كيف أعادت حرب إيران تشكيل التحالف العسكري الأمريكي الإسرائيلي؟

بدأت إسرائيل محادثات مبكرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لصياغة إطار أمني جديد طويل الأمد بين البلدين، سيحل محل مذكرة التفاهم الحالية التي وُقِّعت في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما والتي تنتهي صلاحيتها بحلول عام 2028، إذ تهدف تل أبيب إلى استغلال دروس المواجهات العسكرية الأخيرة التي ما زالت تخوضها.

هذا الحراك المبكر لا يستهدف مجرد تمديد الدعم المالي، بل يعكس تحولا إستراتيجيا فرضته الحرب الأخيرة مع إيران، يسعى للانتقال من صيغة “المساعدات المالية” إلى “الاندماج العملياتي الكامل”.

وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية بدء المحادثات الرسمية مع الإدارة الأمريكية، إذ جاء الإعلان مدفوعا بمتغيرات ميدانية وسياسية أفرزتها وقائع الميدان، لا سيما في الحرب الأخيرة ضد إيران وساحات إقليمية أخرى، فقد وضعت الحرب متعددة الجبهات منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأسلحة الذكية تحت ضغط غير مسبوق، مما تطلب جسورا جوية أمريكية عاجلة لتغطية النقص العسكري.

وفي الوقت ذاته، أثبتت المعارك أن مواجهة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية لا تعتمد على السلاح الإسرائيلي وحده، بل ارتكزت كليا على دمج رادارات البنتاغون والبيانات الفورية للأقمار الصناعية الأمريكية، وهو ما تريد تل أبيب مأسسته كبند دائم وثابت في الاتفاق الجديد لمنع تعرضها لاستنزاف دفاعي مستقبلي.

حمولة أسلحة بطائرات امريكية لاسرائيل المصدر وزارة الدفاع الإسرائيلية
حمولة أسلحة بطائرات أمريكية لإسرائيل (وزارة الدفاع الإسرائيلية)

وإلى جانب الحسابات الميدانية، يسود تحرك استباقي سياسي من جانب تل أبيب، إذ تخشى الأوساط الأمنية الإسرائيلية من تداعيات مسار المفاوضات الجارية حاليًا بين واشنطن وطهران للتوصل إلى “اتفاق إطار” أو تهدئة طويلة الأمد.

وتسعى إسرائيل بشكل واضح إلى استغلال اللحظة الراهنة ومخاوف واشنطن الإقليمية لتحقيق مكاسب إستراتيجية أوسع، عبر استخدام كلفة الحرب الباهظة وحالة عدم الاستقرار في لبنان وإيران كذريعة لإقناع الكونغرس والبيت الأبيض بأن البنية الأمنية القديمة لم تعد كافية لمواجهة “حرب الصواريخ الحديثة”، وبالتالي تأمين التزامات دفاعية أمريكية صلبة وغير قابلة للتراجع قبل توقيع واشنطن أي تفاهمات سياسية مع إيران.

إعلان

ويتضح ذلك جليا في كسر القيد التمويلي الذي فرضه اتفاق عهد أوباما، إذ تضمنت مذكرة التفاهم آنذاك رسالة التزام جانبية من الحكومة الإسرائيلية، تتعهد بموجبها بعدم التوجه إلى الكونغرس للمطالبة بميزانيات أو مساعدات إضافية تتجاوز سقف 3.8 مليارات دولار سنويا، إلا في حالات الطوارئ القصوى أو الحروب الكبرى، وهو قيد تهاوى بالفعل تحت وطأة الحرب في غزة والمواجهة مع إيران، اللتين أسفرتا عن تدفق مليارات الدولارات الإضافية كحزم دعم استثنائية خارج إطار الاتفاق الأصلي.

وتحاول إسرائيل استثمار الانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة خلال أشهر الحرب للتأكيد على أن التفوق العسكري الإسرائيلي هو الضمانة الوحيدة لمصالح واشنطن، مستهدفة الحصول على “تفويض مطلق” للعمل العسكري الحر في المنطقة.

ورغم التقارب الشديد مع إدارة ترمب، فإن التحرك الإسرائيلي محكوم أيضا بالقلق من نزعة ترمب الاندفاعية نحو إبرام صفقات سريعة لإنهاء الحروب (مثل محادثات وقف إطلاق النار الراهنة مع طهران) ولذا تبذل تل أبيب جهودا حثيثة لربط الإدارة بـ”اتفاقية تكبيلية” تمتد لعقدين قادمين تفاديًا لأي مفاجآت سياسية.

الاتفاقية مع أوباما

تُعد الاتفاقية القديمة، التي وقّعتها حكومة بنيامين نتنياهو مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في سبتمبر/أيلول 2016، الأكبر تاريخيا بقيمة إجمالية بلغت 38 مليار دولار موزعة على 10 سنوات (بمتوسط 3.8 مليارات دولار سنويا).

وشملت الاتفاقية تخصيص 33 مليار دولار للمشتريات العسكرية و5 مليارات دولار للدفاع الصاروخي المشترك، إلا أنها تضمنت شرطا أزعج إسرائيل بشدة، وهو إلزامها تدريجيا وصولا إلى عام 2028 بإنفاق كامل مبلغ المساعدة داخل السوق العسكرية الأمريكية حصرا.

