يمر عالم السيارات بمرحلة تحول جذري هو الأكبر عبر تاريخه، حيث تتسابق الشركات المصنعة والتقنية على حد سواء لرسم ملامح مرحلة جديدة من التنقل.
وفي خضم هذا السباق المحتدم، يبرز سؤال في أذهان المهتمين والعاملين في هذا القطاع حول العالم: كيف نقود المستقبل؟
سعيا للإجابة عن هذا السؤال، تتجه الاستثمارات والأبحاث نحو تطوير تقنيات ثورية غير مسبوقة، قد تجعل سيارات المستقبل مختلفة تماما عما نعرفه اليوم. فمن إطارات قادرة على إصلاح نفسها ذاتيا عند التعرض للثقب، إلى بطاريات صلبة توفر مدى أطول وشحنا أسرع، مرورا بأنظمة تتيح تواصل السيارات مع بعضها البعض ومع البنية التحتية المحيطة بها لتفادي الحوادث وتحسين القيادة على الطرق وبالتالي انسيابية الحركة المرورية، تبدو ملامح عصر جديد من التنقل الذكي آخذة في التشكّل بوضوح.
ولا تتوقف الابتكارات عند هذا الحد، بل تمتد إلى تفاصيل التصميم والراحة، عبر طلاءات ذكية تغير لون السيارة إلكترونيا عند الرغبة، وزجاج كهروكرومي يتكيف تلقائيا مع شدة الضوء لتوفير أفضل مستوى من الرؤية والخصوصية.
كما يعمل الباحثون على تطوير أنظمة تحكم تعتمد على الإشارات العصبية للدماغ، مما قد يتيح للسائق تنفيذ بعض الأوامر بمجرد التفكير بها، في حين تواصل تقنيات الهيدروجين المتقدمة تعزيز مكانتها كأحد أبرز الحلول الواعدة لمستقبل النقل المستدام.
هذه التقنيات الثورية لم تعد مجرد أفكار في المختبرات فقط أو تصورات لمشاريع جريئة على طاولات المهندسين والمصممين، بل أصبحت مشاريع حقيقية قيد التطوير، وقد يكون بعضها على موعد مع الطرقات خلال السنوات القليلة المقبلة، لتفتح الباب أمام عصر جديد من التنقل الذكي كنا نشاهده بالفعل منذ سنوات، ولكن في أفلام الخيال العلمي فقط، وسيصبح يوما ما واقعا ملموسا.
الإطارات ذاتية الإصلاح
تخيّل أن إطار سيارتك تعرّض لثقب أثناء القيادة؛ عندها ستضطر إلى التوقف على جانب الطريق لاستبداله بالإطار الاحتياطي، ثم مواصلة رحلتك بعد شيء من المعاناة، ولو كانت بسيطة.
لكن في المستقبل القريب، سنقول وداعاً لتغيير الإطارات على الطريق، فلن تعود مثل هذه المواقف مصدر إزعاج للسائقين. فبفضل تقنية الإطارات ذاتية الإصلاح، يتمكّن الإطار من معالجة الثقوب والشقوق الصغيرة تلقائيا خلال لحظات، مما يقلل من الأعطال المفاجئة ويعزز مستويات الأمان والراحة أثناء القيادة.
وتعمل هذه التقنية عبر استخدام مواد خاصة تُبطّن الإطارات من الداخل، غالباً ما تكون مادة لزجة أو بوليمرات مرنة، تنتقل لسدّ الثقوب تلقائيا فور حدوثها، مما يمنع تسرّب الهواء والحفاظ على ضغط الإطارات دون الحاجة إلى تدخل فوري من السائق.
هذه التقنية ليست فكرة مستقبلية بحتة، إذ باتت حاضرة فعلا في عدد من موديلات السيارات التجارية. فتقنية ميشلان سيلف سيل (Michelin SelfSeal) مثلا أصبحت معيارية في طرازات عدة من إنتاج عام 2020 فأحدث، من بينها فورد إكسبلورر (Ford Explorer) وكاديلاك سي تي 5 (Cadillac CT5) وشيفروليه بولت (Chevrolet Bolt) وكرايسلر باسيفيكا (Chrysler Pacifica).
