طهران – بعد نحو 100 يوم على الضربات التي تعرضت لها إيران واندلاع الحرب في المنطقة، تتركز أسئلة المرحلة الراهنة حول طريقة إدارة طهران لملفات ما بعد الحرب:
- موقع القيادة السياسية
- حدود دور المؤسسات العسكرية والأمنية
- مصير البرنامج النووي
- قدرة الدولة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية وإعادة الإعمار.
وتعرض المؤسسات الإيرانية الرسمية المرحلة الحالية من خلال عناوين مرتبطة بـ”الوحدة الوطنية” و”الأمن الوطني” و”الاقتصاد المقاوم”. فقد حملت رسالة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي بمناسبة العام الإيراني الجديد 1405 تسمية العام بـ”الاقتصاد المقاوم في ظل الوحدة الوطنية والأمن الوطني”، وتحدثت الرسالة عن أزمات وحروب شهدتها البلاد في العام السابق، وعن ضرورة الحفاظ على التماسك الداخلي.

قيادة البلد
رسميا، باتت القيادة الدينية والسياسية العليا بيد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل علي خامنئي الذي اغتيل في أول أيام الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي. وفي رسالته النوروزية، قدّم مجتبى خامنئي ملفات الاقتصاد والأمن والوحدة الداخلية بوصفها أولويات المرحلة الجديدة.
وفي ظل انتقال القيادة بعد الحرب، برز سؤال عن موقع الحرس الثوري داخل القرار الإيراني، وما إذا كان مركز القرار قد انتقل من مكتب القيادة إلى المؤسسة العسكرية. غير أن الصحفي والمحلل السياسي رضا غبيشاوي يرفض، في حديثه للجزيرة نت، هذه الفرضية، ويرى أنها لا تستند إلى البنية الدستورية والسياسية للجمهورية الإسلامية.
ويقول غبيشاوي إن المرشد، وفقا للدستور والإطار السياسي في إيران، يبقى أعلى سلطة في البلاد، ويمتلك صلاحيات محورية تشمل إعلان الحرب والسلم، وتعيين كبار القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري، واتخاذ القرار النهائي بشأن مُصوَّبات المجلس الأعلى للأمن القومي.
ويضيف أن الحرس الثوري نفسه يُعد جزءا من البنية الخاضعة للمرشد، وأن تعيين قادته يتم بقرار من المرشد، ولذلك لا يرى ما يثبت انتقال مركز القرار من القيادة إلى الحرس بمعنى الحلول محلها.
أما بشأن المقارنة بين سلطة علي خامنئي وسلطة القيادة الحالية، فيرى غبيشاوي أن الوقت لا يزال مبكرا لعقد هذه المقارنة، إذ لم تمض سوى أشهر قليلة على بداية قيادة مجتبى خامنئي، ومن ثم لا تتوفر بعد، برأيه، مؤشرات كافية للحكم على الفوارق بين المرحلتين.
وبشأن ما إذا كان دور الرئيس والحكومة قد تراجع بعد الضربات، يقول غبيشاوي إنه لا توجد أخبار أو وقائع محددة تثبت حصول مثل هذا التراجع. لكنه يعتبر أن النظام يبدو أكثر تماسكا، مع الإقرار بوجود قدر من الغموض تفرضه الظروف الأمنية واستمرار الحالة الحربية وغير الطبيعية، موضحا أن الشفافية الكاملة لا تكون ممكنة في مثل هذه الظروف.

البرنامج النووي
في الملف النووي، تتركز الأسئلة على حجم الضرر الذي لحق بالمنشآت، وعلى مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. وذكرت رويترز، استنادا إلى تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن الوكالة لم تتمكن من الوصول إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف، وأن إيران لم تقدم بعد معلومات كافية بشأن موقع أو وضع مخزونها من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك اليورانيوم المخصب حتى 60%.
كما أفادت أسوشيتد برس، استنادا إلى تقرير سري للوكالة، بأن الوكالة لا تستطيع التحقق من المخزون الحالي لإيران أو تركيبته أو موقعه، ولا تستطيع تأكيد ما إذا كانت أنشطة التخصيب قد توقفت. وذكرت أن مخزون إيران المعلن سابقا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بلغ 440.9 كيلوغراما.
وتأتي هذه المعطيات في وقت دفعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية، وفق رويترز، بمشروع قرار داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يطالب إيران بالكشف عن معلومات تتعلق بالمواقع التي تعرضت للقصف وبمخزون اليورانيوم الذي كان محفوظا فيها.
اتفاق مؤجل
في موازاة الغموض النووي، بقي مسار التفاوض بين طهران وواشنطن مفتوحا من دون التوصل إلى اتفاق نهائي. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في مقابلة مع شبكة إن بي سي نشرت تفاصيلها رويترز اليوم الأحد 7 يونيو/حزيران، إنه لن يفرج عن الأصول الإيرانية أو يخفف العقوبات قبل إتمام اتفاق مع إيران، مشيرا إلى أن أي خطوة من هذا النوع يجب أن تأتي بعد التوصل إلى اتفاق وتحسن السلوك الإيراني.
