من “شريك” إلى “تابع متمرد”.. كيف خسر نتنياهو واشنطن في الملف الإيراني؟

خلصت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يعد قادرا على التأثير في إدارة دونالد ترمب، التي تمضي في مسار تسوية مع إيران يراها نتنياهو مناقضة لمصالح إسرائيل.

ورأت الصحيفة أن تل أبيب تحولت من “شريك كامل” لواشنطن في بداية الحرب على إيران إلى “تابع متمرد”.

وتكمن المفارقة التي تشير إليها الصحيفة في أن نتنياهو كان قبل 10 سنوات قادرا على تحدي الرئيس الأمريكي باراك أوباما من داخل الكونغرس، سعيا لإفشال الاتفاق النووي مع إيران، أما اليوم، فتقول هآرتس إنه بات محدود التأثير في مسار تفاوض تقوده إدارة ترمب مع طهران، وهو مسار قد يزيد متاعبه السياسية قبل انتخابات الخريف.

من “شريك كامل” إلى “تابع متمرد”

في بداية الحرب التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، كانت إسرائيل شريكا كاملا وإن كان ثانويا.

وتذكر هآرتس أن التنسيق العسكري خلال الأشهر الماضية وصل إلى حد تنفيذ مهام مشتركة لتزويد الطائرات بالوقود في الجو، في مؤشر على مستوى عال من التنسيق العسكري.

لكن الصورة انقلبت لاحقا، فقد جرى تهميش إسرائيل في المفاوضات، ولم يعد أمام نتنياهو سوى القبول بالنتيجة، فيما تتولى واشنطن التفاوض مباشرة مع طهران.

وتلاحظ الصحيفة أن المسافة بين عبارة “لا ضوء يتسلل” بين البلدين، التي اشتهر بها جو بايدن، وبين ترك الإسرائيليين خارج غرفة التفاوض، انتهت في أشهر قليلة.

وفي تعبير عن اختلال ميزان القوة، قال ترمب في مقابلة تلفزيونية هذا الشهر إنه حين يطلب من نتنياهو فعل شيء، فإنه يفعله.

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu (L) acknowledges applause at the end of his speech to a joint meeting of Congress in the House Chamber on Capitol Hill in Washington, March 3, 2015. U.S. Speaker of the House John Boehner (C) (R-OH) and President pro tempore of the U.S. Senate Orrin Hatch (R-UT) applaud behind Netanyahu. REUTERS/Gary Cameron (UNITED STATES - Tags: POLITICS)
نتنياهو بعد خطابه أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي في واشنطن (رويترز)

نتنياهو يفقد صورة “الهامس الأمريكي”

وتتقاطع قراءة وكالة رويترز مع هذا الاتجاه، لكنها تنقل المسألة من مستوى العلاقة بين دولتين إلى مستوى العلامة السياسية التي صنعها نتنياهو لنفسه.

فقد بنى نتنياهو جزءا كبيرا من هويته على صورة “الهامس الأمريكي” (American Whisperer)، أي الزعيم الإسرائيلي القادر على رفع سماعة الهاتف، فيبقي الحسابات الأمريكية والإسرائيلية متطابقة في الملف الإيراني.

إعلان

ويرى محللون ودبلوماسيون ومسؤولون أمريكيون سابقون، نقلت عنهم الوكالة، أن الاتفاق قلب هذه الرواية رأسا على عقب.

وتقول رويترز إن الحرب التي وعد فيها نتنياهو بـ”نصر نهائي” لم تحقق انهيار النظام الإيراني، ولا هزيمة حزب الله، ولا العودة الآمنة لسكان شمال إسرائيل، فتحوّلت الحرب التي أرادها جزءا من إرثه إلى عبء على صورته.

وتنقل عن مستشاره السابق أفيف بوشينسكي أن الاتفاق الأمريكي الإيراني يمثل “ضربة حاسمة” له، مضيفا أنه لم يخسر الحرب فحسب، بل خسر ترمب صديقا.

ومع ذلك، لا تقول واشنطن إن التزامها بأمن إسرائيل تغيّر، فقد أكد مسؤولون أمريكيون أن العلاقة مع نتنياهو قوية وأن الالتزام بأمنها “راسخ”، لكنّ الخلاف يدور حول قدرة تل أبيب على توجيه القرار الأمريكي لا حول استمرار الدعم.

