لم تعد الضربات الأمريكية تقتصر على الساحل الإيراني المطل على الخليج، بل بدأت تتجه نحو العمق، في تحول يعكس انتقال العمليات من استهداف القدرات البحرية إلى ضرب منظومة الإسناد والتموين، بالتزامن مع تصعيد التهديدات الأمريكية باستهداف مواقع نووية محصنة، وفي مقدمتها مجمع “جبل الفأس” القريب من منشأة نطنز، بقلب الصحراء الإيرانية في محافظة أصفهان.
ويأتي ذلك بينما تتواصل المواجهة بين واشنطن وطهران على أكثر من جبهة، مع فرض حصار بحري أمريكي، ورد إيراني عبر استهداف سفن وقواعد أمريكية في المنطقة، وسط تهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتوسيع بنك الأهداف داخل إيران.
اتساع رقعة النار
ويعرض الزميل محمود الزيبق عبر الشاشة التفاعلية خريطة الضربات الأخيرة، موضحا أن الموجة الأمريكية استهدفت مواقع تمتد من تشابهار وكونارك وجاسك إلى بندر عباس وكيش وأبو موسى وبوشهر وخوزستان، في إطار عمليات واسعة ركزت في بدايتها على الساحل الإيراني المطل على الخليج.
وأضاف أن الضربات ترافقت مع إعلان إيراني عن سقوط قتلى عسكريين ومدنيين في بعض المناطق، بينما بثت واشنطن صورا قالت إنها توثق استهداف مواقع في ميناء بندر عباس، في وقت واصلت فيه إيران الرد باستهداف قواعد أمريكية في البحرين والأردن، إلى جانب مهاجمة ناقلتين إماراتيتين في الممر الجنوبي لمضيق هرمز.
وأشار الزيبق إلى أن التوتر انعكس مباشرة على الملاحة، إذ أظهرت بيانات حركة السفن شبه توقف للعبور في المضيق، بينما تصر طهران على رفض استخدام الممر الجنوبي الذي افتتحته سلطنة عُمان، وتعتبره مسارا غير مشروع لتجاوز سيطرتها على المضيق.
وفي قراءته العسكرية، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد إن استهداف 3 سفن خلال الساعات الأخيرة جاء متزامنا مع بدء الحصار البحري الأمريكي، معتبرا أن طهران تسعى إلى توجيه رسالة بأنها قادرة على تهديد حركة الملاحة حتى إذا تعذر عليها إيقاع خسائر مباشرة بالقواعد الأمريكية.
وأضاف أن إيران اتجهت إلى “الهدف الأسهل والأقرب”، عبر استهداف السفن التجارية العابرة للممر الجنوبي، في محاولة لإفشال أي مسار بديل يسمح باستمرار حركة الملاحة خارج الممرات التي تسعى إلى فرض سيطرتها عليها.
وبشأن الألغام البحرية، أوضح أبو زيد أن المعلومات الأمريكية والأوروبية تؤكد وجودها، لكن معظم السفن التجارية تمتلك أنظمة سونار قادرة على اكتشافها، فضلا عن أن الممرات البديلة خضعت مسبقا لعمليات تمشيط، وهو ما يفسر عدم تسجيل إصابات ناجمة عن انفجار ألغام حتى الآن.
وأشار إلى أن الخطر يبقى قائما فيما يعرف عسكريا بـ”الألغام التائهة”، وهي الألغام التي تتحرك من مواقعها بفعل التيارات البحرية، إلا أن إجراءات الاستطلاع قبل عبور السفن تقلل كثيرا من احتمالات وصولها إلى مسارات الملاحة الآمنة.
نقل خط النار
وفي تقييمه للضربات الأمريكية، قال أبو زيد إن التطور الأبرز يتمثل في انتقال خط النار من الساحل الغربي لإيران إلى العمق، موضحا أن الضربات الأخيرة امتدت من خرم آباد وصولا إلى كرمان، بعدما ركزت الموجات الأولى على القواعد البحرية المنتشرة على الساحل.
ويرى أن هذا التحول يعكس انتقال العمليات إلى “الخط الناري الثاني”، بعدما أصبحت القواعد الساحلية تحت ضغط كبير، لتبدأ واشنطن باستهداف خطوط الإمداد اللوجستي التي تغذي تلك القواعد، ضمن عملية متكاملة وصفها بأنها “تمشيط ناري” يهدف إلى تفكيك البنية العسكرية تدريجيا.
وأوضح أن الضربات طالت سابقا قاعدة الإمام علي البحرية في بندر عباس، إلى جانب منشآت بحرية في بوشهر، قبل أن تتحول نحو العمق لاستهداف المناطق التي توفر الإسناد للقوات المنتشرة على الساحل.
وعن منهجية الاستهداف، قال أبو زيد إن الجيش الأمريكي بات يعتمد دورة عمليات دقيقة تبدأ بالبحث عن الهدف وتثبيته وتعقبه، ثم تنفيذ الضربة، قبل العودة لتقييم حجم التدمير بواسطة طائرات الاستطلاع، وهو ما يفسر تكرار استهداف بعض المواقع أكثر من مرة.
وأضاف أن إعلان إيران إسقاط طائرة استطلاع أمريكية يرتبط بهذه المرحلة، إذ تستخدم تلك الطائرات لتقدير نسبة الأضرار قبل اتخاذ قرار بتنفيذ موجات جديدة، بما يحقق أعلى كفاءة نارية ويقلل استهلاك الذخائر.
حصن جبل الفأس
وفي سياق متصل, أعاد ترمب تسليط الضوء على موقع “جبل الفأس”, مهددا باستهدافه، وهو مجمع شديد التحصين يقع جنوب طهران قرب منشأة نطنز، وتشتبه الاستخبارات الأمريكية في أنه قد يشكل منشأة سرية بديلة لتخصيب اليورانيوم، بينما تؤكد طهران أنه مخصص لتجميع وتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة.
ويقول أبو زيد إن الجبل يقع ضمن سلسلة جبال زاغروس، وتحيط به تضاريس صخرية معقدة تمنحه مستوى استثنائيا من التحصين، الأمر الذي يجعله من أصعب الأهداف العسكرية، إذ تشير التقديرات إلى أن منشآته مدفونة على أعماق كبيرة داخل الصخور.
وأضاف أن طبيعة الموقع الجغرافية والتحصينات المحيطة به تجعل أي محاولة لاستهدافه مرتبطة باستخدام قنابل خارقة للتحصينات، قادرة على اختراق أعماق كبيرة، وهو ما يفسر أهمية الموقع في حسابات المواجهة بين واشنطن وطهران.
المصدر: الجزيرة