وفي الوقت نفسه، دفعت الولايات المتحدة داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمشروع قرار يطالب إيران بالكشف عن معلومات تتعلق بالمواقع النووية التي تعرضت للقصف وبمخزون اليورانيوم الذي كان محفوظا فيها، وهي خطوة قالت رويترز إنها قد تعقد مسار المحادثات بين واشنطن وطهران.
السيطرة الداخلية
داخليا، تبدو مرحلة ما بعد الحرب محكومة بمزيج من التعبئة والضغط وعدم الاستقرار. فمن جهة، يربط الخطاب الرسمي الإيراني ملفات ما بعد الضربات بالتماسك الداخلي والأمن الوطني، إذ ورد في رسالة المرشد الإيراني بمناسبة العام الجديد حديث متكرر عن الوحدة الوطنية وعن ضرورة تجنب ما قد يؤدي إلى التفرقة الداخلية.
كما ركزت الرسالة نفسها على البعد الاقتصادي، معتبرة أن معيشة المواطنين والبنية التحتية والرفاه والإنتاج تقع في قلب المواجهة مع ما تسميه طهران “الحرب الاقتصادية”.
وفي الشارع، تعكس التجمعات الليلية المؤيدة للنظام جانبا من التعبئة الشعبية. ويقول أحد المشاركين في تجمع ليلي بطهران، في شهادة حصلت عليها الجزيرة نت، إن حضوره يأتي “دعما للبلد في مواجهة الحرب والضغوط الخارجية”، مضيفا أن “المرحلة ليست وقت الانقسام، بل وقت الوقوف مع الدولة حتى تتجاوز الأزمة”.
لكنّ هذه الصورة لا تلغي وجود أصوات أخرى داخل المجتمع تقول إنها تضررت كثيرا من الحرب وتداعياتها الاقتصادية والمعيشية.
وتقول سيدة من سكان طهران، في شهادة حصلت عليها الجزيرة نت، إن الحرب “غيّرت حياة الناس اليومية، ورفعت الأسعار، وزادت الخوف من المستقبل”، مضيفة أن كثيرا من المواطنين “يريدون اتفاقا يخفف الضغط، لأن الناس لم تعد تحتمل مزيدا من التوتر”.
وفي شهادة أخرى حصلت عليها الجزيرة نت، يقول شاب من طهران إن القبضة الأمنية أصبحت أكثر وضوحا بعد الحرب، وإن “الناس تتحدث بحذر أكبر، والحركة في الشارع لم تعد كما كانت”، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي “يزيد شعور الناس بعدم الاستقرار، حتى إن لم يظهر ذلك في احتجاجات واسعة”.
وبين خطاب رسمي يركز على الوحدة والصمود، ومزاج اجتماعي متباين بين التأييد والإنهاك والقلق، يبقى الداخل الإيراني تحت ضغط مركب: آثار الحرب، وتراجع القدرة الشرائية، وتشديد أمني تبرره السلطات بضرورات المرحلة، في حين يراه منتقدون عاملا إضافيا في تعميق الشعور بعدم الاستقرار.

ضغط التضخم
على الصعيد الاقتصادي، تظهر مؤشرات التضخم وسعر الصرف حجم الضغوط التي تواجهها إيران بعد الحرب. وبحسب بيانات سوق الصرف الحر التي ينشرها موقع “بنبست”، بلغ سعر بيع الدولار اليوم 7 يونيو/حزيران نحو 177 ألفا و600 تومان، مع الإشارة إلى أن الأسعار منشورة بالتومان، وأن كل تومان يساوي 10 ريالات.
وفي قراءته للمشهد الاقتصادي، يرى دكتور الاقتصاد آيزاك سعيديان، في حديثه للجزيرة نت، أن الاقتصاد الإيراني دخل مرحلة حساسة تتزامن فيها مستويات التضخم المرتفعة، وتراجع قيمة الريال، والعقوبات، والتوترات الإقليمية، بما يضاعف الضغط على معيشة المواطنين واستقرار الأسواق.
ويعتبر سعيديان أن وصول التضخم إلى مستويات تقترب من 50 إلى 60% يشير إلى دخول الاقتصاد في مرحلة مزمنة من عدم الاستقرار، حيث لم تعد زيادة الأسعار ناتجة فقط عن صدمات مؤقتة، بل أصبحت مرتبطة بتوقعات تضخمية وبنية مالية ونقدية مأزومة.
ويضيف أن انخفاض قيمة العملة الوطنية لا يمكن تفسيره بالحرب أو التوترات الأمنية الأخيرة وحدها، رغم أن هذه العوامل تسرّع الأزمة وتزيد حدتها.
