بعد انتهاء التمرين، يتوقع كثيرون أن يشعروا بالهدوء والاسترخاء، لكن البعض يُفاجأ بعكس ذلك تماما؛ إذ يختبر تسارعا في ضربات القلب، وحالة من اليقظة الزائدة، أو بإحساس يشبه التوتر والقلق. ولا يقتصر هذا الشعور على المبتدئين، بل قد يختبره حتى الرياضيون المعتادون على التدريب، مما يدفع البعض إلى التساؤل: هل ترهق الرياضة الجسم بدلا من تهدئته؟ الإجابة العلمية أكثر طمأنة مما تبدو للوهلة الأولى.
الجسم لا يميز بين ضغوط الرياضة وضغوط الحياة
عندما يبدأ الجسم في بذل مجهود بدني، فإنه لا يتعامل مع الأمر باعتباره حالة سعي للاسترخاء أو محاولة تفريغ للطاقة، بل باعتباره تحديا يستدعي تعبئة الموارد.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
يتم تنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن الاستجابة السريعة والعكسية، وترتفع مؤقتا هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، وهي الهرمونات نفسها المرتبطة بالتوتر النفسي. هذا الارتفاع الهرموني ضروري لتوفير الطاقة السريعة للعضلات، وزيادة تدفق الدم، وتحسين التركيز الذهني أثناء الأداء.
ويوضح الدكتور أنتوني هاكني، أستاذ علم وظائف الأعضاء الرياضية في جامعة نورث كارولينا، في تصريح لصحيفة “نيويورك تايمز”، أن ارتفاع الكورتيزول أثناء ممارسة الرياضة لا يعد مؤشرا على الضرر في حد ذاته، بل يمثل استجابة طبيعية تساعد الجسم على تلبية احتياجاته المتزايدة من الطاقة أثناء النشاط البدني. وبعد انتهاء التمرين، تبدأ مستويات هذه الهرمونات في الانخفاض تدريجيا، ليدخل الجسم مرحلة التعافي واستعادة التوازن.
ويختلف هذا الارتفاع المؤقت اختلافا جوهريا عن الارتفاع المزمن للكورتيزول الناتج عن الضغوط النفسية المستمرة أو قلة النوم، والذي قد يرتبط، بمرور الوقت، بمشكلات صحية مختلفة.
الإجهاد الإيجابي.. كيف يجعلنا الضغط أقوى؟
إذا كانت الرياضة ترفع هرمونات التوتر، فلماذا ترتبط أصلا بتحسن الصحة واللياقة؟
يفسر العلماء ذلك بأن هذه الاستجابة المؤقتة لا تمثل ضررا، وإنماا تشكل البداية لعملية تكيف تجعل الجسم أكثر قوة وكفاءة مع مرور الوقت. ومن هنا ظهر مفهوم “الإجهاد الإيجابي”.
ويطلق علماء الفسيولوجيا على هذه الظاهرة اسم “الإجهاد الإيجابي”، وهو مفهوم علمي يشير إلى أن التعرض لجرعات معتدلة من الإجهاد يحفز الجسم على التكيف والتحسن دون أن يسبب أي ضرر.
وتوضح مراجعة علمية نُشرت عام 2015 في مجلة “Dose-Response”، واعتمدت على تحليل نتائج عدد من الدراسات حول تأثير التمارين الرياضية والإجهاد المعتدل في التكيف البيولوجي، أن التعرض المنتظم لإجهاد معتدل، مثل التمارين الرياضية، يحفز سلسلة من التغيرات البيولوجية التي تجعل الخلايا أكثر مقاومة للإجهاد مستقبلا، كما يعزز كفاءة أجهزة الجسم المختلفة، بدءا من العضلات ووصولا إلى القلب والدماغ.
ويؤدي هذا التكيف إلى مجموعة من التغيرات الفسيولوجية التي تجعل الجسم أكثر كفاءة مع مرور الوقت. فالعضلات تصبح أقوى بعد إصلاح الألياف الدقيقة التي تعرضت للإجهاد، ويزداد عدد الميتوكوندريا وكفاءتها، وهي العضيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة، كما يتحسن أداء القلب والرئتين في إيصال الأكسجين إلى الأنسجة.

لماذا نخلط بين التوتر الصحي والتوتر الضار؟
يرتبط لفظ “التوتر” في أذهان معظم الناس بالإرهاق النفسي أو ضغوط العمل أو القلق، لذلك عندما يشعر الشخص بتسارع ضربات القلب أو اليقظة الزائدة بعد ممارسة الرياضة، قد يظن أن جسمه يتعرض لإجهاد الضار.
