كانت تحمل “رائحة مكة والمدينة”.. ماذا حدث لهدايا الحجاج المصريين؟

العودة من الحج لا تشبه أي سفر آخر. لسنوات طويلة اعتاد المصريون أن يودعوا الحاج باستقبال رسمي وشعبي: رسومات الكعبة والطائرة أو السفينة على جدران البيوت، الولائم في انتظار العائد، فرق المزمار البلدي عند باب البيت، وذبائح تُنحر على قدميه.

ثم تأتي اللحظة الأهم لأهل الحاج وجيرانه، وهي فتح الحقيبة وتوزيع الهدايا التي تحمل “رائحة مكة” و”طيف المدينة المنورة”.

اقرأ أيضا

list of 4 items

  • list 1 of 4الحج.. مقاصد التوحيد وبناء الإنسان والأمة
  • list 2 of 4أيام الله.. الحج مدرسةُ الصبرِ والاحتسابِ
  • list 3 of 4أيام الله.. الحج الذي يصنع الإنسان
  • list 4 of 4الحج مدرسة إيمانية وتربوية وأخلاقية عظيمة

end of list

اليوم تبدلت الطقوس، اختفت رسومات الجدران والتهم التضخم الذبائح والولائم وحلت سجادة الصلاة ومسبحة من الحسين محل مثيلاتها التي كانت تأتي من جوار النبي.

حج في الحجاز.. وهدايا من الحسين

تغيرت رحلة الحج نفسها، خفّت مشقة السفر وبقيت فرحة الاستطاعة، لكن هدايا “المقدرة” تراجعت. بحث الحجاج المصريون عن مخرج يمنحهم هدايا أقل كلفة للأهل والأصدقاء، فوجدوا في الأزهر والحسين في قلب القاهرة سوقا بديلا عن أسواق المدينة المنورة ومكة.

“التربيعة” في الأزهر وسوق “أم الغلام” بجوار الحسين أغنت كثيرين عن التكلفة الباهظة للهدايا القادمة من “أرض الحجاز” كما يسميها الحاج علي العدوي، الذي سافر للحج عام 1990 في الخمسين من عمره، ترافقه زوجته، في رحلة كلفت 4 آلاف جنيه فقط (الدولار كان يساوي نحو 3 جنيهات آنذاك)، شملت السفر والتأشيرة والإقامة والملابس الجديدة وملابس الإحرام والهدايا.

يتذكر أبناؤه حتى اليوم ما حمله معهم: ساعة يد لكل ولد، بطانية لجهاز كل ابنة، وحقيبة ممتلئة بالجلابيب البيضاء والسبح وسجاجيد الصلاة، كلها تغشاها رائحة المسك.

بديلا عن مكة والمدينة.. حيلة المصريين لهدايا حج رخيصة من الأزهر والحسين
حسام صاحب محل سجاد الهدايا في سوق “أم الغلام” (الجزيرة)

الأزهر والحسين.. موسم بديل لهدايا الحج

التضخم الذي طغى على كل شيء في القاهرة انعكس مباشرة على هدايا الحجاج. أغلبهم صار يبحث عن بدائل أرخص في “أم الدنيا”، فتحولت منطقة الأزهر والحسين إلى سوق كبرى لمستلزمات الحج، ما قبل السفر وما بعده.

لم يعد التسوق هناك مقتصرا على ملابس الإحرام والقطنيات الملائمة للرحلة، بل انتعشت أيضا سوق سجاجيد الصلاة وورش السبح قبل موسم الحج، وصار الحاج يشتري جزءا كبيرا من هداياه من قلب القاهرة.

ما فعله التعويم بهدايا الحجاج

يقول تاجر السجاد حسام علاء الدين (36 عاما) للجزيرة نت إنه يعمل بسوق “أم الغلام” منذ التسعينيات، في محل والده الذي يبيع السجاد اليدوي والحرير بالإضافة إلى سجاد الصلاة وهدايا الحج.

