بالتزامن مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، تعود الأسئلة بشأن الجهة التي ترسم سياسات الحلف، وكيف تُتخذ قراراته، وما الذي يمنع تمرير موقف تعارضه دولة عضو. والإجابة تبدأ من قاعدة تحكم الناتو منذ تأسيسه: لا تصويت بالأغلبية، ولا قرار من دون موافقة الجميع.
كيف تُتخذ القرارات داخل الناتو؟
تُتخذ جميع قرارات الحلف بالإجماع، بعد التشاور بين الدول الأعضاء، فلا يجري تصويت، ولا تستطيع أغلبية تمرير قرار ترفضه دولة عضو، بل تستمر المشاورات حتى التوصل إلى صيغة يقبلها الجميع.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وقد ينتهي النقاش أحيانا إلى بقاء الخلاف من دون صدور موقف جماعي. أما عندما يُعلن “قرار للناتو”، فإنه يعبر عن إرادة الدول الأعضاء مجتمعة، لا عن موقف الأمانة العامة أو مجموعة محدودة من الحلفاء.
هل يستطيع الأمين العام اتخاذ قرار باسم الحلف؟
لا. فالأمين العام يرأس اجتماعات مجلس حلف شمال الأطلسي، ويدير المشاورات ويساعد في تقريب المواقف. فهو يسهّل عملية صنع القرار، لكنه لا يملك فرضه على الدول الأعضاء، إذ تعود الكلمة النهائية إلى الدول الممثلة في المجلس.

من يملك السلطة السياسية العليا؟
يعد مجلس شمال الأطلسي الهيئة السياسية الرئيسية لاتخاذ القرار، وهو السلطة العليا في شبكة اللجان التابعة للحلف، ويضم ممثلين عن جميع الدول الأعضاء، ويجتمع على مستوى السفراء الدائمين، أو وزراء الخارجية والدفاع، أو رؤساء الدول والحكومات خلال القمم.
ولا تختلف مكانة القرار أو صلاحيته باختلاف مستوى الاجتماع، فما يقره السفراء له المكانة نفسها التي يتمتع بها قرار صادر عن الوزراء أو القادة. أما اللجان والقيادات المختصة، فتعد التقارير والخطط والتوصيات التي يستند إليها المجلس في مناقشاته.
من يحدد أولويات الحلف؟
تحدد الدول الأعضاء التوجهات الكبرى عبر الوثائق التي يقرها قادتها، وفي مقدمتها “المفهوم الإستراتيجي”.
وقد حدد “مفهوم 2022” 3 مهام أساسية للناتو: الردع والدفاع، ومنع الأزمات وإدارتها، والأمن التعاوني.
وتتحول هذه التوجهات إلى متطلبات عملية عبر عملية التخطيط الدفاعي، التي تحدد القدرات العسكرية وغير العسكرية التي يحتاج إليها الحلف، ثم تقسّم المتطلبات على الحلفاء في صورة “أهداف قدرات”، وفق مبدأ التقاسم العادل للأعباء.
وتراجع لجنة سياسة وتخطيط الدفاع التوجيهَ السياسي وتنسق أنشطة التخطيط، بينما تحدد القيادتان الإستراتيجيتان متطلبات القدرات، بقيادة “قيادة الحلف للتحول”.
وبعد التشاور مع الدول، ترفع حزم الأهداف إلى مجلس شمال الأطلسي ثم إلى وزراء الدفاع، لاعتمادها وإدخالها في الخطط الوطنية.

من يضع جدول أعمال الاجتماعات والقمم؟
لا تنفرد جهة واحدة بوضع الأجندة. فمن حق الأمين العام أو ممثل أي دولة عضو طرح قضية أمام مجلس شمال الأطلسي، لا سيما بموجب المادة الرابعة من معاهدة واشنطن، التي تتيح التشاور عندما ترى دولة أن سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أمنها مهدد.
