجهاد النفسي إلى خلل جنسي مستمر، وذلك من خلال دراسة بسيطة على ذبابة الفاكهة كشفت دور الدوبامين في إطالة أمد المشكلة.

ويعد الخلل الجنسي المرتبط بالصدمات النفسية، مثل اضطراب الكرب التالي للرضح (PTSD)، ظاهرة معروفة لكن آلياتها البيولوجية ظلت غامضة لعقود.

فبينما توجد أدلة قوية على أن الإجهاد الشديد يثبط الرغبة الجنسية، لم يتمكن العلماء من تحديد ما الذي يحدث بالضبط داخل الدماغ ليحول تجربة مؤقتة إلى مشكلة طويلة الأمد.

وللتغلب على صعوبة دراسة هذه الآليات مباشرة في البشر، لجأ فريق البحث من جامعة طوكيو متروبوليتان، بقيادة البروفيسور تاكاومي ساكاي إلى ذبابة الفاكهة (Drosophila)، وهو كائن حي نموذجي يستخدم على نطاق واسع في المختبرات. فرغم صغر حجم ذبابة الفاكهة، إلا أن مساراتها البيوكيميائية مشابهة بشكل كاف لتلك الموجودة في الثدييات، ما يسمح للعلماء بدراستها بسهولة أكبر واستخلاص استنتاجات تنطبق على نطاق أوسع من الكائنات.

وابتكر الفريق طريقة جديدة لدراسة الإجهاد على الذباب، وهي حبس ذكور الذباب في مساحة صغيرة جدا لفترات زمنية متفاوتة، ثم مراقبة سلوكهم في التودد والتزاوج بعد ذلك.

وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها طريقة “إجهاد المساحة الصغيرة” لدراسة ذبابة الفاكهة.

ووجدت النتائج أن ذكور الذباب التي حجزت لمدة 10 دقائق فقط لم تظهر أي تغيير في سلوكها، واستمرت في التودد بشكل طبيعي.

لكن الذباب الذي حجز لمدة 30 أو 60 دقيقة أظهر تثبيطا واضحا لسلوك التودد. والأكثر إثارة للاهتمام، أن مدة هذا التثبيط كانت تتناسب طرديا مع مدة الإجهاد. فبعض الذباب الذي تعرض للحجز لمدة 7 ساعات أو 24 ساعة استمر في تثبيط سلوك التودد لمدة خمسة أيام كاملة بعد انتهاء الإجهاد. وللتأكد من أن الظاهرة خاصة بالسلوك الجنسي، نفى الباحثون أن تكون ناتجة عن انخفاض عام في الحركة أو الشهية.

وبعد أن أثبت الفريق وجود العلاقة بين الإجهاد وتثبيط السلوك الجنسي، انتقل إلى السؤال الأهم: ما هي الآلية الكيميائية المسؤولة عن ذلك؟. وركز العلماء على الدوبامين، وهو ناقل عصبي معروف بدوره المحوري في المتعة والمكافأة والاستجابة للإجهاد.

ولاختبار دور الدوبامين، قام الفريق بتثبيط إنتاج هذه المادة الكيميائية في أدمغة ذباب الفاكهة، إما عن طريق التعديل الوراثي أو باستخدام أدوية كيميائية. النتائج كانت مفاجئة: تثبيط الدوبامين لم يؤثر على ما إذا كان الذباب سيتوقف عن التودد من الأساس. فالإجهاد كان ما يزال يسبب تثبيط السلوك الجنسي حتى في غياب الدوبامين. لكن الشيء الذي تغير جذريا كان هو المدة التي يستمر فيها هذا التثبيط. فالذباب الذي تم تثبيط الدوبامين لديه كان يتعافى بشكل أسرع، ويعود إلى سلوك التودد الطبيعي في وقت أقصر بكثير من الذباب السليم.

وهذا يعني أن الدوبامين ليس مسؤولا عن بدء المشكلة، بل هو المسؤول عن استمراريتها. إنه المفتاح الذي يحول تأثير الإجهاد من عابر إلى مزمن.

وتمكن الباحثون أيضا من تحديد الموقع الدقيق في الدماغ الذي يحدث فيه هذا التأثير. وجدوا أن الدوبامين يعمل عبر منطقة تسمى “الجسم الفطري” (Mushroom Body)، وهي منطقة مرتبطة بمعالجة المعلومات الحسية والتعلم والذاكرة. وداخل هذه المنطقة، توجد مستقبلات محددة للدوبامين تتوسط في استدامة السلوك الناجم عن الإجهاد.

ورغم أن الدراسة أجريت على ذبابة الفاكهة، إلا أن أهميتها تتجاوز هذه الحشرة الصغيرة بكثير. فالخبراء يعتبرون هذه النتائج دليلا حاسما لفهم كيف يؤثر الإجهاد على السلوك والرفاهية في كائنات أخرى، بما في ذلك البشر.

كما تفتح الباب أمام إمكانية تطوير علاجات جديدة للمشاكل الجنسية المرتبطة بالصدمات النفسية، ربما عن طريق استهداف نظام الدوبامين في الدماغ.

المصدر: نيوز ميديكال

 

المصدر: روسيا اليوم