تايوان..

لم تعد التكنولوجيا الرياضية مقتصرة على ملاعب المنافسات، بل امتدت تطبيقاتها إلى المنازل ومراكز التأهيل الطبي. وفي هذا المجال، توظف تايوان خبراتها في التصنيع والتصميم والحوسبة لتطوير الدراجات، والدراجات الكهربائية، ومعدات التدريب والتأهيل الطبي، بما يعزز جودة الحياة ويخدم القطاع الصحي.

انتقل الدراج التشيكي أوندرا سليز من مهنة رسم الوشم إلى منافسات الدراجات الجبلية الحرة، وحقق في عام 2026 بطاقة “وايلد كارد” للمشاركة في جولة “ناتشورال سيليكشن” (Natural Selection Tour) بنيوزيلندا، حيث حل سادسا على متن دراجة من إنتاج شركة ميريدا (Merida) التايوانية، إحدى أكبر الشركات العالمية في صناعة الدراجات.

ولا تقتصر أهمية هذه الإنجازات على النتائج الرياضية، بل تساهم في إبراز قدرات الصناعة التايوانية في الدراجات والتكنولوجيا الرياضية والرعاية الصحية الذكية، إذ أصبحت منتجاتها تُستخدم أيضا في المستشفيات وعيادات التأهيل لتحسين سرعة تعافي المرضى ورفع كفاءة العلاج.

الدراج التشيكي أوندرا سليز (Ad by TITA)
الدراج التشيكي أوندرا سليز (Ad by TITA)

يعتمد نجاح تايوان في التكنولوجيا الرياضية على تكامل خبراتها في تكنولوجيا المعلومات والتصنيع، ما يسمح بدمج المستشعرات والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية وتقنيات الواقع الممتد (Extended Reality) في الدراجات ومعدات اللياقة والرياضات المختلفة.

كما توظف قدراتها الحاسوبية في تحليل البيانات الضخمة لدعم أداء الرياضيين، وهو ما جعل تقنياتها حاضرة في بطولات دولية مثل: الألعاب الأولمبية وكأس العالم.

وتُصنع معظم مكونات دراجة( Merida One-Sixty FR) داخل تايوان، التي تضم أكبر تجمع عالمي لموردي مكونات الدراجات، ما يسرّع عمليات التصميم والاختبار والإنتاج.

وتستند هذه المكانة أيضا إلى خبرة تايوان في تصنيع ألياف الكربون وسبائك الألمنيوم الدقيقة، وهو ما أسهم في تطوير دراجات عالية الأداء تنافس في أبرز السباقات العالمية.

أضاف انتشار الدراجات الكهربائية إلى دفعة جديدة للصناعة التايوانية، إذ تطور الشركات المحلية المحركات وأنظمة البطاريات والمكونات الإلكترونية مستفيدة من خبرتها في أشباه الموصلات، ما يمنحها قدرة تنافسية عالية في السوق العالمية.

وتعد شركة ميريدا نموذجًا لهذه الصناعة؛ فهي تطور وتصنع الدراجات الهوائية والكهربائية وتوزع منتجاتها في أكثر من 60 دولة، معتمدة على البحث والتطوير وشبكاتها العالمية لتعزيز الابتكار.

دراجة "ميريدا وان سيكستي" (MERIDA ONE SIXTY) الجبلية لسباقات أندورو
دراجة “ميريدا وان سيكستي” (MERIDA ONE SIXTY) الجبلية لسباقات أندورو (Ad by TITA)

ويقول نائب الرئيس التنفيذي الأول للشركة، داريل تشانغ، إن المنافسات الرياضية تمثل بيئة اختبار حقيقية لتطوير المنتجات، إذ تسهم ملاحظات الرياضيين المحترفين في تحسين الأداء وسبل الراحة والمتانة، وذلك قبل نقل هذه التقنيات إلى المنتجات المخصصة للمستخدمين العاديين.

وتعتمد دراجات ميريدا على سلاسل شركة كيه إم سي (KMC) التايوانية، أكبر مصنع لسلاسل الدراجات في العالم، والتي تطور منتجات متوافقة مع أبرز أنظمة الدفع العالمية، مع التركيز على الجودة والأداء.

كما تدعم كيه إم سي فرقًا مشاركة في بطولات الاتحاد الدولي للدراجات، واستخدمت فرق متنافسة في كأس العالم الأخيرة سلاسل الشركة المطورة بالشمع، في إطار نقل التقنيات من مراحل التطوير إلى المنافسات العالمية.

