مع كل قفزة جديدة في قدرات الذكاء الاصطناعي، يتكرر سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: ماذا لو التهمت الخوارزميات والروبوتات ملايين الوظائف التي يقوم بها البشر اليوم؟
استطلاعات رأي حديثة في الولايات المتحدة تشير إلى أن نسبة كبيرة من الناس تخشى “كارثة وظائف ” محتملة، وهو هاجس يردده أيضا بعض قادة شركات الذكاء الاصطناعي وسياسيون بارزون. ومع ذلك، يذكرنا اقتصاديون بأن موجات التكنولوجيا السابقة لم تمحُ العمل تماما، بل أعادت تشكيله، تاركة بعض الفئات خاسرة وأخرى رابحة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
في هذا السياق يناقش تقرير نشرته صحيفة الواشنطن بوست خمس أفكار سياسية واقتصادية رئيسية يرى أصحابها أنها يمكن أن تساعد المجتمعات على التكيف مع صدمة الذكاء الاصطناعي، إذا حدثت.
1. ضرائب على الذكاء الاصطناعي ومن يستفيد منه
الفكرة الأولى تدعو إلى فرض ضرائب إضافية على الشركات الكبرى التي تجني أرباحا استثنائية من الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وعلى الأثرياء الذين يملكون حصصا كبيرة في هذه الشركات. الفكرة قريبة مما يعرف أحيانا باسم “ضريبة الروبوتات “.
يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن النظام الضريبي الحالي يشجع الشركات على استبدال العمال بالآلات، لأن الاستثمار في التكنولوجيا يحصل غالبا على معاملة ضريبية أفضل من الإنفاق على الأجور والتدريب. لذلك يقترحون تعديل هذه الحوافز، واستخدام الإيرادات الجديدة لتمويل إعانات البطالة والتأمين الصحي وبرامج إعادة التأهيل المهني.
في المقابل، يحذر منتقدون من أن الضرائب المرتفعة قد تدفع بعض الشركات إلى نقل استثماراتها أو تبطئ الابتكار، كما أن تصميم ضريبة عادلة على “الذكاء الاصطناعي ” نفسه ليس مهمة تقنية بسيطة.

2. تقوية شبكات الأمان الاجتماعي
بدلا من ابتكار أدوات جديدة بالكامل، يقترح اتجاه آخر التركيز على ما هو موجود أصلا: أنظمة إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية.
الفكرة هنا أن يتم توسيع هذه الشبكات لتشمل، مثلا العاملين بدوام جزئي والعاملين لحسابهم الخاص، وزيادة مدة وقيمة الإعانات للعاملين الذين يفقدون وظائفهم بسبب الأتمتة، مع تحسين خدمات الإرشاد المهني والبحث عن عمل.
هذه المقاربة تحظى بدعم خبراء يرون أن البنية القانونية والمالية لشبكات الأمان موجودة بالفعل، لكنها تحتاج إلى تحديث وتوسيع، لا إلى إعادة اختراع كاملة. لكن المعارضين يذكّرون بأن توسيع هذه البرامج يعني أعباء مالية كبيرة على الميزانيات العامة، ونقاشات سياسية حادة حول من يدفع الكلفة.
3. إعداد العمال لعصر الذكاء الاصطناعي
التدريب وإعادة التأهيل المهني يكادان يكونان النقطة المشتركة في معظم الخطط المطروحة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: إذا كانت بعض الوظائف ستختفي أو تتقلص، يجب مساعدة الناس على تعلم مهارات جديدة تتلاءم مع وظائف المستقبل.
تشمل المقترحات هنا برامج تدريب تمولها الحكومات أو الشركات، مع دعم مالي مؤقت لمن ينتقل إلى وظيفة جديدة براتب أقل في المراحل الأولى، واستخدام بيانات سوق العمل لتحديد المهارات الأكثر طلبا.
لكن التجربة التاريخية تجعل بعض الاقتصاديين أكثر حذرا، إذ تشير دراسات إلى أن نتائج برامج التدريب كانت متباينة، وأن نجاحها يعتمد على جودة المحتوى وارتباطه الفعلي بوظائف متاحة وقدرة المتدربين على تحمل عبء التعلم والعمل في الوقت نفسه.

4. توزيع عوائد الذكاء الاصطناعي على المجتمع
إذا كان الذكاء الاصطناعي سيولد ثروات هائلة في أيدي عدد محدود من الشركات والمستثمرين، كما يتوقع كثير من المحللين، فهل يمكن أن يحصل باقي المجتمع على “نصيبه ” من هذه المكاسب؟
هذا السؤال يقود إلى الفكرة الرابعة: آليات لتوزيع عوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع. بعض المقترحات تتحدث عن دخل أساسي مضمون يمول جزئيا من أرباح شركات التكنولوجيا، أو عن “عائد ذكاء اصطناعي ” مشابه لفكرة الصناديق السيادية التي توزع جزءا من عائدات النفط على المواطنين.
وتذهب أفكار أخرى إلى إلزام الشركات التي تستبدل العمال بالأنظمة الذكية بتخصيص جزء من وفوراتها لتمويل برامج إعادة التدريب، أو منح العاملين السابقين حصصا في الشركة.
مع ذلك، تظل هذه المقترحات موضع جدل كبير. فالنقاش لا يدور فقط حول العدالة، بل أيضا حول حجم الموارد الممكن جمعها وكيفية توزيعها وتأثيرها على الحوافز للعمل والاستثمار.
5. الانتظار ورصد ما يحدث أولا
على الطرف الآخر، هناك من يحذر من سن سياسات جذرية قبل معرفة حجم المشكلة بدقة. حسب هذا الرأي، لا يزال من المبكر الحكم على التأثير الفعلي للذكاء الاصطناعي في سوق العمل، أو تحديد المهن التي ستختفي وتلك التي ستتوسع.
يرى أنصار هذا الاتجاه أن التاريخ مليء بإنذارات مبالغة حول “نهاية العمل “، لم تتحقق كما تصورتها المخاوف الأولى. ويؤكدون أن الاقتصاد يملك أدوات تقليدية للتعامل مع الصدمات، مثل سياسات التوظيف الكلي وإعانات البطالة والسياسات النقدية، من دون الحاجة إلى إعادة صياغة النظام الضريبي أو تبني برامج ضخمة مثل الدخل الأساسي.
لكن منتقدين لهذا الموقف يرون أن الانتظار قد يعني ترك العمال الأضعف يواجهون التحولات وحدهم، وأن التخطيط المسبق أفضل من رد الفعل المتأخر.
بين الخوف من الأسوأ والأمل في التكيّف
تعكس هذه الأفكار الخمس خليطا من القلق والبراغماتية. فالذكاء الاصطناعي قد لا يقضي على العمل كما نعرفه تماما، لكنه بالتأكيد سيعيد تشكيله على نحو عميق، كما فعلت الثورة الصناعية والحواسيب والإنترنت من قبل.
بين فرض ضرائب جديدة وتقوية شبكات الأمان والاستثمار في التدريب وتوزيع العوائد والاكتفاء بالمراقبة والانتظار، لا يزال العالم بعيدا عن توافق واضح حول “الوصفة ” المناسبة.
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف أم لا، بل كيف نتأكد من أن مكاسبه لا تذهب إلى قلة، وأن كلفته لا يدفعها فقط من يجدون أنفسهم فجأة خارج سوق العمل.
المصدر: الجزيرة