لكن يجب التمييز بين نوعين مختلفين من الإجهاد. فالتوتر الناتج عن التمرين هو استجابة مؤقتة ومنظمة، يعقبها مرحلة تعافٍ تسمح للجسم بإصلاح نفسه وتعزيز قدراته. أما التوتر المزمن المرتبط بضغوط الحياة اليومية، فيستمر لفترات طويلة دون فرصة كافية للتعافي، ما قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى آثار صحية سلبية.
ولا يعني التشابه في الإحساس وجود تشابه في التأثير؛ فما يشعر به الجسم بعد جلسة تدريب ناجحة قد يكون، في الواقع، إحدى العلامات التي تشير إلى أنه بدأ يتكيف ويصبح أكثر كفاءة، وليس دليلا على تعرضه للضرر.
متى يكون هذا الشعور طبيعيا؟
يعد هذا الشعور طبيعيا إذا تراجع خلال فترة قصيرة بعد انتهاء النشاط، ولم يؤثر في جودة النوم، وصاحبه مع مرور الوقت تحسن تدريجي في اللياقة والطاقة اليومية، مع زوال الإرهاق خلال يوم أو يومين. عندها يكون الجسم في مرحلة تكيف صحي مع الأحمال التدريبية، وليس في حالة إجهاد مفرط.
متى يتحول إلى إشارة تحذير؟
في المقابل، هناك علامات تستدعي إعادة النظر في برنامج التدريب، منها استمرار الشعور بالتوتر أو التعب الشديد لساعات بعد التمرين أو حتى في اليوم التالي، واضطراب النوم بصورة متكررة بعد التمارين، وتراجع ملحوظ في الأداء الرياضي رغم الاستمرار في التدريب، وارتفاع غير مبرر في ضربات القلب أثناء الراحة لعدة أيام متتالية. كما قد يصاحب ذلك فقدان الحماس للتدريب أو بطء التعافي من الجلسات الرياضية.
قد تشير هذه العلامات مجتمعة إلى ما يُعرف بـ”الإفراط في التدريب”، وهي حالة ناتجة عادة عن عدم كفاية فترات الراحة بين الجلسات التدريبية، وليس عن التمرين في حد ذاته. الحل هنا ليس التوقف الكامل عن الرياضة، بل تعديل الشدة والحجم التدريبي، وزيادة فترات التعافي، والانتباه للنوم والتغذية.

التعافي أهم جزء في التمرين
فوائد الرياضة لا تتحقق أثناء التمرين نفسه، وإنما خلال فترة التعافي التي تليه، أي عندما يبدأ الجسم في إصلاح الأنسجة والتكيف مع المجهود الذي تعرض له، كما أن التمرين لا يهدف إلى القضاء على التوتر الجسدي نهائيا، بل يهدف إلى تدريب الجسم على التعامل معه بكفاءة أكبر.
ولهذا يُنصح بالحصول على قسط كاف من النوم، وشرب كميات كافية من السوائل، وتناول وجبات متوازنة تحتوي على البروتين والكربوهيدرات، مع تجنب زيادة شدة التمارين بصورة سريعة، خاصة للمبتدئين.
كما أن تخصيص أيام للراحة أو لممارسة أنشطة منخفضة الشدة، مثل المشي أو تمارين الإطالة، يساعد الجسم على الاستفادة من “الإجهاد الإيجابي” دون الوقوع في دائرة الإرهاق المزمن.
وفي النهاية، ليس كل توتر يشعر به الإنسان بعد ممارسة الرياضة علامة على وجود مشكلة. بل إن الشعور بقدر من التوتر بعد التمرين قد يكون جزءا طبيعيا من عملية بناء اللياقة وتعزيز قدرة الجسم على التكيف مع الضغوط.
ويبقى الفارق الحقيقي في قدرة الجسم على التعافي والعودة إلى حالته الطبيعية. فإذا اختفى التوتر تدريجيا وتحسنت اللياقة مع مرور الوقت، فمن المرجح أن الجسم يستجيب كما ينبغي. أما إذا استمر الإرهاق أو ظهرت علامات الإفراط في التدريب فقد حان الوقت لتخفيف الحمل الرياضي ومنح الجسم ما يحتاجه من راحة حتى يواصل التطور بصورة صحية.
المصدر: الجزيرة