وتؤكد الشركة أن تكامل سلسلة التوريد في تايوان يعزز التعاون بين موردي المواد والمصنعين والعلامات التجارية، بما يسرع تطوير التقنيات وتبادل الخبرات وتحويلها إلى منتجات أكثر كفاءة.

لا تكتمل دراجات ميريدا دون مكونات شركة كيه إم سي (KMC) التايوانية، أكبر مصنّع لسلاسل الدراجات في العالم. وتعتمد الشركة على الابتكار المستمر لتطوير أنظمة دفع متكاملة تلبي احتياجات الدراجات الحديثة، مع توفير سلاسل متوافقة مع أبرز أنظمة الدفع العالمية، مثل شيمانو (Shimano) وسرام (SRAM) وكامبانيولو (Campagnolo). وتجمع منتجاتها بين دقة التصنيع والأداء العالي، ما أكسبها ثقة الدراجين حول العالم.

وتواصل كيه إم سي اختبار تقنياتها في أعلى مستويات المنافسة، من خلال دعم فرق مشاركة في بطولات الاتحاد الدولي للدراجات. وخلال بطولة كأس العالم للدراجات الجبلية الأخيرة، اعتمد فريقا كيه إم سي نيكوبروف (KMC NekoProof) وفريمووركس ريسينغ/ تي آر بي (Frameworks Racing/TRP) على سلسلة كيه إم سي إكس 12 واكسد (KMC X12 Waxed).

وترى كيه إم سي إنترناشونال أن قوة الصناعة التايوانية لا تكمن في قدرات الشركات الفردية فحسب، بل في تكامل منظومة التصنيع وسلسلة التوريد، إذ يتيح التعاون الوثيق بين موردي المواد والمصنعين والعلامات التجارية تسريع تطوير التقنيات وتبادل الخبرات، بما يعزز كفاءة الإنتاج ويرفع القدرة التنافسية للقطاع.

لم تعد التكنولوجيا الرياضية في تايوان تقتصر على تحسين الأداء الرياضي، بل امتدت إلى دعم العلاج وإعادة التأهيل.

وفي هذا الإطار، تطور شركة دياكو إنترناشونال (Dyaco International) معدات اللياقة البدنية وبرامج العافية وإعادة التأهيل الطبي، عبر علامات تجارية عالمية مثل سبيريت (Spirit) وسول (Sole) وإكستيرا (Xterra)، مع دمج برمجيات ذكية تربط التمارين بالبيانات الصحية للمستخدمين.

ويقول آرون تشانغ، المساعد التنفيذي لرئيس مجلس إدارة دياكو إنترناشونال، إن الطلب يتزايد على أجهزة لا تكتفي بتسهيل التمارين، بل تقيس الأداء، وتتابع تقدم المستخدمين، وتسهم في تحسين النتائج.

وأضاف أن التقارب بين اللياقة البدنية، التأهيل الطبي، وتطوير الأداء يخلق حاجة متنامية إلى حلول متعددة الاستخدامات.

وأشار إلى أن جهاز آي-سترينث (i-Strength) من علامة سبيريت فيتنس (Spirit Fitness) يجسد هذا التوجه، إذ صُمِّم لتطبيقات تتجاوز تدريبات القوة التقليدية، ويستخدم في الأندية الرياضية، وبرامج الشيخوخة النشطة، ومراكز التأهيل الطبي، بما يوفر حلا يجمع بين التدريب والعلاج ضمن منصة واحدة.

طورت شركة ميغا جوي إنتربرايز التايوانية منصة EBR (Embrace Boundless Ride)، التي تنقل تجربة ركوب الدراجات الواقعية إلى الأماكن المغلقة، بهدف تقليص الفجوة بين التدريب التقليدي داخل الصالات والقيادة الفعلية على الطرق.

وتتيح المنصة للراكب الحفاظ على التوازن وتوجيه الدراجة وتغيير السرعة وصعود المرتفعات بصورة تحاكي ظروف القيادة الحقيقية، مع البقاء في بيئة تدريب آمنة داخلية.

ولا تقتصر المنصة على تعزيز اللياقة القلبية الوعائية، بل تسهم أيضا في تنمية التوازن وثبات الجذع ومهارات التحكم بالدراجة، لتوفر تجربة تدريب أكثر واقعية وشمولا مقارنة بأجهزة التدريب التقليدية.