فيما تأتي سيارة أكورا زد دي إكس (Acura ZDX) مزودة بإطارات ذاتية السد قادرة على معالجة ثقوب يصل قطرها إلى 5 ملم دون توقف، وبعمر افتراضي يمتد حتى عشر سنوات.
غير أنها لا تزال بعيدة عن أن تكون معياراً شاملاً في جميع السيارات، وثمة تحديات عملية تواجهها، أبرزها ارتفاع التكلفة وغياب توحيد أساليب الصيانة والإصلاح بين الشركات المصنّعة، وهو ما يجعلها في مرحلة انتقالية بين الحاضر والمستقبل.

بطاريات الحالة الصلبة
نحن على بعد خطوات بسيطة من قفزة كبرى في عالم السيارات الكهربائية، قد تغير قواعد اللعبة بالكامل، وذلك بفضل بطاريات الحالة الصلبة، التي يُتوقع أن تنقل السيارات إلى مستوى جديد من المدى الأطول، والشحن الأسرع، ومستويات الأمان الأعلى مقارنة بالتقنيات الحالية.
تعتمد أغلب السيارات الكهربائية حاليا على بطاريات الليثيوم-أيون، والتي تستخدم مادة سائلة تنقل الأيونات داخل البطارية، فيما تلوح في الأفق تقنية جديدة أكثر جرأة، هي بطاريات الحالة الصلبة، التي تستبدل هذا السائل بإلكتروليت صلب، ما يمنحها مستويات أعلى من الأمان، وكثافة طاقة أكبر، وأداء أكثر كفاءة.
تتسارع وتيرة تطوير بطاريات الحالة الصلبة داخل أروقة كبرى شركات السيارات حول العالم، مع انتقالها تدريجياً من مراحل البحث النظري إلى الاختبارات العملية.
وتأتي Toyota Motor Corporation في مقدمة هذا السباق بعد سنوات من العمل على نماذج أولية تمهيداً لطرحها تجارياً، فيما بدأت شركة ستيلانتيس Stellantis اختبارات فعلية على سيارة Dodge Charger Daytona المزودة ببطاريات الحالة الصلبة بالتعاون مع شركة فاكتوريال إنرجي Factorial Energy، في خطوة تعكس اقتراب هذه التقنية من الانتقال إلى الاستخدام الواقعي.
وإلى جانب شركات السيارات، برزت شركات متخصصة في صناعة البطاريات مثل CATL كأحد أبرز اللاعبين في هذا المجال، حيث تعمل على تطوير حلول متقدمة للبطاريات شبه الصلبة والحالة الصلبة ضمن سباق عالمي لتسريع الوصول إلى جيل جديد من بطاريات السيارات الكهربائية.
ورغم هذا التقدم، لا تزال بطاريات الحالة الصلبة بعيدة عن الإنتاج التجاري الواسع، إذ تواجه تحديات كبيرة تتعلق بارتفاع التكلفة وصعوبة التصنيع على نطاق ضخم.
ومع ذلك، فإن ما يجعلها محط أنظار الصناعة هو ما توفره من مزايا مهمة، أبرزها كثافة طاقة أعلى من بطاريات الليثيوم-أيون التقليدية، ما يمنح السيارات مدى سير أطول، إلى جانب القدرة على الشحن خلال دقائق معدودة، وعمر افتراضي أطول، ومستويات أمان أعلى، مما يضعها في صدارة التقنيات المرشحة لإعادة تشكيل مستقبل السيارات الكهربائية.
التواصل بين السيارات والبنية التحتية
في خطوة مهمة نحو بناء طرق أكثر ذكاء وأمنا، يبرز دور تقنية التواصل بين السيارات والبنية التحتية في الأماكن التي تسير فيها المركبات. ويشهد العالم اهتماما متزايدا بهذه التقنية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لمستقبل النقل الذكي.
