كلاب كوريا أُكلت ثم حماها القانون

يُعتبر قانون حظر أكل لحوم الكلاب وصناعة تلك اللحوم في كوريا الجنوبية والمقرر أن يدخل حيز التنفيذ العام المقبل إنجازا تاريخيا يرى فيه المعنيون بحقوق الحيوان مثالا قويا على نجاح الإرادة السياسية في تغيير عادات غذائية واجتماعية ألفها الشعب الكوري منذ قرون طويلة. حيث يسود اعتقاد، خاصة بين كبار السن وسكان الريف، بأن لحوم الكلاب مصدر مهم للطاقة خصوصا في فصل الصيف.

حملة طويلة سبقت إعلان الحظر الوطني لأكل وصناعة لحوم الكلاب عام 2024، انتصارا لهذا الحيوان الأليف، ومن المقرر دخول القانون الخاص بهذا الحظر حيز التنفيذ اعتبارا من العام المقبل 2027، لكن اللافت أن الكلاب اختفت قبل هذا الحظر.

التشريع في كوريا الجنوبية لا يصنف الكلاب ضمن الماشية (الفرنسية)

التشريع

في 9 يناير/كانون الثاني 2024، أقر برلمان كوريا الجنوبية مشروع قانون خاص يحظر استهلاك لحوم الكلاب، ووافق البرلمان على مشروع القانون الذي يحظر تربية وذبح وتوزيع وبيع الكلاب من أجل تناول لحومها بأغلبية 208 أصوات وامتناع عضوين عن التصويت.

ولم يهمل القانون القائمين على هذا النشاط الذي يُعدّ مصدر رزقهم، فدعا إلى تقديم إعانات حكومية لمساعدة العاملين في صناعة لحوم الكلاب على تبديل وظائفهم.

ووفقا للإحصاءات الحكومية، هناك حوالي 1150 مزرعة للكلاب، و34 شركة للذبح، و219 موزعا، وحوالي 1600 مطعم يبيع الأطعمة المصنوعة من لحوم الكلاب في كوريا الجنوبية.

لذلك أعطى البرلمان فترة سماح 3 سنوات قبل بدء العمل بالقانون اعتبارا من العام المقبل، بعدها يواجه المخالفون عقوبة السجن لمدة عامين كحد أقصى أو غرامة تصل إلى 30 مليون وون (22.768 دولارا).

من جانبها، أعدت الحكومة خططا أيضا لتحفيز العاملين في هذه الصناعة على الانتقال إلى وظائف مختلفة أو إغلاق أعمالهم، من خلال تقديم حوافز مالية. لكن تدابير الدعم تقتصر فقط على أولئك الذين يقدمون تقاريرهم إلى الحكومة المحلية ويقدمون خطة التنفيذ.

إعلان

وعقب إقرار القانون سارعت جماعات حقوق الحيوان إلى الترحيب به واعتبرته نقطة تحوّل مهمة في موقف كوريا الجنوبية تجاه حماية الحيوان، كما اعتبرها مسؤول حقوقي كوري جنوبي “شهادة على تصميم شعبنا والسياسيين المحبين للحيوانات الذين وصلوا إلى نقطة تحول لإيداع هذه الصناعة التي عفا عليها الزمن في كتب تاريخنا”.

كما أصدرت الجمعية الدولية للرفق بالحيوان تقريرا يتضمن توصيات سياساتية ودروسا مستفادة للدول الأخرى التي لا تزال تواجه هذا التحدي.

مسلخ كلاب مهجور قرب سول (الفرنسية)

المسالخ مهجورة والكلاب تختفي

مع اقتراب دخول حظر لحوم الكلاب التاريخي في كوريا الجنوبية حيز التنفيذ اعتبارا من فبراير/شباط المقبل لاحظت وكالة الصحافة الفرنسية أن الكلاب اختفت في كوريا الجنوبية.

وفي تقرير ميداني من أحد مسالخ الكلاب بات مهجورا في بلدة بيونغتايك، جنوب العاصمة سول، رصدت الوكالة أجهزة صعق كهربائي موضوعة على جدار بالقرب من أقفاص صدئة تحوي جماجم كلاب في مسلخ مهجور للكلاب في بلدة كورية جنوبية.

ويرى مراسل الوكالة في حالة المسلخ شاهدا على صناعة بدأت تتلاشى في كوريا الجنوبية، لكن هذا الأمر يثير سؤالا مهما: ماذا حدث لمئات الآلاف من الكلاب التي كانت تُربى للاستهلاك البشري؟

وتُظهر الأرقام الحكومية أنه في عام 2024، كان يُربى ما بين 400 ألف ونصف مليون كلب لإنتاج لحومها. أما اليوم، فتقدر وزارة الزراعة أن 20 ألف كلب فقط لا تزال موجودة في المزارع.

وتنبه الوكالة إلى أنه لا توجد إحصاءات دقيقة حول اتجاهات استهلاك لحوم الكلاب، ولكن من المتعارف عليه أنها شائعة بين فئة قليلة فقط من سكان كوريا الجنوبية البالغ عددهم 51 مليون نسمة.

