في ذروة الصيف، قد تشعر بأن نفسك للطعام تقل وأنك تميل إلى كميات أخف وأصغر مما اعتدت عليه في الشتاء. جمعية القلب الأمريكية تشير إلى أن الأجواء الحارة قد تخفض الشهية وتؤثر في كمية ونوعية الطعام الذي نرغب في تناوله، لأن هضم الطعام وتخزين العناصر الغذائية يستهلك طاقة ويولد حرارة داخل الجسم، لكن في الطقس البارد نحتاج إلى حرق سعرات أكثر لتوليد الدفء.
وتشير دراسات أخرى إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يثبط الشهية، ويجعل الجسم “يوحي” بأنه يحتاج إلى طعام أقل، فقد وجدت إحدى الدراسات أن كمية الطعام المتناولة انخفضت بنحو الربع في الصيف مقارنة بالشتاء، رغم أن استهلاك الطاقة لم يزد.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
ومع أن هذا قد يبدو مفيدا، فإن الانجراف نحو المشروبات السكرية الباردة والحلويات المثلجة يحمل مخاطر خفية، كما يحذر اختصاصي التغذية المعتمد خوان لاينز. فكيف يؤثر الحر في شهيتك وطريقة أكلك، وكيف تستفيد من الصيف غذائيا دون الوقوع في فخ السكريات والمثلجات؟

لماذا نأكل أقل في الطقس الحار؟
يقول غوردون فيشر، الأستاذ في كلية التربية بجامعة ألاباما، إن التواصل بين مراكز تنظيم الحرارة في الدماغ والمعدة يلعب دورا في تنظيم الشهية، حتى لو لم تُحسم آلية ذلك بشكل نهائي. من بين التفسيرات المرجحة:
-
السعرات الحرارية تولد حرارة داخل الجسم
أليسون تشيلدرس، أستاذة علوم التغذية بجامعة تكساس التقنية، تلفت إلى أن الأطعمة ليست بحاجة لأن تكون حارة حتى تزيد شعورنا بالحرارة. فالمثلجات والمشروبات الباردة قد تمنح راحة فورية، لكن إذا كانت غنية بالسعرات، سيضطر الجسم لهضمها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع درجة حرارته.
لذلك ينصح فيشر بتجنب الأطعمة والمشروبات عالية السعرات في الحر، لأن تأثيرها الحراري الداخلي يراكم الشعور بالإنهاك.
-
حرارة الجو تضبط شهية الجسم للطعام
في الأجواء الحارة يبذل الجسم جهدا أكبر للحفاظ على درجة حرارة داخلية مستقرة. ولأن عملية الهضم نفسها تولد حرارة، بما يعرف بـ”توليد الحرارة الناتج عن النظام الغذائي”، يقلل الجسم تلقائيا من الرغبة في الأكل لتجنب مزيد من الارتفاع في الحرارة، خاصة مع الوجبات الكبيرة الغنية بالبروتين التي تتطلب طاقة أعلى للهضم، كما يوضح لاينز.
-
تغيرات هرمونية مرتبطة بالجوع والشبع
درجات الحرارة المرتفعة تؤثر أيضا في الهرمونات المنظمة للشهية، إذ ينخفض هرمون الغريلين المحفز للجوع مع ارتفاع حرارة الجسم، بينما يرتفع هرمون اللبتين المسؤول عن الشعور بالشبع في الأجواء الدافئة. هذا التحول الهرموني يؤدي إلى تراجع الإحساس بالجوع، خصوصا في أكثر ساعات اليوم حرارة، بحسب لاينز.
-
الترطيب يمنح إحساسا مؤقتا بالشبع
مع زيادة التعرق في الصيف تصبح حاجة الجسم للماء أولوية، فيلجأ الكثيرون إلى شرب كميات كبيرة من السوائل. هذه السوائل تملأ المعدة وتخفف مؤقتا من إشارات الجوع، فيأكل الإنسان أقل، كما يشرح لاينز. المشكلة تظهر عندما يكون التعويض أساسا بمشروبات محلاة عالية السكر وقليلة القيمة الغذائية.

الصيف فرصة لعادات غذائية أفضل
ينبه خوان لاينز إلى أن تناول الطعام بكميات أقل في الصيف ليس سيئا بالضرورة، بل يمكن أن يشجع على عادات صحية إذا أحسن استغلاله:
-
1- المزيد من الفواكه والخضراوات
أطعمة الصيف الطازجة منعشة بطبيعتها وقليلة السعرات. فيشر يشير إلى أن البطيخ والتوت والخس والكرفس والطماطم والخيار تساعد على تبريد الجسم، وتسهم أيضا في نحو 20% من احتياجات الجسم من السوائل بفضل محتواها العالي من الماء.
-
2- الوجبات الباردة والخفيفة
السلطات والحساء البارد والعصائر الطبيعية غير المحلاة تصبح أكثر جاذبية في الحر، وغالبا ما تكون أخف وأكثر ثراء بالعناصر الغذائية مقارنة بأطباق الشتاء الدسمة.
-
3- الأكل ببطء ووعي
مع ارتفاع الحرارة يميل كثيرون إلى الأكل ببطء، وتناول كميات أصغر، وهو ما يحسن الهضم ويساعد على التحكم في كمية الطعام وجودته بدلا من “الأكل الآلي” السريع.