وقبل وصول الملفات إلى المجلس أو القمة، تتولى اللجان المختصة إعداد التقارير والتوصيات وصياغة مسودات البيانات، ثم تتفاوض الدول بشأنها قبل اعتمادها بالإجماع.
متى يتدخل الناتو عسكريا؟
يلتزم الحلف -في تعريفه لوسائل عمله- بالحل السلمي للنزاعات، وإذا فشلت الجهود الدبلوماسية، يمكنه اللجوء إلى القوة اللازمة لتنفيذ عمليات إدارة الأزمات.
ويتم ذلك بموجب بند الدفاع الجماعي في معاهدة واشنطن، أو بتفويض من الأمم المتحدة، منفردا أو بالتعاون مع دول ومنظمات أخرى. ويتطلب ذلك، في كل الأحوال، قرارا جماعيا من الأعضاء.
وينص المفهوم الإستراتيجي كذلك على أن الحلف يعمل على منع الأزمات والاستجابة لها عندما يمكن أن تؤثر في أمن أعضائه، مع توفير قدرات للعمليات العسكرية والمدنية ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.
هل تلزم المادة الخامسة جميع الأعضاء بإرسال قوات؟
المادة الخامسة هي جوهر معاهدة الناتو وأشهر بنودها، وتنص على مبدأ “الدفاع الجماعي”: إذا تعرّضت دولة عضو لهجوم مسلح، عُدّ الهجوم عليها هجوما على الحلف كله.
لكن هذا لا يعني أن كل دولة مُجبرة على إرسال جيوشها؛ فالمساعدة ليست عسكرية بالضرورة، إذ تُقرّر كل دولة بنفسها التدابير التي تراها مناسبة لمساندة الحليف المعتدى عليه، بحسب قدراتها ومواردها. فالالتزام بالتضامن جماعي، أما شكل المساهمة فيبقى قرارا وطنيا.
ورغم مركزية هذه المادة، فإنها لم تُفعَّل سوى مرة واحدة في تاريخ الحلف كله: ردا على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة.
من يحدد التهديدات؟ ومن الحليف؟
لا تستطيع أي جهة داخل الناتو أن تقرر وحدها من هو عدو الحلف، فهذه المسألة تحددها الدول الأعضاء معا، عبر الوثائق الإستراتيجية التي تصف مصادر التهديد والتحديات الأمنية.
وقد وصفت ورقة حول المفهوم الإستراتيجي للناتو في عام 2022 روسيا بأنها التهديد الأكبر والأكثر مباشرة لأمن الحلفاء، وعدّت طموحات الصين المعلنة وسياساتها القسرية تحديا لمصالح الحلف وأمنه وقيمه، ووضعت “الإرهاب” بجميع أشكاله ضمن التهديدات المباشرة للحلف ومواطني دوله.
أما الحليف، في الاستخدام الرسمي للناتو، فهو الدولة العضو. كما أن قبول أعضاء جدد لا يتم إلا بموافقة دول الحلف.
هل هناك مساحة للخلاف بين الأعضاء؟
نعم. فالسفراء يتحركون وفق تعليمات حكوماتهم، وتحتفظ كل دولة بسيادتها ومسؤوليتها عن قراراتها.
وقد تختلف المواقف بشأن أزمة أو مشاركة عسكرية أو حجم المساهمة، لكن الموقف المختلف عليه لا يتحول إلى سياسة للناتو.
وهناك استثناء إجرائي محدود داخل عملية التخطيط الدفاعي يسمى “الإجماع ناقص واحد”. فعند مناقشة حزمة أهداف القدرات الخاصة بدولة ما، داخل اللجان الفنية للحلف، لا تستطيع تلك الدولة وحدها تعطيل قرار كان سيحظى بإجماع بقية الأعضاء. ولا تمتد هذه الصيغة إلى القرارات السياسية العامة للحلف.
المصدر: الجزيرة