وكان نائب الرئيس جيه دي فانس حذر قبل أيام منتقدي الاتفاق داخل إسرائيل من “مهاجمة الحليف القوي الوحيد المتبقي لكم في العالم”.

epa12826042 US Vice President JD Vance (R) speaks before President Donald Trump signs an executive order in the Oval Office of the White House in Washington, DC, USA, 16 March 2026. The order will formally launch a task force, led by Vance, to investigate fraud nationwide. EPA/AARON SCHWARTZ / POOL
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يسار) ونائبه جيه دي فانس (الأوروبية)

“إيباك”.. من جواز عبور إلى عبء انتخابي

التحول لم يصب نتنياهو وحده، ففي عام 2015، ضخت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “إيباك” ما يُقدَّر بنحو 40 مليون دولار ضد اتفاق أوباما.

أما اليوم، فاكتفت في بيان حول مذكرة التفاهم مع إيران بالقول إنها “تثير تساؤلات مهمة”، بلغة أضعف بكثير.

وتصف هآرتس “إيباك” بأنها باتت “علامة تجارية مكروهة” حتى خارج اليسار المؤيد لفلسطين.

وتؤكد رويترز أن اسم “إيباك” صار عبئا في السباقات التمهيدية الديمقراطية، إذ دعمت مجموعتان مناهضتان لها أكثر من 100 مرشح، 73 منهم يتحدون نوابا ديمقراطيين تلقوا دعمها.

وكشفت سجلات لجنة الانتخابات الفدرالية الأمريكية (FEC) أن إنفاقا مرتبطا بـ”إيباك” مر عبر لجان سياسية وسيطة بأسماء لا تفصح بوضوح عن صلتها باللجنة، ما يعكس حساسية ظهور اسمها أمام الناخبين.

وما يزيد موقف نتنياهو هشاشة، وفق رويترز نقلا عن محللين أمريكيين، أنه خسر شبكة الأمان التي اعتمد عليها طويلا في واشنطن. فقد بنى لسنوات رصيدا واسعا داخل الحزب الجمهوري، واستخدمه لموازنة خلافاته مع الإدارات الديمقراطية.

لكن هذا الرصيد لم يعد كافيا اليوم، إذ لا يبدو الجمهوريون مستعدين للانقلاب على ترمب من أجل نتنياهو.

وفي المقابل، تقول هآرتس إن المزاج داخل الحزب الديمقراطي يتحرك هو الآخر بعيدا عن إسرائيل، فالدعوة إلى إنهاء المساعدات العسكرية غير المشروطة لم تعد محصورة بالجناح التقدمي، بل باتت تقترب من التيار الرئيسي في الحزب، بينما يدفع التقدميون نحو خطوات أبعد، تشمل فرض عقوبات وحظر تصدير السلاح إلى إسرائيل.

Speaking via satellite feed from Israel, Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu addresses AIPAC in Washington, U.S., March 26, 2019. REUTERS/Kevin Lamarque
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يُلقي كلمة عبر الأقمار الاصطناعية أمام مؤتمر “إيباك” في واشنطن (رويترز)

الرأي العام يتحرك قبل المؤسسات

ما يجري في واشنطن ليس معزولا عن تبدل أعمق في المزاج الأمريكي توثقه استطلاعات حديثة، فبحسب “غالوب”، بات 41% من الأمريكيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين، وهي المرة الأولى منذ عام 2001 التي لا يتقدم فيها الإسرائيليون بوضوح، فيما يتعاطف 53% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما مع الفلسطينيين مقابل 23% مع الإسرائيليين.

إعلان

ويكمل مركز “بيو” الصورة، إذ بات 60% ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، و59% لا يثقون بنتنياهو في الشؤون العالمية.

أما استطلاع جامعة ميريلاند الذي نشره معهد “بروكينغز”، فيرى فيه 56% أن الحرب على إيران أضرت بالمصالح الأمريكية، بينما يعتقد نحو سدس الأمريكيين فقط (16%) أن بلاده تنتصر فيها.

وهذه الأرقام مجتمعة لا تسقط التحالف، لكنها تفرغه من تلقائيته السياسية.

Protesters march during the "Rise Up for Gaza" international day of action on Capitol Hill in Washington, DC on October 4, 2025. (Photo by Alex Wroblewski / AFP) ©AFP or licensors
متظاهرون يشاركون في يوم التحرك الدولي “انهضوا من أجل غزة” قرب مبنى الكابيتول عام 2025 (الفرنسية)

وأمام هذا التحول المركب -في البيت الأبيض، وفي اللوبيات، وفي الرأي العام- تبدو عبارة نتنياهو القديمة، كما توردها هآرتس، عن أن “أمريكا شيء يمكن تحريكه بسهولة”، قادمة من زمن آخر. فالأدوات التي استخدمها لتحريك واشنطن لم تعد تعمل كما كانت. ولهذا تختم الصحيفة بعبارة واحدة: “ولى ذلك الزمن”.

 

المصدر: الجزيرة