جمجمة شاهدة على الذبح (الفرنسية)

أُكلت بالفعل

ولمساعدة المزارعين على الانتقال إلى نظام جديد، عرضت الحكومة ما يصل إلى 600 ألف وون (نحو 390 دولارا) مقابل كل كلب يتم التخلص منه.

ونقلت الوكالة عن مفتش بوزارة الزراعة الكورية الجنوبية -رفض ذكر اسمه- القول “دورنا هو التحقق من عدم وجود الكلاب في المزارع أو المسالخ قبل تقديم التعويض”. وأضاف: “لسنا معنيين بما حدث للكلاب”.

وتُظهر بيانات حصل عليها أحد المشرعين أنه بحلول فبراير/شباط الماضي تم تبني 623 كلبا فقط، وأُرسل أقل من 500 كلب إلى الملاجئ. أما منظمات الرفق بالحيوان ومزارعون سابقون فيعتقدون أن معظم الكلاب المتبقية قد قُتلت وأُكلت بالفعل.

وقال كيم يونغ هوان، ممثل منظمة “كير” لحقوق الحيوان: “لو دخلت أعداد كبيرة من الكلاب، التي تم إنقاذها، برامج التبني، لكانت منظمات الرفق بالحيوان مثلنا على علم بها”، مضيفا “لم نرَ أي حملات تبني للكلاب التي تم إنقاذها من مزارع الكلاب”.

وتقول منظمة “كير” إنها أنقذت وأعادت إيواء حوالي 2500 كلب من مزارع الكلاب على مدى أكثر من عقدين، وأُرسل معظمها إلى الخارج.

ولم يتم تبني سوى حوالي 24 كلبا محليا، ويعود ذلك جزئيا إلى تفضيل الكوريين الجنوبيين للسلالات الصغيرة التي تُناسب العيش في الشقق.

وغالبا ما كانت الكلاب التي تُربى من أجل الطعام من السلالات الكبيرة مثل “نورونغي”، المعروف أيضا باسم “سبيتز الأصفر الكوري”.

إعلان

وقال جو يونغ بونغ، وهو مزارع كلاب سابق، لوكالة فرانس برس “في كوريا الجنوبية، لطالما كان هناك تمييز بين الكلاب التي تُربى من أجل الطعام وتلك التي تُربى كحيوانات أليفة”. وعند سؤاله عن مصير آلاف الكلاب المفقودة، أقرّ بأنها على الأرجح “التُهمت بالفعل”.

وقال كيم، من منظمة كير، إن هذا الاحتمال “مثير للغضب”. وأضاف أن الواقع هو أن منظمات الرفق بالحيوان في البلاد تفتقر إلى الموارد اللازمة لإنقاذ المزيد من الكلاب.

 تناقض قانوني

بحسب وزارة الزراعة، تقدّمت 1265 مزرعة لتربية الكلاب -أي ما يقارب 82% من إجمالي المزارع- بطلبات للإغلاق حتى شهر مايو/أيار الماضي.

وبدأ جو، وهو قس مسيحي، مزرعته لتربية الكلاب عام 1994 بعد أن وجد أنه لا يستطيع كسب عيشه من عمله الكنسي وحده.

وقال لوكالة فرانس برس “أشعر بأن حظر لحوم الكلاب خيانة، لقد فُرض القانون لأسباب سياسية، دون حوار جاد أو اتخاذ تدابير كافية لحماية مصادر رزقنا”.

وأضاف جو أن العديد من مربّي الكلاب السابقين يحاولون التحول إلى أعمال أخرى في مجال الثروة الحيوانية، لكن إجراءات الترخيص الحكومية المطوّلة جعلت هذا الانتقال صعبًا.

وترى بارك جو يون، المحامية ورئيسة منظمة حقوق الحيوان، أن “تغيير القانون لن ينهي استهلاك الكلاب فحسب، بل سيُغلق أيضًا ثغرة قانونية قديمة”.

 خارج التصنيف

وعلى عكس الأبقار والخنازير، لم تُصنّف الكلاب قانونيا ضمن المواشي في كوريا الجنوبية، وهذا يعني أن هذه الصناعة استمرت لعقود دون أي ضوابط على الرعاية والذبح الرحيمين.

وأفاد ناشطو حقوق الحيوان بأن الكلاب كانت تُقتل صعقا بالكهرباء أو شنقا أو ضربا حتى الموت. وفي منشأة بيونغتايك، شاهد صحفيون أدوات مهجورة يُزعم أنها استُخدمت لصعق الكلاب بالكهرباء.

أما الناشط الحقوقي شين جو وون، فيقول “غالبا ما كانت الكلاب تبقى واعية بينما تحترق أعضاؤها الداخلية وكانت كلاب أخرى تشهد هذه العملية”.

وتقول منظمة حقوقية أنها أنقذت 29 كلبا من مزرعة بيونغتايك الشهر الماضي، ورفعت دعوى قضائية ضد مالكها بتهمة القسوة على الحيوانات، وهو أمر مُجرّم.

ويظل الحكم النهائي بالنجاح أو الفشل على التجربة الكورية الجنوبية مرهونا بالتطبيق العملي للقانون وحدود الالتزام به أو التحايل عليه، للتحقق من الأمل في الانتصار للحيوانات وإنهاء تجارة لحوم الكلاب والقطط نهائيا.

 

المصدر: الجزيرة