7 رؤساء وزراء في 10 سنوات.. هل باتت بريطانيا عصية على الحكم؟

تستعد بريطانيا لاستقبال رئيس وزرائها السابع في غضون 10 سنوات فقط، في مشهد سياسي أذهل المراقبين في الداخل والخارج.

والأكثر غرابة في هذا التحول السياسي هو أن ثلاثة من الزعماء الأخيرين –ديفيد كاميرون وبوريس جونسون وكير ستارمر– أعلنوا استقالتهم وتنحيهم عن السلطة في غضون ثلاث سنوات فقط من تحقيقهم أغلبيات برلمانية ساحقة وكبيرة.

إن هذا المعدل المتسارع لدوران السلطة وتآكل شرعيتها يُعد أمرا غير مسبوق في التاريخ البريطاني الحديث منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، وبالتحديد منذ الاضطرابات العنيفة التي رافقت “قانون الإصلاح العظيم” عام 1832، والذي بشر حينها بالتحول نحو الديمقراطية الجماهيرية.

ويعود هذا الاضطراب المستمر لأزمات متلاحقة ترصدها الصحف العالمية وتعتبرها حالة استثنائية صارخة مقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى، بما في ذلك إيطاليا التي لطالما عُرفت بعدم استقرار حكوماتها، ما يطرح سؤالا جوهريا: لماذا تلتهم السياسة البريطانية قادتها بهذه السرعة؟

سنوات الركود والوعود المنكوبة

أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، استقالته من رئاسة الحكومة وسط انقسام يشهده حزب العمال الحاكم، في حين سارع منافسه على رئاسة الحزب آندي بيرنهام إلى تأكيد اعتزامه خلافته.

ولم يكن تنحي ستارمر وليد الفضائح السياسية فحسب، بل يعود في الأساس إلى فشله الهيكلي في انتشال بريطانيا من قلب الركود الاقتصادي ونكثه لوعوده الانتخابية الكبرى، وفقا لتحليل نشرته صحيفة “واشنطن بوست” .

وبعد فوز تاريخي ساحق يُوصف بأنه أكبر فوز في تاريخ بريطانيا الحديث، تراجعت شعبية ستارمر لتسجل أدنى المستويات بين القادة الغربيين، ويعود ذلك إلى تراجعه السريع خلال أقل من 3 أشهر من انتخابه عن تعهده بعدم رفع ضريبة التأمين الوطني، وفرضه ضرائب جديدة كضريبة القيمة المضافة على المدارس الخاصة، مما أدى إلى رفع الإنفاق الحكومي لمستويات قياسية دون كبح العجز أو خفض تكاليف الاقتراض التي جاءت أعلى من المتوقع.

إعلان

وبدلا من تفكيك البيروقراطية التي تعطل البناء والاستثمار، لجأت حكومة ستارمر إلى سياسات تدخلية وصفتها واشنطن بوست بـ”حيل الدولة المريبة” لكسب شعبية مؤقتة مثل حظر منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما وحظر التدخين لأجيال المستقبل، وهي إجراءات لم تنقذ الاقتصاد ولم تمنع الهزيمة القاسية في الانتخابات المحلية الأخيرة.

وبالتزامن مع التراجع الاقتصادي، تلقت شرعية ستارمر ضربة قاضية بعد كشف النقاب عن تجاهله تحذيرات مسبقة بشأن علاقة “بيتر ماندلسون” بالمدان بجرائم جنسية “جيفري إبستين”، وتعيينه رغما عن ذلك سفيرا للمملكة المتحدة في واشنطن.

أما اليوم وبعد تنحيه، تستعد بريطانيا لاستقبال رئيس وزراء جديد، حيث يبدو عمدة مانشستر السابق آندي بيرنهام الذي انتُخب الأسبوع الماضي في البرلمان، الأوفر حظا لقيادة حزب العمال الشهر المقبل.

غير أن “واشنطن بوست” تحذر من أن بيرنهام يتبنى توجها أكثر ميلا للتدخل الحكومي عبر الدعوة لتسعير جبري للسلع وتأميم قطاعات الطاقة والمياه، وهو ما قد يُواجَه بردّ فعل عنيف وصارم من أسواق المال.

epa13056250 British Prime Minister Keir Starmer reacts as finishes his resignation statement in Downing Street, London, Britain, 22 June 2026. Keir Starmer has resigned as UK Prime Minister and leader of the Labour Party and a leadership challenge starts to replace him. EPA/TOLGA AKMEN
كير ستارمر استقال من منصبه رئيساً لوزراء المملكة المتحدة وزعيماً لحزب العمال لتبدأ المنافسة على اختيار خليفة له في 22 يونيو/حزيران 2026 (الأوروبية)

لماذا تلتهم السياسة البريطانية قادتها؟

منذ نحو قرنين، تشهد بريطانيا حالة من عدم الاستقرار غير المسبوق، إذ لا يُعد سقوط القادة المتتالي -حتى أولئك الذين حققوا أغلبية ساحقة مثل كاميرون وجونسون وستارمر- مجرد مصادفة، بل نتاج تضافر خمسة عوامل هيكلية قامت صحيفة فايننشال تايمز بتشريحها بنيويا:

  • خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

جاء تنحي ستارمر قبل يوم واحد من الذكرى العاشرة لتصويت بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوروبي (البريكست)، وهو الحدث الذي تسبب في معضلة لوجيستية وخلق سقف توقعات شعبية لم يكن من الممكن تلبيته، مما جعل الحكومات تهدر نصف عقد في نقاش شكل العلاقات مع أوروبا بدلا من حل الأزمات الهيكلية للبلاد.