وتعتمد هذه التقنية على تزويد السيارات ومكونات البنية التحتية المحيطة مثل إشارات المرور والكاميرات بأنظمة لا سلكية تسمح بتبادل البيانات بشكل لحظي. فمثلا عندما تقترب سيارة من منطقة مزدحمة أو تقاطع تقوم بإرسال معلومات حول حركة المرور وحالة الطريق والمخاطر المحتملة.
هذا التفاعل المستمر بين السيارة والبيئة المحيطة يساهم بشكل كبير في تقليل الحوادث وتحسين انسيابية الحركة المرورية بشكل ملحوظ.
من أبرز التطبيقات الواقعية لهذه التقنية أنظمة Car-to-X التي تقدمها شركات مثل بي إم دبليو (BMW) ومرسيدس-بنز (Mercedes-Benz)، والتي تتيح تبادل البيانات لحظيا بين السيارات والبنية التحتية لتحذير السائقين من الحوادث والازدحام.
كما قدمت Audi ميزة Traffic Light Information في عدد من المدن، والتي تسمح بالتواصل مع إشارات المرور لتحسين انسيابية القيادة وتقليل التوقفات.
ومع هذا التطور المتسارع والتقدم التكنولوجي المتلاحق، تتجه المدن المستقبلية نحو بنية تحتية ذكية قادرة على إدارة حركة المرور بشكل آلي، لتصبح القيادة أكثر أمانا وفعالية.
“إي إنك” (E Ink) طلاء يغير لون السيارة إلكترونيا
لم يعد الأمر خيالا علميا، فمن خلال تقنية الحبر الإلكتروني “إي إنك” (E Ink) الثورية، سيصبح بإمكانك تغيير لون سيارتك خلال ثوان معدودة، وبضغطة زر واحدة فقط.
وعلى عكس ما يعتقده البعض، فإن هذه التقنية لا تعتمد على طلاء تقليدي يتغير لونه، بل على غلاف ذكي متطور يحتوي على ملايين من الكبسولات الميكروسكوبية الدقيقة. وعند تمرير شحنة كهربائية، تعيد هذه الكبسولات ترتيب جزيئاتها لتظهر ألوانا مختلفة.
هذه التقنية المبتكرة لا تزال في مرحلة التطوير والتجارب وليست متاحة على نطاق واسع في السيارات التجارية، فما يعرض منها حاليا نماذج تجريبية لإثبات إمكانية التقنية واستكشاف استخداماتها المستقبلية.
أبرز تطبيق عملي قدمته شركة بي إم دبليو الألمانية هو نموذجها التجريبي BMW iX Flow الذي ظهر لأول مرة عام 2022، ويعتمد على تقنية الحبر الإلكتروني.
هذا النموذج قادر على تغيير لون الهيكل الخارجي بين الأبيض والأسود باستخدام طبقة ذكية تحتوي على جزيئات مشحونة كهربائيا، بحيث يعيد ترتيبها لتغيير انعكاس الضوء وبالتالي تغيير اللون الظاهر للسيارة.
وفي نسخة لاحقة من نفس المشروع، طوّرت بي إم دبليو الفكرة لتشمل إمكانية عرض أنماط ورسومات متعددة على أجزاء مختلفة من السيارة، لكن التقنية ما زالت حتى الآن ضمن نطاق النماذج التجريبية ولم تدخل مرحلة الإنتاج التجاري.
التعتيم الذاتي للزجاج
في الماضي كانت ستائر النوافذ هي الحل لتقليل أشعة الشمس وتوفير الخصوصية داخل السيارة. ثم ظهر الزجاج المظلل الذي أصبح خيارا شائعا لسنوات طويلة.
لم تتوقف رحلة البحث عن الراحة والخصوصية عند هذا الحد، حيث فتح التطور التكنولوجي الباب أمام جيل جديد من النوافذ الذكية بفضل تقنية التعتيم الذاتي “الكهروكرومي” والتي تحول النوافذ من شفاف كامل إلى معتم والعكس بضغطة زر، لتمنح الركاب راحة أكبر وخصوصية أعلى دون الحاجة إلى ستائر أو تظليل تقليدي.