إعلان

يوضح “منذ حوالي عشر سنوات بدأ المصريون يقبلون على شراء هدايا الحج من الأزهر والحسين بدلا من مكة والمدينة، بسبب ارتفاع الأسعار هناك وانخفاض الجنيه أمام الدولار، وبالتالي ارتفاع الريال السعودي، الريال بقى بحوالي 15 جنيها بعد ما كان بجنيه ونصف من 10 سنين”.

سجاد صلاة صناعة سورية (الجزيرة)

لكن ارتفاع سعر الريال ليس العامل الوحيد، يضيف: “الدولة واقفة استيراد سجاجيد الصلاة والسبح، واحنا معتمدين على التصنيع المحلي، عشان كده السوق مليان والمصانع لازم تبيع في الموسم وإلا المنتج هيفضل عندها للسنة الجاية. لذلك السعر جوه مصر في أجود الأنواع ينافس الموجود في السعودية بكل الخامات المستوردة من تركيا والصين هناك، لأن حتى رغم اللي عندهم من دول تانية برضه بيستوردوا من مصر، المنتج المصري أعلى”.

سجادة مصرية.. وصنعة سورية

أسعار سجاجيد الصلاة المخصصة لهدايا الحج تتراوح -بحسب نوع القماش- من 80 جنيها حتى 400 (الدولار اليوم يساوي نحو 52 جنيها). هناك طبقة واحدة من القطيفة أو طبقتان، وتختلف أنواع القطيفة بين “الشانيليا” و”العجمية” و”العادية”.

يقول حسام إن صناعة سجاجيد الصلاة في مصر استحوذ عليها السوريون، فباتوا يمتلكون -بحسب تقديره- نحو 99% من مصانع سجاد الصلاة، بينما يظل “النساجون الشرقيون” المنافس المصري الأبرز بسجادة الصلاة التقليدية ذات التصميم القديم.

فتح موسم هدايا الحج الباب أمام أشكال جديدة من التصاميم، ظهرت “حقيبة الصلاة” التي تضم سجادة صغيرة مع مصحف، ويتراوح سعرها -بحسب الحجم والخامة- بين 150 و300 جنيه.

بديلا عن مكة والمدينة.. حيلة المصريين لهدايا حج رخيصة من الأزهر والحسين
حقيبة الصلاة وأحجامها (الجزيرة)

مسبحة الحج بـ10 جنيهات

“سجادة وسبحة”، هدية تقليدية لا تكاد تخلو منها حقائب الحجاج. المسبحة التي تذكر عليها أسماء الله وأذكار الأنبياء جزء ثابت من “نصيب” الأقارب والجيران.

في سوق السبح بالحسين، يقول مهند -أحد الباعة- إن أكثر الأنواع إقبالا من الحجاج هي السبح الخشبية بأنواعها، التي تُباع -في الجملة- بنحو 150 جنيها للدستة، أي ما يقارب 10 جنيهات للسبحة الواحدة، بينما يصل سعر “سبحة الكوك” إلى نحو 150 جنيها للسبحة.

يضيف مهند للجزيرة نت أن موسم الحج يشهد أكبر نسبة بيع للسبح، وجزء كبير من هذه المبيعات موجه للتصدير إلى السعودية في الموسم نفسه: “المصريين ناصحين، بيشتروا من مصر بربع التمن اللي هيجيبوها بيه من هناك”.

أما الأنواع الفاخرة من السبح، ذات الأحجار الباهظة، فقلما تُقدم كهدايا جماعية للحج، بل تُشترى كهدايا شخصية محددة أو للاقتناء كنوع من الوجاهة والفخامة، تبعا لنوع الحجر وخامته وقصته.

وسواء جاءت الهدية من أسواق مكة أو من دكاكين الحسين، يظل جوهر الحج في الخطوة التي تُقطع نحو البيت الحرام، وفي قلب عاد ممتلئا قبل حقيبة ممتلئة، فالبركة ليست في البلد الذي خرجت منه الهدية بل في القلب الذي عاد من الرحلة واليد التي تمتد بالمحبة لا ببطاقة السعر.

 

المصدر: الجزيرة