بحسب وزير الخزانة السابق جيريمي هانت، فإن أثر البريكست أعمق مما يُظن، إذ جرّد حزب العمال من قاعدته التقليدية -الطبقة العاملة- في مناطق الشمال، وفي المقابل خسرت حركة المحافظين دعم المناطق الجنوبية الثرية، مما مهد الطريق لصعود التيارات الشعبوية بقيادة نايجل فاراج.

بدوره، يؤكد الخبير لوك تريل للصحيفة أن الانقسام في بريطانيا اليوم لم يعد تقليديا بين يمين ويسار، بل تحوّل إلى تداخل آراء يصعّب بناء أي تحالف مستقر، حيث ينقسم الشارع إلى 60% يطالبون بـ”الحفاظ على المؤسسات وتطويرها”، بينما يرى 40% من الناخبين أن المخرج هو “إحراق كل شيء”.

  • تمرد أعضاء البرلمان

قُوِّض معظم رؤساء الوزراء منذ 2016 من قِبل نواب أحزابهم، إذ اعتاد النواب خلال أزمة البريكست على بناء تحالفات مستقلة لتحقيق أهداف محددة، وشعروا بأنهم أقل إلزاما بدعم أجندة أحزابهم نتيجة للاستفتاء الديمقراطي المنفصل.

وعمليا، نجح تكتل مجموعة الأبحاث الأوروبية وهم النواب المشككون في أوروبا في الضغط على القادة المتعاقبين ورسّخ نموذجا لغيره، مما عمّق فكرة أن رئيس الوزراء “قابل للاستبدال” في أي وقت حتى لو كان يملك أغلبية برلمانية كبيرة.

إعلان

وساهمت مجموعات تطبيق “واتساب” في تسهيل التخطيط والمؤامرات السياسية بين النواب الخلفيين، في حين فشل قادة الأحزاب في التكيف مع هذا الوضع الجديد وظلوا يمارسون السياسة بأسلوب تقليدي مقارنة بالأسلوب الحديث الذي يتبعه النواب.

  • الأخطاء الفردية

لم ينجح أي رئيس وزراء بريطاني منذ 2016 في إدارة التحديات حيث تسبب كاميرون بالاستفتاء، ونسفت تيريزا ماي سلطتها بانتخابات مبكرة وحملة سيئة، وأطاحت الفضائح الشخصية والتجمعات وقت (كوفيد-19) بجونسون، وتسببت ليز تراس بانهيار السوق بسبب تهورها الاقتصادي، بينما فشل ريشي سوناك في تقديم هدف مقنع.

أما ستارمر فتلخصت أخطاؤه في تقديم وعود غير واقعية وعجزه عن اتخاذ قرارات سياسية حاسمة وصعبة مثل ملف الإنفاق الدفاعي.

ويقارن معلقون هذا الفشل بمرونة وصلابة قادة آخرين مثل رئيس وزراء كندا مارك كارني ورئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز.

وبناء على ذلك، يرفض تريل -كما نقلت عنه فايننشال تايمز- مقولة أن بريطانيا باتت دولة غير قابلة للحكم، مؤكدا أن الأزمة تكمن في قادة ارتكبوا أخطاء جوهرية فادحة كانت كفيلة بالإطاحة بهم في أي حقبة زمنية سابقة.

  • ركود اقتصادي

لم تتعافَ بريطانيا من الأزمة المالية وبات نموها أبطأ من الدول الغنية بسبب حجم قطاعها المالي الكبير، ويرى المدير السابق لمعهد الدراسات المالية بول جونسون أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للسياسة، وأن الناخبين أصيبوا بالسأم لأن أوضاعهم المعيشية لم تتحسن منذ قرابة 20 عاما.

وركّز رؤساء الوزراء المتعاقبون على زيادة الإنفاق لعلاج أعراض المشكلات عوضا عن مواجهة أسبابها وسن إصلاحات حقيقية تحفز النمو، مما تسبب في ثبات الدخول، وتفاقم أزمة معيشية ناتجة عن تضخم عنيد منذ 2022 وضغوط شيخوخة السكان.

ومنذ 2010 ارتفع الدين العام البريطاني بسرعة قياسية ليتضاعف ثلاث مرات كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، كما تضاعفت تكلفة خدمته مرتين، ورغم وصول الضرائب إلى مستوى قياسي فإن جنيها إسترلينيا واحدا من بين كل 12 جنيها تجمعه الدولة يذهب فقط لسداد فوائد الديون، ما يضمن بقاء الشارع ساخطا على أي شخص في السلطة.

  • “ظاهرة نتفليكس”

أحدث صعود منصات مثل إكس وفيسبوك تغييرا جوهريا وحوّل السياسة إلى منتج مخصص حسب طلب الناخب، إذ شبهت الصحيفة هذه الظاهرة بمنصة نتفليكس.

هذا الوضع ساعد في صعود سياسة “الشخصنة” والكاريزما الرقمية، لكنه يحمل فخا كبيرا، لأن القائد يفقد ذروة شعبيته بعد اليوم الأول في السلطة ويصعب حشد الناس وراءه بناء على الشعبية فقط.

وتقول الصحيفة إن بيرنهام، الذي بات من المؤكد تقريبا أن يخلف ستارمر، يملك شخصية دمثة ومتواضعة، ويعود الفضل في ذلك جزئيا إلى منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي حول كرة القدم.

 

المصدر: الجزيرة