أين تكمن المشكلة في العادات الصيفية؟
بحسب لاينز، المشكلة تبدأ عندما يتحول شعورنا بالحاجة إلى البرودة إلى اندفاع نحو السكريات الباردة والحلويات المثلجة:
-
استبدال الوجبات الحقيقية بسكريات باردة
قلة الشهية تجعل كثيرين يتجاهلون وجبات كاملة ومتوازنة، ويميلون إلى “الأسهل”، كوب مثلجات أو مشروب غازي مثلج أو عصير محلى. هذه الخيارات قد تبدو أخف من وجبة ساخنة، لكنها غالبا غنية بالسكريات المضافة والدهون المشبعة والسعرات الفارغة، وفقيرة في البروتين والألياف والعناصر الأساسية.
-
تقلبات المزاج والجوع اللاحق
المشروبات السكرية والحلويات المثلجة تعطي دفعة سريعة من الطاقة، يعقبها هبوط في مستوى السكر بالدم، مما يسبب شعورا بالخمول والعصبية، ثم جوعا شديدا يدفع لتناول أطعمة غير صحية لتعويض الانخفاض.
-
مخاطر طويلة الأمد
اعتياد استبدال الأطباق المغذية بالحلويات والمشروبات السكرية يزيد مخاطر زيادة الوزن ومقاومة الأنسولين، ونقص عناصر غذائية مهمة مثل البروتين والحديد وفيتامينات بي، إذا استمر هذا النمط طوال الموسم.

نصائح غذائية عملية لصيف أخف وأكثر صحة
للاستفادة من إيقاع الصيف دون الإضرار بصحتك، ينصح خبراء التغذية بهذه الإستراتيجيات:
-
1- اجعل الترطيب أولوية.. لكن بذكاء
الترطيب الكافي مع تناول البروتين بانتظام هما حجر الأساس لغذاء الصيف. تشيلدرس توصي بالماء، أو الماء مع شرائح البرتقال أو الخيار، والحليب قليل الدسم، والأطعمة المبردة الغنية بالماء مثل الفواكه والخضراوات، والقهوة المثلجة غير المحلاة، والشاي المثلج باعتدال. في المقابل يحذر فيشر من الإفراط في الكافيين لأنه قد يساهم في فقد المزيد من السوائل.
-
2- لا تنس الإلكتروليتات
التعرق لا يعني فقد الماء فقط، بل أيضا الصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم. لاينز ينصح بأن لا يقتصر التعويض على الماء، بل يُضمّن الغذاء اليومي خضراوات ورقية والموز ووجبات خفيفة قليلة الملح، للحفاظ على توازن الأملاح في الجسم.
-
3- لا تتجاهل وجبة كاملة بحجة الحر
تجاوز الغداء مثلا لأن “الجو لا يساعد على الأكل” قد يرتد سلبا لاحقا. الأفضل اختيار وجبة خفيفة باردة ومتوازنة، مثل سلطة التونة مع الخيار وزيت الزيتون، أو الحمص مع خبز بيتا أسمر وطماطم كرزية. لاينز يؤكد أن وجبة خفيفة مغذية أفضل بكثير من الاعتماد على السكر لتجاوز فترة ما بعد الظهر.
-
4- قسم وجباتك واجعلها أصغر وأكثر تكرارا
تشيلدرس تحذر من حرمان الجسم من البروتين أو الألياف مع ارتفاع الحرارة. الحل هو تقسيم الاحتياجات اليومية إلى كميات صغيرة على فترات متقاربة، بدلا من وجبات كبيرة ترهق الهضم وتزيد إحساس الحر.
-
5- احرص على التوازن واستمتع باعتدال
“توافق مع جسمك لا تعاقبه” كما يقول لاينز. أي حافظ على رطوبتك، وتناول وجبات خفيفة ومتوازنة، واستمتع بالحلوى المثلجة باعتدال كجزء من اليوم، لا كبديل عن وجبة.
بهذه الطريقة يصبح الصيف فرصة لعادات غذائية أجمل، لا موسما لتراكم السكريات وترك الجسم في دائرة الجوع والتعب.
المصدر: الجزيرة