بشكل مبسط، تعمل هذه التقنية المبتكرة من خلال زجاج ذكي متعدد الطبقات، يحتوي في داخله على طبقة كهروكرومية يمكنها تغيير خواصها البصرية عند مرور تيار كهربائي خفيف، مما يسمح بتحويل الزجاج من حالته الشفافة إلى التعتيم والعكس خلال لحظات.
وعلى الرغم من أن هذه التقنية تُستخدم بالفعل في بعض المباني الحديثة والطائرات، إلا أنها ما تزال حتى اليوم محدودة الانتشار في عالم السيارات، غير أنها بدأت بالظهور في بعض الطرازات الفاخرة والنماذج التجريبية لدى شركات مثل مرسيدس-بنز وفولكس فاغن وبي إم دبليو وفيراري وماكلارين، في خطوة تعكس توجها متسارعا نحو مستقبل أكثر ذكاء في تصميم السيارات.

التحكم بالسيارة عبر الإشارات العصبية
تُعد أنظمة التحكم بالسيارة عبر الإشارات العصبية من أحدث التقنيات التجريبية في عالم السيارات، حيث تقوم فكرتها على ربط دماغ السائق مباشرة بأنظمة السيارة عبر واجهة ذكية قادرة على قراءة الإشارات العصبية وتحويلها إلى أوامر قيادة في لحظات.
ويعكف العلماء على تطوير تقنية “واجهة الدماغ والحاسوب” (Brain-Computer Interface – BCI)، في خطوة تقترب فيها فكرة التحكم بالمركبات عبر العقل من التحول إلى واقع ملموس.
وتعمل شركة نيسان حاليا على تطوير خوذة أو مستشعر للارتداء على رأس السائق ضمن مشروع Brain-to-Vehicle (B2V)، يقوم بالتقاط الإشارات العصبية من الدماغ، ثم تُحلل هذه الإشارات باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي بسرعة عالية، لتتمكن السيارة من الاستجابة بشكل أسرع من حركة السائق نفسه، مما يساهم في تقليل زمن رد الفعل أثناء القيادة، وبالتالي تعزيز الأمان وجعل القيادة أكثر سلاسة.
كما تعمل مرسيدس-بنز على تطوير نموذجها المستقبلي VISION AVTR، الذي يجسد رؤية ثورية تقوم على تعزيز التفاعل الحسي بين السائق والمركبة.
فبدل الاعتماد على عجلة القيادة التقليدية، والتي لا تتوفر أصلا في التصميم، تعتمد السيارة على أساليب تحكم غير تقليدية مثل الإيماءات والتفاعل الحركي، في تصور لمستقبل يمكن فيه ربط الإنسان بالمركبة بشكل أكثر حداثة واندماجا.
الطاقة الهيدروجينية المتقدمة
على الرغم من الاهتمام العالمي المتزايد بالسيارات الكهربائية، إلا أن السيارات التي تعمل بالطاقة الهيدروجينية لا تزال تحظى باهتمام متنام بوصفها أحد البدائل الواعدة للتنقل المستقبلي، خاصة لما توفره من انبعاثات شبه صفرية وسرعة في التزود بالوقود مقارنة بالتقنيات الأخرى.
ولا تعتمد هذه التقنية الموجودة بالفعل، على حرق الهيدروجين كوقود تقليدي، بل من خلال تفاعل كيميائي ذكي ينتج عنه تيار كهربائي يغذي المحرك لتسيير السيارة.

ومن أشهر السيارات التي تعمل حاليا بهذه التقنية، تويوتا Mirai وهيونداي Nexo، ويتم العمل حاليا على تطوير جيل جديد من السيارات الهيدروجينية الأكثر كفاءة وأقل تكلفة، بهدف تعزيز انتشار هذه التقنية وجعلها خيارا عمليا واسعا في مستقبل النقل المستدام.
المصدر: الجزيرة