لا تقتصر الحاجة إلى الأحضان على مرحلة عمرية بعينها، فالعناق ليس مجرد تلامس جسدي، بل لغة عصبية متكاملة. وتشير أبحاث حديثة إلى أنه لا يمنح شعورا بالراحة والهدوء فحسب، وإنما يساعد أيضا على تنظيم الجهاز العصبي، إذ يعمل كمنظم خارجي للتوتر، ووسيلة للتنظيم المشترك بين شخصين، يدخل جهازاهما العصبيان في حالة من التناغم أثناء التقارب الجسدي. ونتيجة لذلك، تنخفض استجابة الدماغ للتوتر، ويبدأ الجسم في تكوين “ذاكرة جسدية” تربط أشخاصا بعينهم بالشعور بالأمان والطمأنينة.
لغة خاصة جدا
يشير عالم السلوك ديسموند موريس إلى أن الحضن كان في الأصل أحد طقوس التحية، إذ يحمل ضمنيا رسالة أمان واضحة مفادها: “أنا لا أشكل تهديدا لك”، قبل أن يصبح وسيلة للتعبير عن الحب. ومع مرور الوقت، تحول إلى لغة متكاملة من لغات التواصل غير اللفظي، تستخدم في الترحيب والوداع، والعزاء والتهنئة، وإظهار الامتنان، والمصالحة، والتعبير عن المودة.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
وتشير مجموعة متزايدة من الأدلة في العلوم السلوكية والعصبية إلى أهمية العناق في مختلف مراحل الحياة، من الطفولة إلى البلوغ وما بعده، لما يرتبط به من آثار نفسية وفسيولوجية إيجابية تسهم في نمو الإنسان، وتعزز رفاهيته النفسية، وتقوي شعوره بالراحة والانتماء العاطفي.
ومع تراكم هذه الأدلة، لم يعد السؤال: “هل الحضن مفيد؟”، بل أصبح السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن أن يساعد في مواجهة الضغوط النفسية اليومية؟ هذا هو السؤال الذي سعت مجموعة من الباحثين في جامعتي كارنيجي ميلون وبيتسبرغ إلى الإجابة عنه، من خلال دراسة بحثت في ما إذا كان تلقي الحضن يخفف من الحالة المزاجية السلبية المصاحبة للخلافات بين الأشخاص.
خلصت الدراسة المنشورة عام 2018 إلى وجود ارتباط بين تلقي الحضن وتحسن المزاج، كأحد أشكال الدعم الاجتماعي غير اللفظي الذي يساعد الإنسان على تجاوز التوتر والانفعالات السلبية المصاحبة للخلافات اليومية، وإن كان لا يعد علاجا في حد ذاته، كما أنه لا يغني عن أشكال الدعم الأخرى.

تأثير مذهل وأبعاد غير متوقعة للعناق!
لطالما تم الربط بين اللمس الاجتماعي بما فيه العناق، وبين إفراز الجسم مجموعة من المواد الكيميائية الطبيعية -الإندروفينات- والتي تساعد على تخفيف الألم، وتعزز الشعور بالراحة. لكن دراسة حديثة نشرت عام 2025 أضافت بعدا جديدا لتأثير الأحضان على نظام “الإندوكانابينويد” (Endocannabinoid) في الدماغ، المسؤول عن تنظيم التوتر، والمكافأة، والانفعالات.
خلصت الدراسة إلى أن تأثير “الحضن” ليس مسببا لإطلاق مواد كيميائية مريحة وحسب، ولكنه في الواقع شبكة عصبية كاملة، تتحكم في الطريقة التي يشعر بها الإنسان بالعناق، ويفسره، سواء كان مريحا أو غير ذلك، هكذا تصبح بعض الأحضان سببا في الراحة والاطمئنان، والبعض الآخر مدعاة للنفور والاضطراب.