JERUSALEM, ISRAEL - SEPTEMBER 30: U.S. President Barack Obama and Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu look onduring the funeral of Shimon Peres at Mount Herzl Cemetery on September 30, 2016 in Jerusalem, Israel. World leaders and dignitaries from 70 countries attended tthe state funeral of Israel's ninth president, Shimon Peres, in Jerusalem on Friday, after thousands of Israelis paid their last respects to the elder statesman who died on Wednesday. (Photo by Abir Sultan- Pool/Getty Images)
الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما (يسار) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (غيتي)

وفرضت اتفاقية أوباما إلغاء تدريجيا للامتياز التاريخي الذي كان يسمح لإسرائيل بإنفاق 26.3% من أموال المساعدات الأمريكية لشراء معدات من صناعاتها الدفاعية المحلية، وبموجب هذا الشرط، يتم تحويل كامل المبلغ تدريجيا ليُنفق حصريا داخل السوق والصناعات العسكرية الأمريكية، وهو ما أضر بقطاع التصنيع العسكري المحلي لدى دولة الاحتلال.

ومع تصفير بند المشتريات الخارجية، ستتحول ميزانية التمويل العسكري المتبقية بالكامل تقريبا نحو شراء الأسلحة أمريكية الصنع، مما يحرم الصناعات الدفاعية الإسرائيلية من العائد الاقتصادي المحلي ويجعل المنحة دعما مباشرا للشركات الأمريكية الكبرى.

ويأتي هذا التوجه مدفوعا بفرضية غير معلنة في نقاشات مذكرة التفاهم لما بعد عام 2028، مفادها أن التحالف السياسي التقليدي الداعم لأمن إسرائيل لم يعد تلقائيا كما كان منذ عام 1967، إذ يرصد معهد “غالوب” تراجعا مطردا في فجوة التعاطف لصالح الفلسطينيين منذ عام 2019، تزامنا مع اتساع الفجوة بين الأجيال داخل المجتمع اليهودي الأمريكي وفقا لمعهد “بيو” إذ يميل الشباب والديمقراطيون نحو الليبرالية ومناهضة الاحتلال والتشكك في السلوك الإسرائيلي بغزة.

ماذا تريد تل أبيب في الاتفاقية الجديدة

لا ترغب تل أبيب هذه المرة في مجرد “شيك نقدي” من واشنطن، بل تدفع باتجاه صياغة نموذج تحالف مغاير تماما إذ تتركز المطالب الإسرائيلية والمقترحات المشتركة حول التحول من صفة حليف يتلقى مساعدات مالية لشراء سلاح، إلى “اندماج وشراكة عسكرية متكاملة” تعمل كجيشين في منظومة واحدة.

إعلان

وقد تضمنت مقترحات كُشِف عنها العام الماضي رغبة إسرائيلية بمضاعفة الميزانية وتمديدها 20 عاما، مع تحقيق دمج فوري ومتزامن لشبكات البيانات وقواعد معلومات الأقمار الصناعية، وإتاحة الإنتاج العسكري المشترك وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي السيبراني محليا لكسر قيد الإنفاق الداخلي القديم.

كما أشارت التقارير والتحليلات السياسية إلى أن إسرائيل لا تكتفي بمبلغ الـ3.8 مليارات دولار السنوي الحالي، بل تسعى للحصول على اعتمادات ومخصصات أسلحة أكبر بكثير، وهو ما قد يرفع الفاتورة الإجمالية على المدى الطويل إلى أرقام مضاعفة (تصل إلى نحو 76 مليار دولار كحد أدنى على مدار العقدين القادمين) لتغطية كلفة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والإنتاج الحربي المشترك، وأنظمة الدفاع المتطورة.

ويحظى التوجه نحو إعادة هيكلة الدعم الأمريكي وتنظيمه بتأييد في الخفاء من كبار المسؤولين الإسرائيليين بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إذ يقضي المقترح بنقل مليارات الدولارات من بنود منح المساعدات الخارجية التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وإدراجها ضمن حسابات المشتريات العامة لوزارة الحرب (البنتاغون) والشراكات الصناعية وسلاسل الإمداد والاستدامة.

ومن شأن هذا التحول أن يجرّد هذه العلاقات من قنوات الرقابة السياسية والدبلوماسية الخاضعة للمساءلة العلنية، ناقلا إياها من عملية تصويت سنوية مرئية وعلنية إلى آليات المشتريات الدفاعية المعتمة، حيث تنحسر الرقابة وتتراجع المساءلة السياسية إلى أدنى مستوياتها، لتكون النتيجة صياغة علاقة دفاعية أكثر عمقًا وأقل شفافية في آن واحد.

وفي المحصلة، تتحرك تل أبيب لربط الولايات المتحدة بمعاهدة دفاعية تكنولوجية وعملياتية وثيقة بهدف الانتقال من دور “الدولة التابعة للمساعدات” إلى “الشريك التكنولوجي الاندماجي”.

هذا التحول الإستراتيجي، الذي صاغته تفاصيل المواجهة العسكرية الأخيرة مع طهران، يضمن لإسرائيل تفوقا نوعيا دائما وحرية حركة عسكرية مطلقة في الإقليم، مما يحمي مصالحها الحيوية حتى وإن تبدلت الحسابات السياسية في البيت الأبيض تجاه إيران في المستقبل.

 

المصدر: الجزيرة