فبحسبه، تلعب عوامل أكثر عمقا، مثل العجز المزمن في الموازنة، ونمو السيولة، والقيود المفروضة على الموارد الأجنبية بسبب العقوبات، وتذبذب السياسات النقدية وسعر الصرف، الدور الأساسي في إضعاف الريال.
ويقول سعيديان إن الحرب قد تزيد سرعة الأزمة، لكن جذورها كامنة في بنية الاقتصاد الإيراني نفسه.
ويرى أن الحكومة تواجه معادلة صعبة تتمثل في تمويل إعادة الإعمار والدعم الاجتماعي والالتزامات المالية، وفي الوقت نفسه ضبط سوق العملة وكبح التضخم.
ويشير إلى أن تجارب اقتصادات مشابهة تظهر أن هذين الهدفين غالبا ما يتعارضان في غياب موارد مستدامة، إذ يمكن للضغط المالي على الدولة أن يؤدي إلى توسيع عجز الموازنة، ومن ثم تغذية موجة تضخمية جديدة.
وبشأن أيهما أكثر خطورة، التضخم أم نقص العملة الأجنبية، يقول سعيديان إن الإجابة ليست بسيطة، غير أن التضخم يبدو، من زاوية الحياة اليومية، الخطر الأكثر مباشرة وملموسية، لأنه يمس القوة الشرائية والادخار وتكاليف المعيشة. أما نقص العملة الأجنبية، فيظهر أولا على المستوى الكلي، لكنه ينتقل لاحقا إلى الأسعار عبر ارتفاع سعر الدولار.
ويضيف أن الظاهرتين ليستا منفصلتين، بل تشكلان حلقة واحدة يعزز كل طرف فيها الطرف الآخر.
ويرى سعيديان أن أي اتفاق سياسي أو خفض للتوتر الخارجي يمكن أن ينعكس بسرعة على سعر الصرف وتوقعات التضخم في المدى القصير، لكنه يؤكد أن هذا الأثر يبقى غالبا نفسيا ومؤقتا، ولا يكفي وحده لإنتاج استقرار مستدام.
ويقول إن السوق لا يصل إلى توازن طويل الأمد إلا إذا ترافق تحسن العلاقات الخارجية مع إصلاحات بنيوية في الموازنة، والنظام المصرفي، والسياسة النقدية، وقطاع الإنتاج.
ويخلص إلى أن الاقتصاد الإيراني يقف عند نقطة تتشابك فيها المتغيرات السياسية والنقدية والمالية بصورة شديدة، بحيث يمكن لأي قرار في أحد هذه الملفات أن ينعكس بسرعة على مجمل الاقتصاد.

إعادة الإعمار
في ملف إعادة الإعمار، تقول السلطات الإيرانية إن عمليات ترميم الوحدات المتضررة من الحرب جارية. وذكرت وكالة “إرنا” في مايو/أيار أن بلدية طهران أعلنت تحديد وضع نحو 50 ألف وحدة سكنية متضررة في الحرب، في إطار ملف إعادة البناء.
كما نشرت الحكومة الإيرانية تقريرا عن اجتماع لمتابعة تسريع إعادة بناء الوحدات المتضررة من الحرب، تضمن بحث الأضرار والتحديات التنفيذية وآليات التعويض وتسريع القرارات ذات الصلة.
وتبقى كلفة التعافي مرتبطة بالوضع الاقتصادي العام. ووفق قراءة دكتور الاقتصاد آيزاك سعيديان، فإن تمويل إعادة الإعمار والدعم الاجتماعي في ظل التضخم والعجز ونقص الموارد الأجنبية قد يضع الحكومة أمام ضغوط مالية إضافية.
اختبار الصمود
بعد 100 يوم على الضربات، تقدم السلطات الإيرانية صورة عن دولة تواصل إدارة مؤسساتها، وتتابع ملفات القيادة، والبرنامج النووي، وإعادة الإعمار، والاقتصاد.
في المقابل، تبرز في المعطيات المنشورة ضغوط واضحة في سعر الصرف، وأسئلة مستمرة بشأن وضع المنشآت النووية ومخزون اليورانيوم، ومخاطر قائمة في حال تعثر المسار التفاوضي.
وفيما يؤكد رضا غبيشاوي أن البنية الدستورية لا تدعم فرضية انتقال مركز القرار من القيادة إلى الحرس الثوري، يرى آيزاك سعيديان أن الاقتصاد الإيراني يواجه أزمة أعمق من آثار الحرب وحدها، ترتبط بعوامل مالية ونقدية وهيكلية تراكمت خلال السنوات الماضية.
وبين خطاب رسمي يركز على الوحدة وإعادة البناء، ومعطيات اقتصادية ونووية تبقي أسئلة المرحلة مفتوحة، تبدو إيران بعد 100 يوم أمام اختبار إدارة طويل:
كيف تحافظ على انتظام الدولة، وتتعامل مع ملف نووي ضاغط، وتخفف في الوقت نفسه كلفة الحرب عن الاقتصاد والمجتمع.
المصدر: الجزيرة