وفي واحدة من أبرز المراجعات العلمية، التي جمعت وحللت نتائج عشرات الدراسات السابقة، خلص باحثون إلى أن اللمس الاجتماعي الحاني، مثل العناق والاحتضان والإمساك باليد والتربيت، لا يقتصر أثره على منح الشعور بالراحة، بل قد يؤدي دور “المنظم الخارجي للتوتر”، إذ يساعد على تخفيف الاستجابة الفسيولوجية للجسم عند التعرض للضغوط. ويُعتقد أن ذلك يحدث عبر تأثيره في الشبكات العصبية التي تعالج الإحساس باللمس، ولا سيما المناطق الدماغية المسؤولة عن:
- الانفعالات
- الجهاز العصبي اللاإرادي
- تنظيم الهرمونات
- الاستجابة للضغط النفسي
لكن الأمر اللافت حقا، كان ذلك الذي جاء في دراسة نشرت بين عامي 2024 و2025 حول التزامن العصبي بين الأشخاص ودور اللمس في التطور الاجتماعي، والعاطفي، والمعرفي، والعصبي، حيث أشارت إلى أن اللمس بما في ذلك “الأحضان” يؤثر على الإدراك الحسي، ويفيد الصحة العقلية للبالغين في العلاقات الوثيقة، سواء كانت رومانسية أو علاقة صداقة، فيقلل الحزن والألم، بل يعمل كمنظم عصبي يرتبط بزيادة التناغم في نشاط الدماغ بينهما، ليحمل بعدا عصبيا واجتماعيا عميقا وليس مجرد شعور مريح وحسب.

نشتاق إلى الأشخاص أم إلى تأثيرهم؟
اللمس والعناق ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الحب أو المودة، بل هو آلية بيولوجية يستخدمها الدماغ لتنظيم الجسم والانفعالات، ففي ورقة علمية بعنوان “الحزن كشكل من أشكال التعلم” نشرت عام 2021 يشير باحثون إلى أن العناق يحقق ثلاث وظائف مختلفة، ومترابطة في الوقت ذاته:
- توقع الدماغ وجود شخص آمن وقريب: هكذا يبني الدماغ منذ الطفولة توقعات مستمرة حول وجود أشخاص يوفرون الأمان، وعندما يحدث اللمس يشعر الدماغ أن توقعاته تحققت فيقل الشعور بالتهديد، وينخفض القلق ويزداد الشعور بالانتماء والأمان.
- تنظيم الحالة الفسيولوجية مباشرة: مما يساعد الجسم على العودة إلى التوازن، فاحتضان طفل يشعر بالبرد، يبكي أو يشعر بالتوتر لا يساعده على تنظيم مشاعره وحسب ولكنه يساعد على تنظيم درجة حرارته، ومعدل ضربات قلبه، وتنفسه، وهرمونات التوتر لديه.
- اللمس يساعد الدماغ على الاستعداد للمستقبل: هكذا تساعد ربتة لطيفة أو حضن، الدماغ على تحديد ما يستحق الانتباه، وتفسير المواقف الاجتماعية، وتقليل الشعور بالتهديد، وتعديل الاستجابة الانفعالية قبل أن تتفاقم.
تقدم الورقة الأساس العلمي الذي يوضح أن الأشخاص المقربين لا يقدمون دعما عاطفيا فقط، بل يشاركون أيضا في تنظيم الحالة الفسيولوجية والانفعالية للجسم. لذا، عندما يختفي هؤلاء الأشخاص، يختفي أيضا مصدر التنظيم الخارجي، وهذا قد يجعل الإنسان يشعر بالضيق أو الاشتياق، ليس لأنه يفتقد الشخص فحسب، ولكن لأن نظام التنظيم الذي اعتاده لم يعد موجودا.
وكما يتحول “الحضن” إلى ذاكرة جسدية تحمل مشاعر الأمان والراحة، فإنه قد يتحول، عقب بعض الصدمات، إلى ذاكرة للخوف والقلق، حيث تتغير الطريقة التي يستقبل بها الدماغ اللمس، فيصبح الحضن أقل راحة، أو حتى مثيرا للنفور لدى بعض الأفراد.
هل يجب أن يكون الحضن حقيقيا؟
لكن ماذا لو لم يكن هناك إمكانية لعناق حقيقي؟ تجيب عن ذلك دراسة إندونيسية أشارت إلى أن “عناق الفراشة” الذاتي، وهو تقنية يضم فيها الشخص ذراعيه إلى صدره مع التربيت بالتناوب على الكتفين أو الذراعين، قد يساعد على تهدئة الجهاز العصبي. وخلصت الدراسة المنشورة عام 2025 إلى أن ممارسة هذه التقنية ارتبطت بانخفاض ملحوظ في مستويات القلق.
وبالنظر إلى الآثار المترتبة على الأحضان تساءل باحثون في جامعة ساوث ويست الصينية (Southwest University) حول التأثير المتوقع لـ “العناق الافتراضي”، وهل يشترط أن يكون العناق حقيقيا كي يترك أثرا؟ وقد بدت النتائج في دراستهم المنشورة عام 2025 مثيرة للانتباه، حيث خلصوا إلى أن العناق الافتراضي لشخص افتراضي خفف الحزن بصورة ملحوظة، حتى في غياب تلامس جسدي حقيقي، ولو كان الطرف الآخر غريبا.
المصدر: الجزيرة