ويقول جيمس تينغ، المدير العام لشركة ميغا جوي إنتربرايز، إن منظومة التصنيع المتكاملة في تايوان تتيح للشركة الانتقال سريعا من مرحلة الفكرة إلى الإنتاج، مع الحفاظ على معايير عالية من الجودة والموثوقية.

وأضاف أن شعار “صنع في تايوان” لم يعد يعبّر عن مكان التصنيع فحسب، بل أصبح مرادفا للحرفية والابتكار والقدرة على تطوير منتجات تنافس في الأسواق العالمية.

تطور شركة جي هو الصناعية (Gee Hoo Industrial Corp)، عبر علامتها التجارية بودي تشارجر (Body Charger)، أجهزة لياقة بدنية ذكية وحلولا لإعادة التأهيل الطبي تستهدف كبار السن والأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية، مع توظيف تقنيات المعلومات والاتصالات لتطوير منتجات تجمع بين التدريب والرعاية الصحية.

ومن أبرز ابتكاراتها جهاز “GB7009 Total Body Trainer Pro”، المتوج بجوائز، والذي صُمم ليناسب كبار السن وذوي الإعاقة ومرضى العلاج الطبيعي. ويتيح تشغيل الأطراف العلوية والسفلية بصورة مستقلة، ويدعم استخدام الكراسي المتحركة، كما يضم أنظمة مراقبة ذكية، وتتبعا رقميا للحالة الصحية، وبرامج تأهيل تفاعلية، ما يجعله مناسبا للمستشفيات ومراكز إعادة التأهيل ومرافق الرعاية طويلة الأجل، إضافة إلى الاستخدام المنزلي.

وتقول إيلينغ وو، من قسم التسويق في شركة جي هو، إن تزايد أعداد كبار السن وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة يدفعان أنظمة الرعاية الصحية إلى التركيز على الوقاية وإعادة التأهيل الوظيفي بدلا من الاقتصار على العلاج. وأضافت أن الشركة تستفيد من خبرات تايوان في تكنولوجيا المعلومات والهندسة الدقيقة لتطوير حلول تربط بين الرعاية الصحية وإعادة التأهيل والحياة النشطة.

أطلقت تايوان دعوة مفتوحة للمؤسسات والجهات الحكومية والشركات حول العالم للتعاون مع شركاتها المتخصصة، ومنها كيه إم سي إنترناشيونال (KMC International) وميريدا (Merida) وجي هو إندستريال (Gee Hoo Industrial) ودياكو إنترناشيونال (Dyaco International) وميغا جوي إنتربرايز (Mega Joy Enterprise)، ضمن مبادرة “انطلق نحو الصحة مع تايوان” (Go Healthy with Taiwan). واستقطبت المبادرة في نسختها السابقة 638 مقترحا من 55 دولة.

وتقام المبادرة هذا العام تحت شعار “تصميم مستقبل أكثر صحة معًا”، وتهدف إلى استقطاب أفكار ومشروعات تستفيد من خبرات تايوان الرعاية الصحية الذكية، التكنولوجيا الرياضية، وصناعة الدراجات، لتطوير حلول صحية قابلة للتطبيق على المستوى الدولي.

وبعد تسجيل 638 مشاركة العام الماضي، تستهدف نسخة عام 2026 استقبال أكثر من 800 طلب، فيما تحصل أفضل ثلاثة مقترحات على جوائز بقيمة 30 ألف دولار، دعمًا للابتكار وتعزيز التعاون الدولي في المجال الصحي.

وانطلقت الحملة في مايو/أيار بمشاركة ممثلين عن جمعية الدراجات التايوانية، وجمعية مصنعي السلع الرياضية، وجمعية الصناعات الطبية والتقنية الحيوية، ومستشفى تايبيه العام للمحاربين القدامى، إلى جانب شركات و دبلوماسيين معتمدين في تايوان.

وتؤكد تايوان أن تسارع شيخوخة السكان وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة يفرضان تحديات متزايدة على أنظمة الرعاية الصحية، ما يجعل التعاون الدولي ضرورة لتطوير حلول أكثر كفاءة واستدامة.

ومع استمرار ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد الطلب على حياة أكثر صحة، تسعى تايوان إلى توظيف خبراتها في التكنولوجيا والرعاية الصحية والصناعات الرياضية لتطوير ابتكارات تسهم في بناء مستقبل صحي أكثر استدامة.

 

المصدر: الجزيرة